مؤلّف الكتاب حنفي محمود محمد باحث وكاتب مصري فاز بالمركز الثاني في مجال الدراسات النقدية لمسابقة الشارقة للإبداع الإصدار الأوّل، تناول من خلاله بالبحث والدراسة ملمحين من ملامح القصيدة الحديثة هما الغنائية والغموض. حيث نوّه من خلال الاستهلال إلى أن الغنائية لا تقتصر على القصيدة البيتية التقليدية.

وإنما تتخطّاها إلى القصيدة الجديدة، على اعتبار أن الغنائية تعبير مباشر عن أحاسيس الشاعر وحالاته النفسية التي نلتمسها من خلال استخدام ضمير المتكلّم، ولكن المباشرة في هذا الضرب من النظم لا تعني الذهاب في الوضوح والسذاجة المبتذلة، كما أنها في الوقت نفسه لا تعني الغموض، نظراً لما يختزنه النص من شيفرات ورموز وإيحاءات وظلال.

ومن جانب آخر، سوف يربط ما بين الغنائية والإيقاع، نظراً لأن الإيقاع بتعبيره، يلعب دوراً مهماً في ترتيب العلاقة ما بين الشاعر والمتلقين، الذين ينسجمون مع نغماته فيتابعونه بحركات لاإرادية تعبّر عن شعورهم باللذة والنشوة والشعر.

وإذا كانت القصيدة العمودية التقليدية قد اتّسمت بهذه السمة الإيقاعية من خلال الوزن والقافية، إلاّ أن القصيدة الحديثة لم تخل من مكوّنات الإيقاع الموسيقي أيضاً، نظراً لأنها تتخذ من التفعيلة وحدة موسيقية يكررها الشاعر.

كما يشاء دون الالتزام بتكرار عدد معيّن من التفعيلات، لأنها بدلاً من نظام البيت التقليدي ستتخذ نظام السطر الشعري الذي يمنح الشاعر حرية أكبر في التعامل مع نصّه، فلا يضطر إلى معالجة كثير من المشكلات التي كانت القصيدة البيتية تعاني منها، كالحشو والتكرار والتقديم والتأخير وصرف الممنوع ومنع المصروف بغرض المحافظة على الوزن.

وإلى ذلك مايز الباحث ما بين الوزن الوزن الشعري والإيقاع، فالوزن جزء من الإيقاع، والإيقاع بتعبيره، روح تسري في النصّ ومرتبط بالتجربة الشعورية.. «إنه وقع يبعثه النصّ في النفوس نشعر به، ويصعب إرجاعه إلى أسس ثابتة، ولكن يمكن أن نستشفه استشفافاً، ونبرر دون أن يكون التبرير قاطعاً ومحدداً». ومن ذلك سيأتي بشواهد عديدة منها مطلع أنشودة المطر للسياب:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء..كالأقمار في نهر

يرجّه المجداف وهناً ساعة السحر

كأنما تنبض في غوريهما النجوم

حيث يجد أن الشاعر يستخدم نظام التفعيلة (مستفعلن) ثمّ تفعيلة (فعل) لخلق إيقاع شجيّ، لا ينهض على التفعيلة فحسب، وإنما على أشياء أخرى، منها تكرار الراء (السحر، القمر، نهر، السحر)، والتفنن في صياغة الصورة الشعرية بظلالها وإيحاءاتها الهادئة التي تخلق في النفس وقعاً هادئاً يجعل المتلقّي أكثر ارتياحاً وسعادة.

وإلى ذلك سيتفنن الشاعر في إيقاعاته الموسيقية التي قد تأخذ وقعاً تجسيدياً لنغماته عندما يصوّر الطبيعة، كوقع حبّات المطر مثلاً في قوله:

«وقطرة قطرة تذوب في المطر

وكركر الأطفال في عرائش الكروم

ودغدغت صمت العصافير على الشجر

أنشودة المطر

مطر

مطر

مطر»

ويوضّح ذلك بأن الشاعر استغل إيحاء الأصوات لخلق جوّ موسيقيّ من خلال كركرات الأطفال ودغدغة صوت أوراق الشجر عندما تصطدم بها قطرات المطر ليخلق لحناً موسيقياً يختتم به كلمة مطر.

وفي هذا الصدد يشير الباحث إلى أن شعراء القصيدة الحديثة لم يتخلصوا من موسيقا الشعر العمودي بالرغم من اعتمادهم النظام السطري، حيث استخدموا الأبحر ذاتها فنظموا فيها ظانين أنهم بذلك يحدثون في البنية النصّية.

ومن جانب شعراء قصيدة النثر يرى المؤلّف أن كلاً من محمّد الماغوط وأنسي الحاج وتوفيق صايغ وغيرهم، لم يحفلوا بالوزن، وإنما بما يمكن تسميته موسيقا الاستجابة لإيقاع التجربة الحياتية على حدّ تعبير أدونيس الذي عبّر عنه بأنه إيقاع يتجدد كلّ لحظة، وإذا كانت اللغة هي أساس التشكيل الشعري فإنه في بنائية النصّ ينضاف إلى طاقتها خصائص الإثارة والمفاجأة والدهشة..

ثم تأتي الصورة لتشكّل عنصراً مهماً، بل من أهم العناصر في هذا المقياس، فأينما ظهرت الصورة تظهر معها حالة جديدة وغير عادية من استخدام اللغة، نظراً لأن الصورة أداة من أدوات الإيقاع بما تثيره من مفاجأة ودهشة استغراب في النفوس، ولأنها تعكس حركة النفس في نسيج خيوطها الرقيق، وقد درج شعراء قصيدة النثر على نسج الصورة الغربية التي تصدم القارئ، ومنها سيختار نماذج عدة لشعراء قصيدة النثر كمريد البرغوثي، وأمل دنقل، وسميح القاسم، ومعين بسيسو، وغيرهم.

وفي فصل خاص سيتناول المؤلّف مزالق أو عثرات القصيدة الغنائية، وهي بتعبيره، «سقطت» لأنها ابتعدت عن الصفات النوعية للشعر كالإيقاع والصور الموحية الجميلة، وجماليات التشكيل اللغوي، فانحرفت المباشرة إلى تقريرية جافة، وألفاظ خالية من النبض والجمال، مما أفقد هذه النصوص الخصائص الجمالية الفنية الأساسية، ومن ذلك الإيقاع النابع من تشاكل الألفاظ والحروف، وروعة التصوير واستخدام التقنيات الإضافية كالأساليب الخبرية والإنشائية.

وبناء على ذلك فإنه سوف يحدد هذا الانحراف «المزري» بالقيمة الفنية للنصّ من خلال أربعة أشكال هي:

*التعبير عن المواقف الإيديولوجية.

*التقريرية المفرغة أو شعرية الخبر.

*التقريرية وشعرية الوصف.

*القصائد التي ترصد السلوك اليومي، أو ما يسمّى الآن بفن نثر الحياة.

أما بالنسبة لشعر الغموض، فإنه سوف يؤكّد بادئ ذي بدء أن الغموض الفنّي صفة إيجابية، ولازمة من لوازم الإبداع الشعري اتّساقاً مع طبيعة الشعر الذي لا يبوح بما يكنّه الشاعر من خلال من خلال غلالة رقيقة ترتكز على الإيحاء والرمز والتكثيف، مستفيداً بذلك من قول أبي اسحق الصابي «أفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضك إلاّ بعد مماطلة منه».

وسيتابع في هذا الصدد تناولات النقاد العرب القدامى والمحدثين لمفهوم الغموض كحازم القرطاجنّي، وعزالدين إسماعيل، وكمال خير بك، وشكري عياد، ويوسف الخال.

ومن ذلك وعلى سبيل المثال يستعرض رأي ادونيس الذي رمى، على حدّ تعبيره، الكرة في ملعب المتلقّي لاتهام القصيدة الحديثة بالغموض، فيعلل لظاهرة الغموض في الشعر بالحداثة التي تعتبر انقلاباً جذرياً في مفهوم الشعر الحديث، ويتّهم القارئ العربي بقصور وعيه وثقافته، نظراً لتمسّكه بأدوات القصيدة التقليدية، أي الوزن والقافية.

أما بالنسبة للرمز، فهو قد أكّد على أن الشاعر بتوظيفه للرمز قد أضفى على البناء الفنّي قيمة جمالية، نظراً لأن الرمز يعتمد على الإيحاء، ويبعده عن المباشرة والتقريرية، غير أن شعراء الرمز العرب تأثروا بالشاعر ت.س. إيليوت الذي دعا إلى إيجاد معادل موضوعيّ للتعبير عن التجربة من خلال مجموعة من المواقف والأحداث التي تجسّد مشاعر الشاعر.

ومن ناحية ثانية، فإن ثمة دواع اجتماعية وسياسية جعلت الشاعر يعتمد على الرمز، ومن ذلك سعيه للابتعاد عن مواجهة السلطة، ومن ذلك نصّ فدوى طوقان «الطاعون» الذي وظّفته كمرض فتّاك ولكنه تعبير عن قوى البطش الإسرائيلية، وإلى جانب ذلك فقد استخدم الشاعر الحديث الرموز الأسطورية والشعبية والدينية، ولجأ إلى القناع من خلال توظيفه لشخصيّة أو شخصيات تراثية يعبّر بها وتعبّر عنه بما يريد من رؤى ومواقف في الواقع والحياة.

وإلى ذلك يستعرض المؤلّف دوافع استعمال الأسطورة في الشعر، ويبيّن أوجه التلاقي ما بين الشعر والأسطورة من حيث اللغة والخيال، ومن ذلك على سبيل المثال أساطير كلّ من «إيزيس وعشتروت» و«أدونيس وعشتروت» و«وعشتار وتموز» وجلجامش. أما من الأساطير اليونانية فإنه سوف يشير إلى أسطورة سيزيف وبرميثيوس وأوليس وغيرهم.

في الختام، نجد أن هذا البحث قد أضرّ به الموقف المسبق للكاتب في ما يخصّ الحداثة وشعرها، فلم يعمل على دراسة النصوص إلاّ بما يؤيّد رأيه، وبذلك فإن بحثه مال إلى الاستعراض أكثر، في الوقت الذي كان مطلوباً منه أن يحلل ويستنتج، سيما وأن الكتب والدوريات التي عالجت هذا الموضوع كثيرة، وخصوصاً في جوانب بنائية النصّ الحداثي وانزياحاتها العديدة عن النصّ الغنائي المعروف.

عزت عمر

*الكتاب: القصيدة الحديثة بين الغنائية والغموض

*الناشر: دائرة الثقافة والإعلام

الشارقة 2005

*الصفحات: 188 صفحة من القطع المتو