مؤلف كتاب «اللباب في علل البناء والإعراب» هو «أبو البقاء العكبري محب الدين عبدالله بن الحسين بن عبدالله» وقد نسب إلى قرية قرب بغداد، وإلى بغداد نفسها، وإلى محلة فيها، وإلى مذهبه في الفقه، فقيل: العكبري، والبغدادي، والأزجي، والحنبلي، وأشهرهن «عكبرا» وهي قرية قرب بغداد، وفيها ولد سنة 538 هجرية وتوفي في بغداد سنة 616 هجرية.

أقبل «أبوالبقاء العكبري» على العلم منذ صغره يطلبه من كل وجه ويلازم أهله، ويعتمد ـ وهو الضرير منذ الصغر ـ على السماع في التحصيل، فتنوعت معارفه، وكثر شيوخه، وقد قرأ عليه كثير من التلاميذ أحصاها المحققون فبلغت قرابة أربعين تلميذاً بين أئمة وحفظة ونحاة ومؤرخين، ومنهم ياقوت الحموي، صاحب المعجمين: معجم الأدباء ومعجم البلدان.

و قد عرف أبوالبقاء بالثقة والصدق فيما ينقله ويحكيه، غزير الفضل كامل الأوصاف، متديناً ، ورعاً، صالحاً، قليل الكلام، وقد انقطع للعلم فكانت «زوجته تقرأ له بالليل كتب الأدب وغيرها، وكان إذا أراد أن يصنّف كتاباً، أحضرت له مصنفات في ذلك الفن، وقرأت عليه، فإذا حصّله في خاطره أملاه.

وهذا الانقطاع للعلم جعله بارعاً في علوم كثيرة، فقد قيل إنه كان إماماً في اللغة، إماماً في النحو، إماماً في العروض، إماماً في الفرائض، إماماً في الحساب، إماماً في معرفة المذهب.

وقال ابن خلّكان: «لم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه، وكان الغالب عليه علم النحو، وصنّف في مصنفات كثيرة» وقد خلف لنا «أبوالبقاء» ما يقارب من خمسة وخمسين مؤلفاً، منها تسعة عشر كتاباً في النحو.

أما كتابه اللباب في علل البناء والإعراب فيبدو أن شهرته شاعت في حياة المؤلف وبعد وفاته، فأقبل عليه الناس ينسخونه ويدرسونه ويبدو أن إيثاره الإيجاز والدقة والعمق والوضوح، دفع الناس إلى العناية به، فتناقله المقبلون على دراسة علمي النحو والصرف.

قسم «أبوالبقاء» كتابه أبواباً، وقسم الأبواب فصولاً، وألحق بالفصول والمسائل ابوابا تتصل بها أو تكملها،

وقد كان يطيل في أبواب، ويوجز في أخرى وفق ما يجتمع لدية من علل السابقين، أو ما يستنبط من كلام العرب من مسوغات، يسوّغ بها البناء والإعراب، لا وفق ما وضع النحاة من أحكام وقعّدوا من قواعد، ولهذا طال باب الإعراب والبناء وباب التثنية والجمع لاحتشاد العلل والمسوّغات، وقصر باب المفعول له، وباب عطف البيان لضآلة حظهما من العلل والمسوغات.

بدأ «أبو البقاء» الباب باللغة، فيشتق منها، ثم شفع الاشتقاق بالجد والاصطلاح، من ذلك قوله في باب الاستثناء: «هو استفعال من كنيت عليه أي : «عطفت والتفتّ» وربما بدأ بالجد وأتبعه الاشتقاق كقوله: «حد البناء لزوم آخر الكلمة سكوناً أو حركة، البناء في الأصل وضع الشيء على الشيء على وصف يثبت كبناء الحائط».

أما مسائل الخلاف فقد جال فيه «أبو البقاء» فقارن ووازن، ومضى يولد الأدلة ويستنبط الحجج، ويدفع العلة بالعلة.

و طريقته في عرض الخلاف دقيقة، أساسها الإيجاز ونصرة البصرة، فهو يبدأ المسألة بحكم قاطع ينطق به لسان بصري، من ذلك قوله في اشتقاق الاسم: «واشتقاقه عن البصريين (سما يسمو) إذ علا، فالمحذوف منه لامه، ثم يضيف: وقال الكوفيون: هو من السمة فاؤه، وهو خطأ في الاشتقاق».

ويعتبر هذا الكتاب زبدة النحو، فقد مخض المؤلف قواعد النحو، حتى تحصّلت له العلل، ثم صاغها بأسلوب دقيق وجعلها عماد الكتاب، فجاءت فصول الكتاب محكمة موجزة، ومن مظاهر الإيجاز إهمال النادر والشاذ، وقد حفل الكتاب بالعلل، فالتعليل غاية المؤلف الأولى، والتعليل ينتظم البناء والإعراب، وإذا كان كلام العرب على اختلاف أقسامه، إمّا مبيناً وإما معرباً، فكل شيء عند المؤلف معلول بعلّة أو بضع علل،

وعلى النحوي أن يفتّق عرا الكلام عن هذه العلل، ما ظهر منها وما خفي وهكذا أوفي المؤلف بالغاية التي وضع فيها كتابه، وهي فنّ التعليل فأحصى واستقصى، ولم يقف عند المستعمل من كلام العرب، بل جاوزه، فعلل، إحجامها عن استعمال ما لم تستعمل.