في الجزائر وعلى امتداد تاريخها العريض المكثف بالأحداث هناك قلة ممن أسعفهم الحظ والحياة والظروف العامة من تدوين مذكراته، هناك من أحجم عن ذلك خوفا من إثارة القلاقل والفتن خاصة عندما يتعلق الأمر بحقبة التاريخ الوطني والثورة التحريرية والاستقلال، وهناك من تجرأ وكشف الغطاء عن أحداث كانت لوقت قريب مصنفة في خانة الأسرار، وهناك من كتب دون أن يقول كل شيء.
عند هذه الحالة يمكن أن نصنف مذكرات د. أحمد طالب الإبراهيمي نجل العلامة وأحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الشيخ البشير الإبراهيمي، والتي صدر الجزء الأول منها باللغتين العربية والفرنسية بعنوان ( مذكرات جزائري، أحلام ومحن 1932- 1965 ).
هناك عدة أسباب دفعت الدكتور الإبراهيمي لتقديم شهادته عن عصره، فهو كما يقول عن نفسه ينتمي إلى جيل متميز بالمعنى التاريخي للكلمة حيث عايش 3 مراحل حاسمة في تاريخ الدولة الجزائرية: «مرحلة الحشرجات الأخيرة للوحش الاستعماري، كرحلة حرب التحرير الوطني، وأخيرا العشرينات الأولى التي تلت انتزاع الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية».
لقد كانت هذه اللحظات مجتمعة علامة فارقة في حياة واحد من صانعي النظام الجزائري حيث اختار منذ العشرينات من عمره الالتزام بقضية بلاده التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار والنضال بكل الطرق من أجل الاستقلال.
إن حظ الانتماء - يقول الدكتور الإبراهيمي - لهذا الجيل المتميز فرض عليه التزاما آخر ألا وهو الاضطلاع بواجب الذاكرة عن طريق تقديم هذه الشهادة كحق لكل الجزائريين اليوم لمعرفة ما حدث فعلا خلال الاحتلال الاستعماري، والثورة المسلحة، وعهد الاستقلال.
وهو في هذا الجزء الأول يسرد ذكريات ووقائع كما عاشها ورآها بكل تجرد وصدق وأمانة تركا مهمة تحري حقيقة ما يكتبه إلى المؤرخ، ويقول إنه يروي ببساطة ما كان شاهدا عليه أو طرفا فاعلا فيه، متجنبا إطلاق الأحكام القيمية، «غير أني، والحق يقال، لا أروي كل شيء عملا بقول الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ،(ما كل ما يعرف يقال )،
ولم يكن الأمر بالسهل الهين لشعوري بأنني ربما أبقي على بعض الضبابية في بعض الحالات، ولكنني اتخذت قرارا صعبا لما يبدو فيه من إجحاف في حق الأجيال الناشئة»، لذلك عمد الدكتور الإبراهيمي إلى حذف مقاطع كبيرة من الأحداث معللا ذلك بعدم فائدتها للقارئ، و«قربها من السيكولوجيا أكثر منها إلى التاريخ، وإلى تصرفات الأفراد منها إلى التطور الجماعي».
كتب الدكتور مذكراته بالاعتماد كما قال على ذاكرته، وعلى مجموعة كبيرة من الملاحظات دونها في مناسبات متفرقة، ولجأ في بعض الأحيان إلى أصدقاء من خارج وداخل الوطن من الذين قاسموه بعض لحظات حياته سواء في الجامعة أو في السجن أو في الحياة النضالية.
وبحسب الكتاب، فقد ولد الدكتور الإبراهيمي في الخامس من شهر جانفي «يناير» 1932 بسطيف مدينة في الشرق الجزائري لأسرة يقال أن نسبها يرجع إلى الصحابي الجليل أبوبكر الصديق - رضي الله عنه-، وهي أسرة كانت تمتهن الثقافة والزراعة، ولها باع طويل في مقاومة المحتل الفرنسي منذ أيام الأمير عبد القادر 1847، أما من جانب الأم فيقول الإبراهيمي إنها تنحدر من أصول تركية.
صادف ولادته ـ كما يقول ـ احتفال فرنسا بمئوية احتلالها للجزائر، وبعد عام من تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي كان والده أحد مؤسسيها وروادها، وتلازم هذين الحدثين ـ يضيف الإبراهيمي ـ ليس عرضيا، فقد كان عمل الجمعية في ذهن الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي، يندرج في سياق الرد على التحدي الذي «مثلته الاحتفالات بمئوية الاحتلال التي أراد لها المستعمر أن تعلن نهاية الإسلام واللغة العربية في الجزائر».
في سنة 1933 أسندت لوالده الشيخ الإبراهيمي مهمة الإشراف على نشاطات جمعية العلماء في الغرب الجزائري، فاختار مدينة تلمسان العاصمة التاريخية حيث عاش الابن من سنة 1933 ـ 1945، متتبعا خطوات أبيه الذي كان يلقي دروس الوعظ والإرشاد في أماكن مختلفة.
هذا الجو العائلي المفعم بالحنان والرعاية والعلم والثقافة خلق في نفس الدكتور الإبراهيمي أكثر من علامة فقد علمه إرادة التحدي والمواجهة والصبر، ونمى في نفسيته خصال النضال والحرية، فعمل منذ التحاقه بالجامعة 1949-1954، تخصص طب على التزود بالعلم والمعرفة وزاد انخراطه في جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا من تكوين وعيه، وشارك في العديد من التظاهرات التي نظمتها الجمعية.
حضر الإبراهيمي حلقات حول الماركسية وكان الطلبة يدعونه «للمشاركة في بعض المناظرات حول الأمة الجزائرية»، وقد أصبح - كما يقول- من قراء الآداب الفرنسية ولينين وستالين.
كان لعدد من الرحلات التي قام بها الإبراهيمي إلى العالم الخارجي، بدءا من القاهرة وزيارته للبقاع المقدسة، واسطنبول، جنيف، وبعده فرنسا، أثر واضح في تكوين شخصيته ونظرته عن قرب للتحولات التي كانت تحدث في العالم، إذ ساهمت في تعزيز قناعاته بضرورة العمل من أجل الهدف الأسمى الذي سينذر له نفسه فيما بعد أي المطالبة بالحرية والاستقلال.
نظير النشاطات السياسية التي بدأها في باريس برفقة مجموعة من المناضلين الجزائريين وغيرهم، يتم اعتقاله في الـ 26 فيفري «فبراير» 1957، ليوضع في سجن فران «في زنزانة رقم 497 في القسم الثالث»، حيث قضى 5 سنوات ما بين سنة 1957- 1961، متنقلا بين عدد من السجون الفرنسية، وكانت ثمرة هذه الفترة كتاب (رسائل من السجن ) نشره بعد الاستقلال ويتضمن جملة من التأملات والمراسلات حول الحرية والعدالة وغيرها، مع العديد من الشخصيات الثقافية والسياسية ولعل أهمها رسائله إلى ألبير كامو.
ويفرد الدكتور الإبراهيمي فصلا خاصا حول اعتقاله في السجون الجزائرية بين سنة 1962- 1965، والطريقة التي تم تعذيبه فيها على خلفية معلومات تفيد بأنه عضو في حكومة معارضة لنظام الرئيس بن بلة.
في ختام الجزء الأول من مذكراته يعرج الإبراهيمي على الظروف التي صاحبت وفاة والده جراء ظروف الإقامة الجبرية التي فرضها عليه نظام بن بلة في ذلك الوقت، ويقف بشكل سريع على خلفيات الانقلاب العسكري الذي قاده هواري بومدين سنة 1962، والتحولات في مسيرة الثورة، وطريقة تكليفه من طرف هذا الأخير لتولي حقيبة وزارة التربية، وعن هذا يقول الإبراهيمي: «لم أكن أدري أني كنت بصدد الزج بنفسي في غمار تجربة من نوع جديد سوف تقيدني على امتداد ربع قرن تقريبا بما تفرضه علي من تضحية ونكران الذات».
أبوبكر زمال
*الكتاب: مذكرات جزائري
أحلام ومحن، الجزء الأول (1932-1965)
*الناشر: دار القصبة ـ الجزائر 2006
*الصفحات: 268 صفحة من القطع المتوسط

