مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفرنسي المخضرم والمعروف: ريشار لابفيير، وهو رئيس تحرير أحد الأقسام في راديو فرنسا الدولي. وكان قد سبق أن نشر عدة كتب لفتت الاهتمام. نذكر من بينها: دولارات الرعب، الولايات المتحدة والأصوليون (1999) وهو كتاب سبق 11 سبتمبر بسنتين على الأقل. ونذكر أيضا كتابه عن: أسامة بن لادن أو قتل الأب (2001)، هذا بالإضافة إلى كتاب ثالث بعنوان: كواليس الرعب (2003).
وفي هذا الكتاب الجديد الذي لقي أصداء واسعة في فرنسا على الرغم من محاربة شيراك والسلطة له نجد تحليلا جيوبوليتيكيا قويا للسياسة الخارجية الفرنسية في عهد جاك شيراك. والأطروحة الأساسية للكتاب هو أن الرئيس الفرنسي تراجع عن سياسته الديغولية السابقة خلال السنتين الماضيتين والتحق بركب السياسة الأميركية.
ومعلوم أن وزير خارجيته دومينيك دوفيلبان كان قد ألقى خطابا شهيرا في مجلس الأمن ضد السياسة الأميركية وضد غزو العراق. ومعلوم أيضا أنه أعلن معارضته العنيفة لبوش وحربه الهادفة إلى إسقاط صدام حسين.
وكانت معارضته من العنف والقوة بحيث أنها شكلت له شعبية واسعة في العالم العربي. وعندئذ اعتقد الناس أن ديغول بعث من قبره ولم يمت، وأن السياسة العربية لفرنسا لا تزال حية في شخص جاك شيراك. وعندئذ غضبت عليه الإدارة الأميركية أشد الغضب وراحت صحفها تشتمه وتشتم فرنسا وتسخر منها ومن لهاثها وراء العظمة الفارغة وهي لم تعد دولة عظمى ولا من يحزنون...
وقالت كوندوليزا رايس عبارتها الشهيرة: روسيا نحيّدها، وألمانيا نتجاهلها، وفرنسا نعاقبها...ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن شيراك لم يصمد على هذا الموقف الصلب الذي جلب له إعجاب العالم كله طويلا فسرعان ما انقلب عليه بمائة وثمانين درجة.
فما هو السبب يا ترى؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: هناك عدة عوامل شخصية وعامة دفعته إلى تغيير موقفه بشكل كامل والالتحاق بالمشروع الأميركي-الإسرائيلي في المنطقة.
من بينها علاقاته الخاصة جدا برئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري. وهناك فصل خاص يشرح ملابسات هذه العلاقة العاطفية والمالية بشكل مفصل. وهو يبين كيف أن الرئيس الحريري كان يصرف عليه شخصيا وعلى حملاته الانتخابية بشكل عام. والمبالغ تجاوزت عشرات الملايين، وكانت تسلّم بالقطع المالية الكبيرة في حقائب خاصة. ولهذا السبب حاول الرئيس الفرنسي إرضاء صديقه اللبناني عن طريق التصويت على القرار 1559 القاضي بانسحاب الجيش السوري من لبنان وتجريد حزب الله من سلاحه.
ولكن هناك أسباب عامة أيضا لهذا الانقلاب الكامل في السياسة الخارجية الفرنسية. فشيراك أرعبته أميركا بعد أن حاربته اقتصاديا وعرفت كيف تضغط عليه أو تنتقم منه. ولذلك خضع لها في نهاية المطاف. يضاف إلى ذلك أنه تخلى على القضية الفلسطينية تماما بعد موت ياسر عرفات وربما قبل موته. وكان ذلك من أجل إرضاء الإسرائيليين الذين ضغطوا عليه أيضا من خلال اللوبي اليهودي القوي في فرنسا.
ثم يردف المؤلف قائلا: في السابق كان شيراك يربط حل الأزمة اللبنانية بالحل العادل للمشكلة الفلسطينية بل وحتى العراقية باعتبار أن لبنان جزء من المنطقة العربية التي تحيط به ولا يمكن عزله عنها. وهذا ما قاله في خطابه الشهير أمام البرلماني اللبناني عام 2002.
وكان ذلك على هامش مؤتمر الفرانكوفونية الذي عقد في العاصمة اللبنانية آنذاك. ولكنه فيما بعد تراجع عن هذا الموقف الديغولي العقلاني العادل وتبنى الموقف الإسرائيلي أو الأميركي القائل بعزل لبنان عن المنطقة أو بالأحرى حل مشكلته بمعزل عن المشكلة الأساسية للمنطقة: أي مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي، ثم إجباره بعدئذ على توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل بمفرده.
وهكذا تخلّى شيراك عن السياسة العربية لفرنسا وفقد مصداقيته تدريجيا في العالم العربي، بل وأساء لسمعة فرنسا في الخارج. وسوف يحاسبه الشعب الفرنسي على ذلك عندما تحصل الانتخابات الرئاسية بعد بضعة أشهر. بل ربما كانت المحاسبة قد ابتدأت منذ الآن. فالفضائح المالية والمصرفية والرشاوى أخذت تظهر أكثر فأكثر.
وبدا للجميع أن رئيس الدولة استغل منصبه لأغراض شخصية وخلط بين (جيبته) وميزانية الدولة أحيانا. كما أن قبوله للرشاوى الأجنبية الضخمة تم على حساب مصلحة فرنسا وقيمها. وبالتالي فقد قضى شيراك على أربعين سنة من السياسة العربية لفرنسا، وهي السياسة التي رسم خطوطها العريضة رجل تاريخي عظيم اسمه شارل ديغول.
الكتاب مليء بالأسرار والتحليلات الجيوبوليتيكية الدقيقة عن منطقة الشرق الأوسط وسياسة فرنسا تجاهها. وهناك كشوفات صحفية ما كانت معروفة سابقا، نذكر من بينها كيف ضغطت المخابرات الأميركية والفرنسية على عبد الحليم خدام لكي يدلي بمقابلته الشهيرة إلى فضائية العربية حيث أعلن انقلابه على النظام الذي كان يخدمه حتى أمد قريب... وعموما لكي نأخذ فكرة عن أبعاد الكتاب يكفي أن نستعرض عناوين الأجزاء والفصول المتتالية.
بعد المقدمة العامة يسرد المؤلف قصة الهجوم الإسرائيلي على سجن جريشو في فلسطين واعتقال أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد تم ذلك بعد الانسحاب المريب للقوات الخاصة الأميركية-الإنجليزية وبالتواطؤ مع القوات الإسرائيلية. وكانت تلك خيانة للوعد المقطوع سابقا.
ثم ينقسم الكتاب بعدئذ إلى ثلاثة أجزاء. الجزء الأول يحمل العنوان التالي: الحلقة اللبنانية. وفيها يتحدث المؤلف عن لقائه مع جمال السيد مدير المخابرات اللبنانية السابق ويقول بأنهم سجنوه بتهمة التخطيط لاغتيال الحريري وهو منها بريء... ولا يزال مسجونا حتى الآن زورا وبهتانا.
ثم يتحدث مفصلا عن الأوضاع الداخلية السورية، وبعدئذ يتحدث عن التاريخ السري للقرار الشهير 1559: أي كيف طبخوه سرا في الفيلا الفخمة للرئيس رفيق الحريري في المنتجع الصيفي والبحري الجميل في سردينيا بإيطاليا. وقد شارك في طبخة الأميركان والفرنسيون بقيادة كوندوليزا رايس وربما بمشاركة غسان سلامة وزير الثقافة السابق في عهد الحريري. ولكن هذا الأخير ينكر ذلك إنكارا قاطعا، وهو إنكار لم يقنع المؤلف لأن غسان سلامة أصبح سياسيا بارعا في فن التمويه كبقية السياسيين.
وهناك فصل مهم جدا بعنوان: شيراك/الحريري، علاقة خاصة جدا جداً...
أما الجزء الثاني من الكتاب فيتحدث عن الموت الثاني لياسر عرفات: أي كيف تخلت فرنسا بقيادة شيراك عن القضية الفلسطينية والتحقت بالمشروع الأميركي-الإسرائيلي كليا بعد أن مانعت ذلك أو قاومته في البداية. وكان ذلك بمثابة صفعة جديدة توجه لياسر عرفات في قبره. كما كان ذلك يمثل تراجعا عن الموقف التقليدي لفرنسا من القضية الفلسطينية.
وفي الجزء الثالث يتحدث المؤلف عن الأسباب التي دفعت إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وهنا يكتشف القارئ معلومات مذهلة ومعاكسة للأطروحة الشائعة والمتركزة فقط على السوريين. فالمؤلف يعتقد بأن هناك احتمالات أخرى أكثر وجاهة تتمثل بالفرضية السلفية الأصولية، أو فرضية المافيا المالية والمصرفية، أو الفرضية الإسرائيلية والمحافظين الجدد.
ولكن الغرب تبنّى الفرضية السورية فقط لأنها ساعدته كثيرا على تنفيذ مخططه في المنطقة. بهذا المعنى فإن مقتل الرئيس رفيق الحريري جاء في وقته من أجل تسريع حركة التاريخ ومساعدة المشروع الأميركي-الفرنسي-الإسرائيلي على المضيّ قدما...
*الكتاب: التراجع الكبير للسياسة الفرنسية بغداد ـ بيروت
*الناشر: سويل ـ باريس 2006
*الصفحات : 240 صفحة من القطع الكبير
Le grand retournement Bagdad-Beyrouth
Richard Labévière
Seuil-Paris2006
p.240

