هذا الكتاب هو أول دراسة في جانب مهم من جوانب التراث الفلسطيني لعاشق التراث والمؤمن بضرورة تدوينه الكاتب سليم عرفات المبيض. وهذا جزء لا يتجزأ من علم الجغرافيا الأنثروبولوجية وملمح من ملامح الشخصية العربية الفلسطينية النادر البحث فيها. وقد تناول الكاتب المبيّض «الرزّيعة» كموضوع فريد، قدم له كمعنى ومدلول، ثم ساق بعض الأمثلة الحياتية المستغرقة. واعتبرت الرزيعة لون من ألوان الزجل القائم في الغالب الأعم على ما يشبه المطارحة الشعرية الدارجة في هذه الأيام.

يؤكد الكاتب وجود «الرزيعة» في محيط المحيط بمعنى (أرزع منه: أي جَبُن)، ويقال في المنطوق الشعبي (رزع الشيء: أي ضربه بقسوة، أو أجلسه بقسوة). وكما في قولهم «الفرح في عمورية، وأهل البريج بترزع» ومنها نفهم أن للرزع معنى الفرح، ككلمة «أغنية» التي لها مدلول الفرح ولكنها كذلك تحمل الحزن، الندم، الثورة..ألخ. والرازع هو الشاعر الشعبي الذي غالباً لا يقرأ ولا يكتب، لكنه يستخدم لهجته البدوية الدارجة.

ويوضح الكاتب أن الرازع أو الرزّاع مبدع بمعنى الكلمة لأنه ينطق بأشياء لأول مرة بالفطرة والعفوية. والرزع غالباً ما يقوله اثنان يتحدان بعضهما، بأسلوب قد يكتنفه الحب والمسامرة، وقد يصل لحد القدح أحياناً. والرزيعة ليست كالقصيدة الواحدة ذات الموضوع الواحد والقافية والأبيات، إنما هي بيت أو بيتان على الأكثر، وينتهي فيه شطر البيت أي السطر والعجز بقافية واحدة، مثل «ياريت من توخذ الحراث تسعد.. تحمل قدحها وتدور في البلد تشحد».

يقدم الكاتب الرزيعة كمطارحة شعرية حيث انها تراث بدوي يكاد أن يكون خالصاً، ويستدرك بأن الحياة اليومية والصحراوية لم تخلص من الاندماج المدني، فكل طرف أخذ من الآخر شيء من عاداته وحتى لهجته، خاصة ان كلا منهما يملك القدرة على التأقلم والتكيّف بسهولة مع كل التناقض والاختلاف في الأعراف والتقاليد بينهما. ويؤكد الكاتب أن الجوار الجغرافي والاحتكاك دفعا نحو التكامل والتنافس لدى الفلسطينيين أحياناً.

يشير المبيض لمكان دراسة انتشار الرزيعة والذي حدده الكاتب بالشريط الشرقي لقطاع غزة وشرق خانيونس ورفح. كما يتحدث الكاتب عن تاريخ الرزيعة كعمر ومساحة زمنية، ويربط الوصول إلى زمن كل رزيعة بالنقود التي ذكرت فيها، مثل «أنا جيت أسلم عليكن يا سميرات (أي السمراوات)..

وخدودكن بيظ من لون المجيدات» والمجيدية هي العملة العثمانية. ومع مواكبة العصر تجد الرازع يستخدم كلمات مستحدثة مثل السيجارة وهي لفظة انجليزية بعد أن تعوّد على الغليون فيقول متغزلاً: (الطول طول المها وارد على المية.. والخصر لفة سيكارة وأنعم شوية).

ثم يتحدث عن الحب والغزل وأنين الفراق، ويوضح أن الحب عند الرازع يدور دوماً حول صراع العواطف وتصوير الأشواق والعذابات والمشاعر، وذلك بأسلوب عفيف يملؤه الحذر والخوف نتيجة المجتمع المحافظ، مما دفع به لاستخدام الاستعارة والكتابة للدلالة على الأنثى. يقول رازع آخر «وانتن غزالين والثالث طردتنّه.. يا منقرشات الحنك عقلي سلبتنّه». كذلك يتقصى الكاتب للفكاهة عند أهل البادية، وتناول للحِكَم في الرزيعة.

ثم يتناول الكاتب القضايا الأخرى التي تحدثت عنها الرزيعة كالترحال خصوصاً لدى بدو النقب ونظراً لتذبذب الأمطار كان الرعب يجد مكاناً في حياة أبناء البادية. فكانوا يحثون المسير نحو الرحيل. يقول الرازع حول تفاوت سقوط المطر «بلاد جاهي مطر وبلاد ما جاهي.. وبلاد جاهي كحيل العين وبلاد خلاّهي».

وفي الوداع الذي يتسبب به الترحال قيل: «الله يسهل عليكو كثر رف الطير.. ويردكو بالسلامة ونشوفكو ع خير». وكذلك يتناول حروب البادية، أو ما يسمى بـ «الكونة» وقد شاعت تلك الحروب لعدة أسباب، أراضي المراعي أو المياه، وأحياناً بسبب استيلاء بعضهم على أراضي البعض، كما قد تكون هذه الحروب نشبت لمشاكل تتعلق بالعرض والشرف وما إلى ذلك.

وأورد الكاتب ظواهر المجتمع البدوي والتي شكلت موضوعات للرزع، مثل التمايز الطبقي، يقال: «يا خوي معاك باب الخلا سواح.. ع اليوم لن العرب يناسب الفلاح». كذلك هناك مواضيع العبيد، وقد أكدت العديد من الدراسات -كما يذكر الكاتب- وجود ظاهرة الجواري لدى شيوخ القبائل، وكان لا يحق للعبيد مجالسة الشيوخ في مجالسهم وقيل: «يا عبد في جال وايش جابك .. بالسيف أنا لا ظربك وأهيد جعابك».

سماح الشيخ

*الكتاب: الرزيعة في التراث الشعبي الفلسطيني

*الناشر: وزارة الثقافة ـ فلسطين 2006

*الصفحات: 129 صفحة من القطع المتوسط