إن الآداب العامة، ويقصد بها آداب السلوك، تتشكل وتتكون في كل حضارة من الحضارات، حسب المعطيات والظروف الفكرية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وربّ حضارة تقوم آدابها السلوكية على العنف والقسوة، وحضارة أخرى تنتج آداباً تقوم على اللياقة واللباقة والظّرف والكياسة.

وآداب الطعام هي مجموعة التصرفات السلوكية التي على الإنسان في حضارة معينة أن يقوم بها، قبل الطعام وبعده، و في أثنائه، وفي حالة كونه منفرداً أو مع جماعة، وفي حالة كونه مدعواً أو داعياً، وهي من الآداب التي اهتمت بها الحضارات قديماً وحديثها وسنت لها السنن وخطت لها التعليمات.

أما مؤلف كتاب «آداب الأكل والشرب والضيافة» فهو العلاّمة «شهاب الدين أبي العباس أحمد بن عماد الأقفهسيّ» المولد سنة 750 هجرية في «أقفهس» وهي بلد بصعيد مصر، ويسميها العوام في ذلك الزمن بالأقفاص، وقد كان المؤلف من أئمة الفقهاء الشافعيين في عصره.

وقد درس في البداية على يد أبيه الذي كان عالماً بالأصول ثم تتلمذ على يد مشايخ عصره، ليصبح حجة بعد ذلك وليكون له تلامذة علماء، لعل من أولهم «ابن حجر العسقلاني» وقد ترك لنا مؤلفنا عدداً وافراً من الكتب، منها من تأليفه، وبعضها الآخر شرحاً أما كتابه هذا، فقد جمع فيه آداب الطعام، وصنع منها منظومته ثم شرح تلك المنظومة، ناثراً في شرحه أحكام الفقه، مستشهداً بشذرات من الأحاديث النبوية، مورداً الأحكام المتعلقة بتلك الآداب.

وجماع ما ذكره يمثل الآداب الشرعية للطعام والشراب، كما استقرت لدى الفقهاء في تفصيلاتها ودقائقها. وقد استعان المؤلف بطائفة من المراجع، نص على بعضها، ولم ينص على بعضها الآخر، فقد ذكر مثلاً كتاب «الطب النبوي» لكنه لم يذكر «طبقات الفقهاء الشافعية» للعبادي.

و لعل العودة إلى هذه الآثار تمثل جانبا من الآداب الإسلامية، وفيها يتجلى حرص هذه الآداب على الذوق الرفيع، والأدب الجم، والحفاظ على الصحة، والابتعاد عن الرذائل كالشره والجشع والأثرة وإذا كانت بعض آداب الطعام قد اختلفت عمّا كانت علية زمن المؤلف، أو قبله، فإنه ليس بضائر هذا، لأن الأمور الجوهرية واحدة، فأمر النظافة قبل الطعام وبعده مطلوب، سواء أكلنا بأيدينا أم بالملاعق، والترحيب بالضيوف واجب في أيامنا، كما كان الأمر قبل ألف عام ويزيد، وإجابة الداعي واجبة كذلك، والتسمية في البدء، والحمد في الخاتمة أمران لا بد منهما، والأمر بعد الإكثار من الطعام تجنباً للتخمة أمر معروف قديماً وحديثاً.

و من هنا فإن هذه الرسالة لم تُستنفد الفائدة منها، ومازالت ، مفيدة نافعة في أيامنا من حيث جوهرها كما كانت مفيدة نافعة في أيام مؤلفها، من حيث الجوهر والتفصيل.

و بعد مقدمة طويلة يأتي بشاهد:

طلبت آداب أكل ما أتاك فخذ

وراع آداب ما يأتي بلا حول

الآداب: جمع أدب، وهو اجتماع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ومنه سميت المأدبة مأدبة لاجتماع الناس فيها، والأدب يقع على الأحكام الخمسة، فيقال للواجب أدب، وكذلك بقية الأحكام، والحول بكسر الحاء: التحول.

ثم يعرض شاهداً آخر:

إذا دعيت إلى قوت أجبه ولو

تدعى إلى قرية واحذر من الكسل

لا تحقر الناس واشكر ما قد اصطنعوا

إنّ احتقارك كبر بيّن الخلل

إجابة الدعوة مستحبة ولو بعد الموضع، لقوله صلى الله عليه وسلم:«لو أهدي إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع الغميم لأجبت»، وكراع الغميم موضوع بين مكّة والمدينة.

ثم يضيف المؤلف على ذلك: ومن المتكبرين من يجيب دعوة الأغنياء دون الفقراء، هو خلاف السنّة ، كان رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين.

و يعرض المؤلف لمشاكل الدعوات بقوله: إذا دعا اثنان شخصاً إلى وليمتين، أجاب السابق، فإن جاءا معاً، كان فيهما أحد من أقاربه وذوي رحمه أجابه، وإن استويا في القرب والبعد، أجاب الأقرب منهما داراً.

كما يضيف: ويستحب تقديم الصبيان على الشيوخ في الغسل قبل الأكل لأنه ربما فقد الماء لو قدّمنا الشيوخ، وأيدي الصبيان أقرب إلى الوسخ، بخلاف ما بعد الطعام، فإن الشيوخ تقدم كرامة لهم.