«من الصعب أن تجعل رجلاً يفهم أمراً ما، إن كان راتبه يعتمد على عدم فهمه ذلك الأمر»، تلك العبارة التي ذكرها الكاتب الروائي الأميركي أبتون بيل سنكلير، أصبحت مقولة يستشهد بها الباحثون والأكاديميون في دراساتهم.
حقق سنكلير الذي ولد في بالتيمور وعاش معظم حياته في كاليفورنيا وأريزونا، شعبية وشهرة واسعة سيما في النصف الأول من القرن العشرين كما أثار في زمنه زوبعة من الاحتجاجات بين العامة والسياسيين وأثبت بأنه يمكن للروائي أيضاً أن يُحدث تغييراً في الرأي العام، ودفع الحكومة لاتخاذ عدد من الإصلاحات لصالح العامة. كان طفلاً ذكياً ناجحاً ومتميزاً في دراسته، وتمكن من دفع مصاريف دراسته في المرحلة الثانوية من خلال عائد نشر قصصه في الصحف والمجلات. وفي سن السابعة عشرة كان يكسب ما يكفي للانتقال إلى شقة بمفرده إلى جانب مساعدة والديه بمبلغ شهري ثابت.
نشر روايته الأولى «فصل الربيع والحصاد» عام 1901، وتبعها بعد عامين بروايته «صحيفة آرثر ستيرلينغ» ثم «مانساس» عام 1904، و«قبطان الصناعة» عام 1906، علما بأنها لم تحقق نجاحاً يذكر على صعيد المبيعات.
وفي عام 1905 نشر روايته الشهيرة «الغابة» التي أصبحت معلماً بارزاً في عالم الأدب، على حلقات في إحدى الصحف ذات التوجه الاشتراكي مما ساهم في رفع مبيعات هذه الصحيفة بصورة قياسية. وفي العام التالي حينما رفضت روايته من عدد كبير من دور النشر، قرر نشرها على حسابه الخاص وعندما نشر إعلانا في ذات الصحيفة بشأن بيعها، تهافتت عليه طلبات الشراء مما أقنع إحدى الدور بطبع وتوزيع الكتاب. وهكذا حققت هذه الرواية لدى نشرها أعلى المبيعات في مختلف بلدان العالم حيث ترجمت إلى سبع عشرة لغة.
وإثر نجاح عمله انضم إلى الحزب الاشتراكي ومن ثم الديمقراطي ورشح نفسه عدة مرات لعضوية مجلس الشيوخ إلا أنه لم يحقق النجاح المنشود، وخلال تلك المرحلة كتب مجموعة من الروايات السياسية بواقع عمل كل عام أو عامين منها رواية «الصرّافة» ونشرت عام 1908، ولم تحقق أي منها نجاحاً تجارياً.
وما بين عامي 1940 و1953 ابتعد عن النشاط السياسي كتب إحدى عشر رواية، بطلها شخصية واحدة تدعى (لاتي باد)، ووثق من خلال سلسلة الأعمال تلك، التاريخ السياسي للعالم الغربي خلال النصف الأول من القرن العشرين. وقد فاز كتابه الثالث من السلسلة «سن التنين» بجائزة بوليتزر للأدب عام 1943، واستمر في نشر المقالات والدراسات والرواية السياسية، وحينما توفي عام 1968 كان قد كتب 90 كتاباً في شتى المواضيع.
وتقدم روايته «الغابة» التي نشرت عام 1906 صورة عميقة لحياة العاملين المهاجرين في أميركا. وتدور أحداثها في شيكاغو حول مجموعة منهم، من الذين أتوا إلى الولايات المتحدة ليكتشفوا حياة قاسية وعالماً جاحداً وأرضاً تحطمت عليها أحلامهم.
تواجه المجموعة منذ البداية العديد من المحن والصعاب،
أولها حفل الزفاف، الذي يكلف العريسان يورغين وأونا مبلغاً كبيراً من المال. لماذا؟ لأن الجميع من حولهم يستغل ظرفهم وينصب عليهم في ثمن المشروب والطعام. أما المشكلة الثانية فهي مواجهة الموت، والثالثة عند شراء العريسين لمنزل لهما ولمجموعة أقربائهم حيث اضطروا لاحقاً لدفع ثلاثة أضعاف قيمة البيت من خلال بنود في العقد التي لم تظهر لهما في البداية.
ويكتشف يورغين الذي يبدأ العمل في مصنع لتعليب اللحوم عدم توفر المواصفات الصحية، حيث يخلط اللحم الفاسد باللحم السليم بعد تقديم رشاوى للمسؤولين عن الرقابة الصحية. وحينما يضطر يورغين للتوقف عن العمل بسبب كسر ذراعه، يدرك لاحقاً حينما أراد العودة إلى وظيفته بعد شفاء يده أن العامل لا قيمة له ويمكن استبداله كقطع الآلة عند أصحاب رأس المال.
وعندما تضع أونا مولودها الأول، تعود إلى عملها بعد مضي أسبوع واحد بسبب زيادة نفقات العائلة على الرغم من أن الجميع يعمل بما فيهم العجائز والأطفال. وتواجه أونا المزيد من الضغوط حينما يغتصبها رب عملها فيل كونور ويجبرها على مضاجعته عدة مرات تحت تهديد طرد جميع أفراد عائلتها من العمل.
تنهار أونا أخيراً وتصارح يورغين بكل ما جرى لها، وعلى أثرها يذهب زوجها إلى رب عملها ويبرحه ضرباً ثم يدخل السجن ويحكم لمدة شهر ويوضع اسمه في لائحة القائمة السوداء في الحي. وخلال مدة سجنه، تفقد العائلة المنزل وتعود إلى بيوت الملاجئ، وما إن يطلق سراحه حتى تفارق أونا الحياة وهي تضع مولودها الثاني.
يسعى سنكلير من خلال عرض حياة تلك المجموعة إلى تصوير قسوة الحياة التي يعانيها المهاجرون والفقراء بلا أية رأفة، وفي كل موقف يوضح دور ومسؤولية الرأسمالية في تردي أوضاع العاملين، كما بين من خلال نظرية داروين للتطور عبر التأقلم مع البيئة بأن البقاء للأقوى فقط.
بعد وفاة أونا يهرب يورغين من عائلته وينضم إلى إحدى العصابات ليحتال بدوره على المهاجرين الجدد كما حدث معهم في البداية ومن دون أي شفقة فضميره وقيمه ماتت مع مضي الزمن.
ويتحدث سنكلير من خلال عمله أيضاً عن موجات الهجرة إلى أميركا وأدوارها في الحياة الاجتماعية. فحينما قدم الأوروبيون الغربيون حصلوا على أدنى وأسوأ الأعمال، حتى وصول الايرلنديين الذين أخذوا دورهم. والآن حينما وصلت موجة هجرة الأوروبيين الشرقيين، ارتقى من سبقهم إلى درجة أعلى في السلم الاجتماعي وبات الشرقيون حثالة المجتمع.
وحينما يطرد يورغين من العصابة أيضا، يبدأ رحلة تشرده ليلتقي بمجموعة من الأفراد التي تناصر العمال وتطالب بحقوقهم، وبلا تردد ينضم لهم وهكذا يبدأ مرحلة جديدة تعيد له إنسانيته وتنشأ اتحادات ونقابات ويعود إلى عمله في ذات المصنع ولكن بمنصب مدير.
وعلى الرغم من أهمية تلك الرواية على كافة الأصعدة، إلا أن النقاد أخذوا على سنكلير خاتمة العمل التي جاءت مبتورة عبر خطاب مباشر مسهب

