مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب الإيطالي مورينو بيرناسكوني رئيس تحرير جريدة الشعب الإيطالية، وهو يقدم هنا لمحة تاريخية عامة عن أجمل بلد في العالم: سويسرا. إنه يدرسه من كافة النواحي: الطبيعية، والجغرافية، والتاريخية، والسياسية.

ومنذ البداية يقول بما معناه: هناك أسطورة تدعى: سويسرا. فقد تحول هذا البلد في العالم كله إلى أسطورة جميلة، مرفهة، حضارية، لا مثيل لها. ولكن إذا ما نظرنا إلى واقع الأمور وجدنا أنه من الصعب أن يشكل المرء فكرة واضحة عن سويسرا. فهذا البلد ليست له حدود طبيعية واضحة، وليست له لغة موحدة، ولا دين واحد، ولا ثقافة مشتركة. ومع ذلك فإنه يشكل دولة من أغنى دول العالم وأكثرها استقرارا وحضارة!

ثم يردف المؤلف قائلا: وقد كانت سويسرا لفترة طويلة بلدا جبليا وريفيا. وكان طلاب المدارس حتى أمد قريب ينشدون النشيد الوطني الذي يبتدئ على هذا النحو: تحية لك أيتها الثلوج، أيتها القمم الرائعة التي تلامس السماء!

وقد تشكلت سويسرا بطريقة مختلفة تماما عن كل دول أوروبا. فالفرنسيون والإيطاليون بحثوا عن حدود جغرافية واضحة واتخذوها كمعيار أساسي لتشكيل دولتهم. أما الألمان فكان العامل اللغوي هو الأساس في تشكيل وحدتهم. هذا في حين أن دول أوروبا الشرقية غلّبت العامل العرقي على ما عداه.

أما السويسريون فلم يهتموا بأي شيء من هذا القبيل، فهم شعب غير موحد على الإطلاق. ومع ذلك فإنهم يتعايشون مع بعضهم البعض بكل سلام ووئام. فهم غير موحدين لغويا لأنه توجد عندهم أربع لغات: الألمانية، والفرنسية، والإيطالية، ولغة أخرى محلية.

وتوجد عندهم عدة مذاهب مسيحية وبخاصة المذهب البروتستانتي والمذهب الكاثوليكي. وعلى الرغم من أن العداء بين المذهبين كان كبيرا في العصور الماضية إلا أن حروب الأديان في سويسرا كانت أقل شراسة منها في فرنسا مثلا أو ألمانيا. فهل يعني ذلك أن السويسريين شعب حضاري منذ بدء الخليقة؟

هل يعني أنهم شعب مسالم في أصله وفصله؟ ربما. من المعلوم أنهم الدولة الوحيدة التي لم تشارك في الحرب العالمية الثانية، ولا ريب في أن هذا الشعب يحرص على رفاهيته وسعادته أكثر من الشعوب الأخرى. فإذا كانت هذه هي الحضارة فإنه حضاري، ولكنه أناني في ذات الوقت.

فسويسرا تحتوي على أكبر نسبة من البنوك في العالم قياسا إلى حجمها الصغير، ومعظم ودائع العالم وبخاصة أموال رؤساء دول العالم الثالث توضع في بنوكها. وهي تقدر بمليارات الدولارات كل عام.

من هنا غنى سويسرا أيضا. وسويسرا ليس لها رئيس بالمعنى الحرفي للكلمة، وليست لها عاصمة فعلية وإن كانت مدينة «بيرن» هي العاصمة الإدارية، ومع ذلك فإنها من أكثر الدول تنظيما وترتيبا واطمئنانا واستقرارا من الناحية السياسية. فلا أحد يسمع عن وجود مشاكل في سويسرا، أو اندلاع اضطرابات، أو سوى ذلك... إنها جنة الله على الأرض.

ثم يردف المؤلف قائلا: وقد كانت سويسرا عام 1848 البلد الأوروبي الأكثر ديمقراطية في العالم. ومع ذلك فقد لزمنا أن ننتظر حتى عام 1971 لكي يعطوا حق التصويت للمرأة! هل نعلم أن مساحة سويسرا كلها لا تتجاوز الواحد وأربعين ألف كيلومتر مربع؟ أي أربع مرات مساحة لبنان الذي كان يوما ما سويسرا الشرق الأوسط..

. أما عدد السكان فلا يتجاوز السبعة ملايين إلا قليلا. أما المدن الرئيسية فيها فهي: جنيف، بيرن، زيوريخ، لوزان، بال، وكلها جميلة ومحاطة بأجمل المناظر الطبيعية. بالطبع فإن شهرة جنيف تعود إلى كونها مدينة دولية بسبب وجود العديد من المنظمات العالمية فيها. ومعلوم أن عصبة الأمم التي أسست بعد الحرب العالمية الأولى عام 1919 كان مقرها في جنيف، قبل أن تنتقل إلى نيويورك بعد الحرب العالمية الثانية وتصبح الأمم المتحدة.

وقد كانت جنيف المدينة التي جرت فيها العديد من المؤتمرات التاريخية الكبرى. ففي عام 1954 انعقد فيها مؤتمر دولي لوضع حد للحرب الاستعمارية الفرنسية في الهند الصينية. وعندئذ نصت اتفاقيات جنيف على انسحاب الفرنسيين وتشكيل دولتين في فيتنام الأولى جنوبية، والثانية شمالية. وفي جنيف انعقد عام 1955 المؤتمر العالمي لمناقشة الشؤون الدولية الكبرى بمشاركة القوى العظمى، كالولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي، وانجلترا، وفرنسا.

ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم لا تزال مدينة جنيف المركز الثاني في العالم من حيث الأهمية بعد نيويورك فيما يخص المؤتمرات الدولية التي تقرر مصير العالم.

وبالتالي فإن سويسرا تتخذ أهمية أكبر من حجمها بكثيرا بفضل كونها دولة محايدة يلتقي على أراضيها العدو والصديق دون أي مشكلة. ولا ينبغي أن ننسى الجمال الساحر لجنيف، فهي تقع على بحيرة ليمان التي تمثل أكبر بحيرة في كل أنحاء أوروبا. وهم يسمونها هنا: بحيرة جنيف. وهذا ما يخلع على المدينة منظرا ساحرا. يضاف إلى ذلك التلال والجبال المحيطة بها.

وأما مدينة «بيرن» التي تمثل العاصمة الفيدرالية لسويسرا فليس لها أي إشعاع عالمي أو دور دولي على عكس جنيف. ولكنها مدينة جميلة جدا وربما من أجمل مدن العالم. ولذلك فهي تجذب السياح إليها مثل جنيف تقريبا.

أما زيوريخ فهي مدينة قوية وغنية جدا. ويمكن اعتبارها عاصمة سويسرا الألمانية. وهي على أي حال العاصمة الصناعية والتجارية لسويسرا، ويمكن اعتبارها بمثابة مركز سويسرا، وقلبها النابض.

ثم يردف المؤلف قائلا:

ينبغي العلم بأن سويسرا مشكلة من 73% ألمان، و20% فرنسيين، و5,4% إيطاليين، أو قل ناطقين بالألمانية والفرنسية والإيطالية بالإضافة إلى أقليات أخرى صغيرة جدا. وأما من الناحية الدينية فإن نسبة أتباع المذهب البروتستانتي تصل في سويسرا إلى خمسين في المئة أو أكثر قليلا. هذا في حين أن نسبة الكاثوليكيين تصل إلى 5,43%، وأما الستة في المئة الباقية فتتوزع على أديان أخرى غير مسيحية كالإسلام واليهودية والبوذية، الخ.

بالطبع فإن النظام علماني هناك ولا يفرق بين مواطن وآخر على أساس الدين أو المذهب. فكل شخص يحمل الجنسية السويسرية يتمتع بكافة حقوق المواطنة سواء أكان ينتمي إلى مذهب الأغلبية أم الأقلية.

فهناك فرق بين المواطن والمتديّن. صحيح أن كل متديّن مواطن في سويسرا، ولكن ليس كل مواطن متديّنا. فالحرية الدينية مضمونة هناك بشكل كامل كمعظم دول أوروبا الغربية المتقدمة.

لا ريب في أنه توجد حساسية بين أتباع المذهب البروتستانتي وأتباع المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني. أو قل إنها كانت موجودة في الماضي، ولكنها الآن خفّت كثيرا حتى لم يعد لها وجود تقريبا. وكل ذلك بفضل التطور والتنوير العلمي والحضاري.

*الكتاب: سويسرا

*الناشر: وايت ستار ـ إيطاليا 2006

*الصفحات: 136 صفحة من القطع الكبير

Switzerland

Moreno Bernasconi

White Star- Italy 2006

Whit