مسرح بلا كواليس-*تأليف: جوان جان

مسرح بلا كواليس

جوان جان، مؤلف هذا الكتاب، هو مؤلف وناقد مسرحي سوري، ومتابع دؤوب للحركة المسرحية في سوريا. عرضت له الفرق المسرحية السورية الحكومية والخاصة، عددا من المسرحيات مثل مسرحية «المعطف»، و«خطبة لاذعة ضد رجل جالس»، و«أجمل رجل غريق في العالم»، و«ليلة التكريم»، و«نور العيون».. وسواها.

شارك في تأليف بعض الكتب، كما أصدر كتاب «وراء الستار»، وشارك في عضوية لجان تحكيم العديد من المهرجانات المسرحية المحلية، وهو يشغل الآن أمين التحرير في مجلة «الحياة المسرحية» الفصلية المتخصصة في المسرح، والتي تصدرها مديرية المسارح والموسيقى في سوريا.

في كتابه الجديد «مسرح بلا كواليس، إطلالة على الحركة المسرحية السورية 1999 ـ 2006م»، الصادر أخيرا عن وزارة الثقافة السورية بدمشق (2006)، يواصل جوان جان، وكما يشير العنوان الفرعي للكتاب، رصده للحركة المسرحية في سوريا في السنوات السبع الأخيرة، من خلال العروض المسرحية التي قدمت في مدينة دمشق من قبل المسرح القومي والمعهد العالي للفنون المسرحية.

بالإضافة إلى بعض التجارب الخاصة، وبعض العروض التي قدمت في المحافظات السورية دون أن يدعي الباحث بأنه قد أحاط بجميع العروض، وإنما اختار نماذج تعبر عن الواقع المسرحي السوري في الفترة المذكورة التي تستكمل فترة التسعينات التي تناولها جان في كتابه السابق «وراء الستار».

يستهل الباحث كتابه بتقديم لمحة بانورامية عامة عن الحركة المسرحية في سوريا منذ بداية الألفية الثالثة، إذ يلاحظ بان هذه الحركة قد شهدت نشاطا مسرحيا مكثفا ذا مستويات متباينة، وعادت إليها الروح دون أن يكون ذلك مؤشرا على أن المسرح السوري قد وصل إلى شط الأمان، فهو يرى بان هذا النشاط يتطلب مزيدا من الحرص، لذلك فهو يطالب المسرحيين بإثبات أن ما حدث ليس أمرا طارئا.

وفي هذا السياق، ولضرورة الحفاظ على العلاقة الجيدة التي استطاع المسرح السوري بناءها مع جمهوره، يدعو الباحث المسرحيين إلى العمل لتقديم «العروض ذات المستويات الرفيعة التي تجمع ما بين تقديم أفكار ومقولات مهمة وجريئة من جهة، والقدرة على جذب أكبر عدد من الجمهور من جهة ثانية».

ويعترف الباحث بان تحقيق هذه المعادلة صعب، ذلك أن المسرح الجاد والجيد قلما يستقطب جمهورا عريضا اعتاد على العروض السهلة والكوميديا الرخيصة، وعلى ضوء هذه الحقيقة فان الحل الأنسب ـ برأي الباحث ـ يتمثل في الاعتماد على نوعية المشاهدين لا على أعدادهم، فالجمع بين الجودة الفكرية والإقبال الجماهيري ليس أمرا مستحيلا لكنه بحاجة إلى صبر وأناة وتشجيع العاملين في الحقل المسرحي على البقاء في المسرح لا هجره باتجاه فنون أخرى وخصوصا التلفزيون الذي بات يجذب المسرحيين بصورة تهدد المسرح بالاندثار.

ومن خلال مراقبته للعروض المسرحية التي شهدتها المسارح السورية، يلاحظ الباحث وجود تنوع على صعيد الأساليب الإخراجية والمدارس الفنية التي يعمل على أساسها المخرجون، فثمة نصوص كلاسيكية، وأخرى تنتمي إلى الحداثة والتجريب، ومنهم من يفضل النص المحلي وآخر يفضل النص المترجم، ولئن ظهر توجه لدى المخرجين المسرحيين نحو النصوص الأجنبية، فان الباحث يصر على أن «الكاتب المسرحي المحلي هو الأكثر ضمانا لنجاح العمل المسرحي، والأقدر على تحقيق ما يريده جمهور بلده من المسرح لأنه يعرف من يخاطب وكيف؟»، وينتقد الباحث هنا اللغة الرديئة لبعض المترجمين لنصوص مسرحية كلاسيكية.

ولا يغفل الباحث عن مشكلة يعاني منها معظم المسرحيين، ليس في سوريا فحسب، بل في العالم العربي والعالم، وهذه المشكلة تتمثل في المردود المادي الضئيل الذي يحصل عليه المسرحي سواء كان ممثلا أم مخرجا أم كاتبا...ومثل هذا الواقع لا يحفز المسرحيين على العمل في المسرح.

وفي أحسن الأحوال يفضي إلى تقديم أعمال سقيمة، وهذا الواقع البائس للمسرحيين له أسباب كثيرة، إذ يعترف الباحث بان «المسرح في بلادنا ما زال بعيدا عن اهتمامات شرائح واسعة من الناس، ومثل هذا الواقع يحتم ضرورة التوجه نحو الذائقة الشعبية دون المساس بسوية العروض المقدمة.

وما يحتاجه المسرح السوري، اليوم، هو ترسيخ الإيمان بأهميته وبدوره الحضاري والثقافي، فهو مؤهل لان يتخذ موقعا هاما في صدارة المسارح العربية نظرا لوجود كوادر مؤهلة وموهوبة» لكن ذلك يحتاج إلى توفر الأرضية الصلبة لاستغلال وتوظيف هذه الطاقات المسرحية.

وفي بحث تحت عنوان «مسرحنا الشاب واقع وطموح»، يلقي الباحث الضوء على جانب من النشاط المسرحي الشبابي، إذ يلاحظ دخول أسماء شابة جديدة إلى ميدان الإبداع بشكل متسارع، والعديد من هذه الأسماء ـ كما يؤكد الباحث ـ استطاع أن يثبت وجوده ويرسخ أقدامه بسبب امتلاكه للموهبة أولا، وللثقافة المسرحية المكرسة لخدمة هذه الموهبة ثانيا.

ويعتبر الباحث أن هذا الجيل الشاب هو امتداد طبيعي لجيل السبعينات والثمانينات، فيطالب بضرورة توفير كل ما شأنه تشجيع هؤلاء على الاستمرار في خوض غمار الحركة المسرحية وتشجيع أصحاب المواهب الفذة في هذا الإطار، ذلك أن إهمال هذه المواهب سيقود أصحابها إلى البحث عن بديل آخر، وقد كثرت البدائل في السنوات الأخيرة، ولعل أهم هذه البدائل هو التلفزيون.

ويتوقف الباحث، أيضا، عند مسرح الطفل في سوريا، فيقر بان حصة الطفل السوري من مسرح بلده متواضعة، بل تكاد تكون معدومة بالنسبة للأطفال المقيمين خارج حدود مدينة دمشق، ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل والأسباب التي أدت إلى أن يكون المسرح في آخر سلم اهتمامات الطفل وذويه.

ولا يمكن الحديث عن واقع مسرح الطفل في سوريا بمعزل عن الحركة المسرحية بصورة عامة، فإن كانت هذه الأخيرة مزدهرة فان ذلك يعني ازدهار الأول، ذلك أن العناوين العريضة والخطوط العامة لمسرح الكبار ومسرح الصغار ـ إذا جاز هذا التصنيف ـ متداخلة ومتشابكة، إلى حد بعيد، في مسائل البنية التحتية أو صالات العرض وتجهيزاتها ومستلزماتها، والطاقم الفني والفنيين، كما أن الصعوبات والعوائق التي يعاني منها المسرح مشتركة وسط غياب الدعم الرسمي.

ولئن كانت الهموم مشتركة في مسرح الكبار ومسرح الصغار، فان لمسرح الطفل خصوصية نابعة من كونه يتوجه للأطفال مع ما يعني ذلك من مراعاة للكثير من الجوانب الفنية والجمالية، وهذه بدورها تفرض مجموعة من الفوارق والتمايزات التي لا تدرس غالبا بعناية، وليس هذا فحسب.

بل أن ثمة نظرة تبسيطية خاطئة سائدة لدى المعنيين بمسرح الطفل تقوم على إعطاء فرص لمخرجين جدد للعمل في مسرح الطفل كبداية تخولهم بعد ذلك العمل في مسرح الكبار، وهذه أحد الأخطاء القاتلة التي تحد من تطوير سوية العروض المقدمة للطفل، فالحقيقة أن مسرح الطفل ليس حقلا للتجارب» بل هو يفوق مسرح الكبار من ناحية الحذر والتدقيق في مضامين ما يقدم.

بعد هذا التمهيد النظري ينتقل الباحث إلى الجانب التطبيقي ليختار نماذج من المسرحيات السورية التي عرضت في الفترة المحددة للدراسة، في مختلف المدن السورية، وخصوصاً دمشق، ومن قبل مختلف الفرق المسرحية، فيناقش الباحث مسرحية «بياع الفرجة»، و«مزاد علني» للمخرج تامر العربيد، و«المفتاح» للمخرج فؤاد حسن، و«سيدة الفجر» لهادي المهدي، و«كسور» و«الدبلوماسيون» لغسان مسعود، و«التحقيق» و«رأس الغول» لزيناتي قدسية، و«لقاء 1..لقاء 2» لنائلة الاطرش، و«حكاية الشتاء».

و«حلم ليلة صيف» لرياض عصمت، و«صدى» لعبد المنعم عمايري، و«الليلة الثانية في الألفية الثانية» لفائق عرقسوسي، و«كهرب» لباسم قهار، وكلاسيك» لجهاد سعد، و«ساعي بريد نيرودا»، و«الفارسة والشاعر» لمحمود خضور، و«موت عابر» لطلال نصر الدين، و«عشاء الوداع» لبسام كوسا، و«خواطر» لمأمون الخطيب.

و«عالم صغير» لنوار بلبل، و«الموت والعذراء» لهشام كفارنة، و«المفتش العام» لعجاج سليم، و«مفاصل صخرة» لكمال البني، و«بيت برناردا ألبا» لمنصور السلطي، و«لشو الحكي» لوائل رمضان، و«أهل الهوى» لحاتم علي، و«كونشيرتو» لماهر صليبي، و«الزير سالم والأمير هاملت» لرمزي شقير، و«حكاية الجزيرة المجهولة» لحنان قصاب حسن، و«سيدي الجنرال» لأيمن زيدان، و«صيد الفئران» لعبد القادر المنلا.

ويختم الباحث كتابه بالحديث عن أهم المهرجانات المسرحية التي تقام في سوريا، فيبدأ بمهرجان دمشق للفنون المسرحية، ثم ينطلق نحو المحافظات والمدن السورية المختلفة التي تشهد مهرجانات مسرحية، وبهذا الشكل، فان الكاتب يقدم توثيقا لواقع المسرح في سوريا في سنواته الأخيرة من ناحية العروض والمهرجانات والتجارب الشابة.

ولا بد من التنويه أخيرا انه وفي ظل ندرة المراجع والكتب التي تتناول المسرح بالتحليل والنقد والمتابعة، فإن كتاب جوان جان يعد إضافة مهمة للمكتبة العربية، فهو يأتي بمثابة أرشيف لواقع المسرح السوري في السنوات الأخيرة، وهذا الأرشيف مدون بقلم كاتب يعشق الخشبة والكواليس، وها هو يواسي المسرح بنبرة حانية «إن المسرح في سوريا، شأنه شأن الكثير من الفنون في كافة أنحاء العالم، يقف أمام تحديات متعاظمة تتمثل في السيطرة شبه الكاملة لأدوات الإعلام والاتصال الحديثة التي وفرت على الفرد الكثير من الجهد والوقت، وفتحت أمامه حدود العالم دون جواز سفر، وحسبُ فن المسرح أن يحافظ على ما تبقى من نبل وصفاء إنساني أصبح في طريقه إلى الانقراض».

إبراهيم حاج عبدي

*الكتاب: مسرح بلا كواليس

*الناشر: وزارة الثقافة السورية دمشق 2006

*الصفحات: 264 صفحة من القطع المتوسط

تعليقات

تعليقات