عندما أطلت ترجمة رواية «القلعة البيضاء» لأورهان باموق في ترجمة إنجليزية لم يتردد بعض النقاد الأميركيين بصفة خاصة في التقاط ما أسموه بأصداء بورخيس وكالفينو في تلك الرواية.

اليوم ومع اطلالة رواية باموق «الكتاب الأسود» في ترجمة جديدة إلى الانجليزية بالتزامن مع فوز باموق بجائزة نوبل للأدب، فإن النقاد الذين قرأوا أعماله عبر اللغات الأربعين التي ترجمت إليها حتى الآن يجمعون على أن باموق لديه ما هو أكثر من المهارة الأسلوبية وما يتجاوز بكثير أصداء بورخيس وكالفينو.

«الكتاب الأسود» رواية توضح بجلاء القفزة التي حققها باموق في توسيع نطاق اهتماماته، بحيث لا تتوقف عند التوصل إلى طريقة للتأمل في طبيعة الهوية التركية والذات والآخر والارتحال بعيداً نحو الغريب والمدهش، وإنما تنطلق إلى آفاق أوسع من هذا كله بكثير.

هذا التوسيع لنطاق الاهتمامات من جانب باموق يظهر لنا عبر «الكتاب الأسود» من خلال اشتغال الروائي التركي على سلم أنغام ما بعد الحداثة، هكذا فإننا نمضي معه على صفحات هذه الرواية الممتدة من المناورات الانطولوجية إلى مطاردة ألغاز المدينة وصولاً إلى وجوه الآخرية الأخلاقية.

غير أن «الكتاب الأسود» ليست رواية تتوقف عند هذا وأنما هي تتجاوزه إلى آفاق أبعد وأكثر امتداداً بكثير، فهي تحفل بالقصص وكذلك بالقصص التي تدور حول القصص وبالقصص المتعلقة بقالب القصة.

على الفور لابد لنا من أن نلاحظ مجدداً أن باموق كاتب أكثر إبداعاً من أن يتوقف عند البراعة وحدها، فقصده النهائي هو تجسيد نسيج الحياة وتعقيدها في اسطنبول المعاصرة.

في هذا الاطار فإن رواية «الكتاب الأسود» تقدم لنا أسبوعاً في حياة محام يدعى غالب، هجرته زوجته المسماة رؤية. وهو يخمن أنها مع أخيها الأكبر غير الشقيق جلال، وهو صحافي أحرز له عموده الصحافي شهرة مدوية، وهو قد اختفى بدوره.

وشأن تحر ميتافيزيقي، فإن غالب يقرأ العلامات الدالة التي تهديه إلى طريقه في متاهة اسطنبول المترامية في أواخر القرن العشرين، وتراوح الرواية بين هذا السياق وبين أعمدة جلال الحافلة بالتأملات، والتي هي في أفضل أحوالها صياغات لقصص أخرى، أو لما يرويه غالب.

تنتهي هذه الرواية بالانقلاب العسكري الذي شهدته تركيا في عام 1980، وهي بالإضافة إلى ذلك مفعمة بزمانها الخاص وتجليات هذا الزمان.

ومن الواضح أن البؤرة التي ينصب عليها اهتمام باموق في هذه الرواية هي تركيا باعتبارها عتبة الشرق والغرب، حيث يحتدم السباق بين التقليد والحداثة. وتدور مقالات جلال بصورة استحواذية حول فقدان «بستان الذاكرة». وعندما يكتشف غالب أن جلال قام بترميم الدار التي أمضى بها طفولته تمهيداً لتحويلها إلى مكتبة ومتحف، فإنه يبدأ الاشتغال على اكتساب ذاكرة جلال.

وبحلول الوقت الذي يلقي فيه جلال ورؤية مصرعهما على يد أحد المتحمسين السابقين لأفكار جلال، فإن بستان غالب يكون قد ازدهر بما يكفي لجعله يكتب عمود جلال الصحافي.

هكذا فإننا نجد غالب يصف «عمله المؤسس حديثاً» بأنه «إعادة سرد الحكايات القديمة والعتيقة للغاية هذه».

وبمعنى ما من المعاني فإن هذه هي قصة باموق أيضاً، حيث انه يشدد على إمكانية شق طريق من الماضي يفضي إلى المستقبل، وكتابته مدهشة حقاً في نطاقها وتراكيبها وجملها وعمقها ونسيجها الكلي.

وعلى الرغم من أن باموق، كما سبقت لنا الإشارة، كثيرا ما يوضع موضع المقارنة مع ايتالو كالفينو، إلا أن روايته «الكتاب الأسود» تضرب جذورها بعمق في روائح اسطنبول وأصواتها ومشاهدها، وهي على الرغم من القالب الذي كتبت فيه رواية شديدة التحديد.

وعلى الرغم أيضاً من عناصر التشويق في هذه الإثارة وما تحفل به من ألغاز ولمحات غموض، إلا أنه لا يمكن لأحد أن يصفها بأنها رواية إثارة، حيث ان أسلوب باموق في كتابتها يجمع بين التفاصيل الحميمة المتعلقة بالحياة في اسطنبول وحكايات المتصوفة ونوادر الباشوات العثمانيين والجلادين القديمة ويختلط هذا كله مع بحث معمق في الهوية الانسانية.

والرواية في مجملها تنجح في ربط تركيا الآسيوية وتركيا الأوروبية وجذورهما وماضيهما بالعصور الحديثة وتعقيدات الحياة فيها.

وعلى الرغم من هذا النجاح، الذي لا موضع للتشكيك فيه، إلا أن بعض القراء ربما يشعرون بأن الحكاية التي يرويها باموق مألوفة لهم بأكثر مما ينبغي، حيث تدور حول موضوعات كالهوية وغياب المعاني الثابتة ووهم الاصالة، وهي نفسها الموضوعات التي طرقها كتاب في مقدمتهم بورخيس وكالفينو وإيكو.

وليس من المدهش أن نجد الصحف الأميركية بصفة خاصة تتبارى للترحيب بـ «الكتاب الأسود» في الترجمة الجديدة المشوقة إلى الانجليزية التي أنجزتها مورين فريلي، حيث تقول صحيفة «واشنطن بوست» عن رواية باموق هذه إنها: «انطلاقة مجيدة لخيال محلق».

وبدورها تصف صحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل» الرواية بأنها: «رواية رائعة، شهية بالنسبة لاذهاننا مثل راحات الحلقوم التركية بالنسبة لأفواهنا.. تشبه في مخططها التفاصيل الدقيقة والمدهشة لسجادة فارسية».

وتقول مجلة «نيشن» عن الرواية باختصار بالغ انها «عمل مدهش وخلاب».

ولا تتردد صحيفة «صنداي تايمز» اللندنية في وصف رواية باموق بأنها ملحمة قومية حديثة حافلة بالروعة وعناصر الابتكار.

وربما تدفعنا هذه التوصيفات والآراء النقدية إلى مزيد من التدقيق والتمحيص خلال الانطلاق عبر صفحات «الكتاب الأسود».

*الكتاب: الكتاب الأسود

*الناشر: الفريد نوف ـ نيويورك 2006

*الصفحات: 480 صفحة من القطع المتوسط

The Black Book

Orhan Pamuk

A .Knoph New York 2006

480