ألّفت هذا الكتاب «كريستينا بورجيسون» المجازة في الصحافة من جامعة كولومبيا، والتي تعمل صحافية ومنتجة تلفزيونية مرموقة ومستقلة منذ ما يقارب عشرين عاما. لقد عملت كريستينا بورجيسون مع قناة «سي ـ ان ـ ان» ومع محطة «سي ـ بي ـ اس»؛ كما وتميّزت بأعمالها الإعلامية الواسعة بما جعلها تتلقى جائزة «ناشيونال برايز» المعروفة.
والكتاب الذي هو بين أيدينا إنما يستعرض وجهات نظر عدد من كبار الصحافيين الأميركيين أنفسهم الذين ينضمون إلى قافلة عدد من المثقفين البارزين في أميركا والذين لا ينفكون عن نقد السياسة الأميركية والتحذير من مخاطرها بالرغم من محاولة تهميشهم من قبل الإدارة الأميركية والوسائل الإعلامية التي تنصاع لها.
والصحافيون الكبار هؤلاء معروفون بعدم «تطرفهم السياسي» ولا يمكن اتهامهم «بالعداء لأميركا». وهم في ردودهم على أسئلة «كريستينا بورجيسون» يتفرّدون بالمواقع التي احتلوها في عالم الإعلام، أو المجال الجامعي وبما يجعلهم على بيّنة مما يقدمونه من آراء أو معلومات أو تحاليل تثير الدهشة حينا أو التفكير عليها حينا آخر، ومن بينهم:
«جون ماك آرثر»، «هاربر ماغازين» الذي ألف عدة كتب نقدية أساسية حول أميركا اليوم، والمتميّز باستقلاليته الصحافية.
«رون سوسكاند»، الحاصل على «جائزة بوليتزر» الأميركية، ومؤلف الكتاب المرجعي الذي حرّره مع وزير الخزانة السابق «بول أونويل» بعنوان «القصة السوداء للبيت الأبيض».
«بول كروغمان»، أستاذ الاقتصاد والسياسة الدولية في جامعة «برنستون». جيمس بامفورد»، المنتج لدى محطة «اي بي سي» ويعتبر أفضل الخبراء في ميدان الاستخبارات والأمن القومي الأميركي. وولتر بانكوس ويعتبر من أهم الاختصاصيين في شؤون الاستخبارات السرية الأميركية.
«هيلين توماس» المراسلة الصحافية لوكالة «يونايتد برس انترناشيونال» لدى البيت الأبيض الأميركي طوال ثلاثين عاما، والتي رافقت الرؤساء الأميركيين (فورد، كارتر، ريغان، جورج بوش الأب) في تنقلاتهم الرسمية.
إن هؤلاء جميعا قاوموا ضغوط الإدارة الأميركية عليهم سواء بفضل أوضاعهم المادية أو المراكز العلمية التي يحتلونها أو بسبب شهرتهم التي تحصنهم ضد أحابيل هذه الإدارة أو من جراء تمسكهم باستقلالية المهنة الصحافية ومسؤولية الصحافي المسلكية في علاقته بالرأي العام والمواطنين. وكما يقول أحدهم «عديد من أبناء جيلي قدموا إلى الصحافة لأنهم كانوا يشعرون بمسؤولية خاصة ملقاة عليهم ألا وهي رفض الكذب والتلاعب الذي عرفناه في حرب فيتنام».
هذا الجيل مختلف عن الجيل الصحافي الجديد الذي انفصل عن المجتمع ولا يهمه سوى «البحث عن امتيازاته المادية» والحصول على «موقع له في بطانة الرئاسة» البوشية وبالأحرى في «بطانة لويس الرابع عشر» فالجميع يريد أن يعيش في «فرساي» أي بالقرب من السلطة والملك ـ الشمس الحالي «جورج بوش الابن». إنه يكتفي بنقل ما تطرحه الإدارة الأميركية عليه من أخبار ونقلها إلى وسائل الإعلام المختلفة والمساهمة بذلك في صنع الرأي العام الأميركي حسبما تريده هذه الإدارة.
لماذا؟ «لأن المعايير الصحافية قد تغيّرت إذ لم يعد يطلب إليك تمحيص الأخبار والتدقيق فيها والتأكد منها كما اعتادت الصحافة الأميركية في الماضي». فالمعيار القائم هو التسليم بصحة الأخبار الرسمية، و«الانحناء للأقوياء». ويوضح أحد الصحافيين الذين أشرنا إليهم قائلا:
«إذا قلت أنه من الحماقة التفكير على قدرة صدام على إيذاء أميركا فإنك تضع 95 بالمائة من زملائك الصحافيين ضدك. وبين عشية وضحاها تصبح منبوذا. وتستبدلك إدارة البيت الأبيض عن مؤتمراتها الصحافية وتتعرض «للتهديدات هاتفيا» أو «عدم نشر مقالاتك إلا في الصفحات الداخلية أو عدم «نشرها كليا» أو «التشكيك بك».
والأمر يتعلق بأبعد من ذلك، فالسلطة السياسية تعمل على إفساد العمل الصحافي، باستمالة الصحافيين إليها، وتكفي «ملاطفة تشيني» أو«رامسفيلد» لتصبح الفرصة سانحة لك لتحقيق عقود مع شركات تقدم أجورا كبيرة» في حال نقل «الحقائق الجاهزة» التي يريدونها إلى الرأي العام.
علاوة على ذلك فإن الصحافيين «ينزعون إلى الخضوع للأوامر أيام الحرب، خاضعة إذا كانت مصالح حكوماتهم أو بلدانهم في كفة ميزان». والأمر أكثر حدة بالنسبة للصحافيين الأميركيين الذين يتماهون اليوم مع السلطة السياسية باعتبار أن هذه السلطة تعبر عن «نحن» السيادية الدستورية الأميركية، وأنهم جزء من هذه ال«نحن» التي يجب احترامها على عكس الصحافة الإنكليزية التي تعمل عموما على تميّزها عن السلطة البريطانية والبحث عن الحقيقة.
وطبعا فإن هذا يطرح مشكلة حقيقية فإذا كانت نخبة الإعلام الجديدة تتصرف كذلك، وبوجه خاص الفصيل الذي يصوغ الرأي العام والوعي الجماعي للأميركيين، فإن هذا من شأنه أن يحمل انعكاسات كارثية حسب بعض المستجوبين من قبل «كريستينا بورجيسون» وصولا إلى أن يقول: «يكفي النظر إلى مسألة العراق حيث دخلنا شرك كارثة كاملة ومطلقة.
فآلاف البشر يموتون دونما موت، ونحن لا نملك أية إستراتيجية للخروج. والمجتمع العراقي يغرق في الفوضى... ثم هناك قضية أخلاقية: فهل بناء الديمقراطية في العراق يعني - في حال الوصول إلى ذلك، مقتل 10 أو 15 ألف عراقيا؟ بالنسبة لي، كلا، لأن الثمن باهظ جدا. والعراقيون لم يطلبوا منا أن نذهب إليهم».
والحقيقة أن «الصحافة تحت الأوامر» في نشر الأخبار طبقا لما تريده الإدارة الأميركية.. كما تكفي الإشارة إلى الصور التلفزية الملفقة حول تحطيم نصب صدام حسين في الحرب الأخيرة وذلك أمام جمهور حاشد عراقي مبتهج خلاصا من الدكتاتور صدام، هذه الصور التي تُلفزت استهدفت كسب الرأي العام الأميركي وجرّه «إلى انتخاب بوش مرة ثانية».
كل هذا يُضاف إلى التلفيق حول وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق وحول العلاقة بين صدام والمنظمات الإرهابية. والنتيجة أن الصحافة قد جنّدت نفسها في الكذب على الرأي العام الأميركي كما يلاحظ ويؤكد العديد من المُستجوبين في الكتاب.
ولكن كيف حدث أن بلع الأميركيون الطعم بسهولة؟ يجيب على ذلك «جون ماك آرثر» قائلا: «الأميركيون لا يفرقون بين العرب والإرهابيين. ثم يضيف: «لا أعتقد أن واحدا من المحافظين الجدد يؤمن أن غزو العراق يعني إدخال الديمقراطية إلى المنطقة.
ولقد تحدث عن الشعب المختار نعتقد أننا الشعب المختار، وأن علينا مهمة في الحياة الدنيا وعلى امتداد العالم؛ مهمة انتشال الوثنيين من جاهليتهم ومن الظلمات التي يعيشونها إلى النور». والإدارة الأميركية استخدمت وتستخدم هذه الثقافة بحجة نشر الديمقراطية، أي الانتقال من الظلمة إلى النور.
وفي هذا السياق فإن المحافظين الجدد الذين يملكون «أموالا كبيرة» و«يحظون» بالدعم السياسي لهم بين الأوساط الصهيونية الأميركية والمجموعات الموالية لإسرائيل»، قد دعموا «ريغان» للحصول على رئاستين له، ولجأ بوش الابن إليهم للفوز في الانتخابات الرئاسية، للمرة الأولى والثانية؛ إنما صاغوا منذ عام 1996 مشروع «القطيعة الفاصلة» لتغيير خارطة الشرق الأوسط
وإذا كان المحافظون الجدد الذين أتى قسم منهم من اليسار الأميركي، لم يستطيعوا تنفيذ مشروعهم في السابق، فإن أول اجتماع للمجلس الأمني القومي الذي ترأسه بوش، عشرة أيام بعد انتخابه، قد طرح حسبما يقول وزير بوش السابق، «بول أونويل» مسألتين «الأولى ترك إسرائيل مرتاحة والعودة عن اتفاقيات أوسلو وقول بوش» سنترك أيدي شارون حرة طليقة»، والمسألة الثانية هي كيفية التخلص من صدام حسين والطلب من مدير الاستخبارات العسكرية إعداد الخرائط عن العراق وتحديد الأهداف التي يجب قصفها».
وما حدث بعد ذلك لم يكن أكثر من ذرائع روجتها الصحافة الأميركية لخداع الرأي العام الأميركي والعالمي من قبل واحدة من «كبريات الديمقراطية في العالم». ولكن بماذا تختلف الإدارة الأميركية القائمة عن غيرها؟ إن بوش «لا يدخل في القوالب المعروفة للرؤساء الأميركيين السابقين»؛ «إنه رجل فعل لا تفكير» و«الخوف من أن يخطئ كعادة رؤساء الدول منعدم في قاع دماغه». وهو «لا يقرأ ولا يحب الاطلاع على ما يقدم له من تقارير». كما أنه يملك الثقة المطلقة بنفسه.
«ثقة من شأنها تغيير قوانين الفيزياء». وهو بهذا محاط بجملة من المستشار الذين يصرح أحدهم بغطرسة الرون سوسكاند: «أميركا إمبراطورية اليوم. وفي كل مرة نفعل نقوم بخلق الواقع الذي نريد».
والسلطة الأميركية محصورة في دائرة مغلقة، «تعتقد أن قوس التاريخ ينحني لمصلحة من يملك الجرأة على الفعل». أما الصحافة فليست بالنسبة لهم أكثر من مجموعة ضغط مثلها مثل من يطالبون بنفقات التطبيب»، ولا يكمن دورها «إلا في الموافقة على قراراتهم». وهذه الدائرة المغلقة لا يمكن لأحد أن يعرف ما يدور فيها من نقاشات إلا بالنسبة لمن يشكل جزءاً من دواليبها».
*الكتاب: الإعلام تحت الأوامر
*الناشر: مطبوعات ليزارين باريس 2006
*الصفحات: 293 صفحة من القطع المتوسط
Media control
Kristina Borjesson
Editions les Arènes
paris 2006
p.293
