أنطوان صفير، هو مؤسس ومدير مجلة «دفاتر الشرق» التي تصدر في فرنسا منذ سنوات عديدة. كما أنه مؤلف العديد من الكتب آخرها «تونس، أرض التناقضات» ومنها «أموال العرب» و«أطلس الأديان»، الخ.
«نحو الشرق المعقد، أطير بأفكار بسيطة»، هذه جملة قالها ذات يوم الجنرال شارل ديغول، مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة. وأخذ مؤلف هذا الكتاب الشطر الأول منها ليجعلها عنوانا رئيسا له، واختار عنوانا فرعيا يقول: «الأميركيون والعالم العربي». ويتألف هذا الكتاب من تسعة فصول تدل عناوينها هي الأخرى عن النقاط الأساسية التي يتم التعرض لها.
وتحمل هذه الفصول بالتتالي العناوين التالية: «أصول الدول ـ الأمم في الشرق الأوسط» و«الولايات المتحدة في الشرق الأوسط: قصة طويلة» و«إسرائيل والولايات المتحدة» و«النزاعات الإقليمية وإعادة توزيع الأوراق» و«11 سبتمبر: الانقلاب المزدوج في البيت الأبيض» و«حرب العراق» و«ماذا يريد الأميركيون حقا» و«إسرائيل، دولة ليس كغيرها» وأخيرا «لمن الدور؟».
في الفصل الأول من الكتاب الخاص بتاريخية «الدول ـ الأمم» يحاول المؤلف أن يجيب على سؤال طرحه في مقدمته بالصيغة التالية: «لماذا جاءت الولايات المتحدة إلى العراق، إن لم يكن من أجل تفكيك الشرق الأوسط على قاعدة انتماءات الهوية أو الانتماءات الاثنية أو الدينية، مما يؤذن باقتراب نهاية الدول الأمم التي رأت النور منذ أقل من عام؟».
ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن الولايات المتحدة الأميركية لم تسمح، بمواقفها معرفة الأسباب الحقيقية التي قامت بحربها ضد العراق بعد ثلاث سنوات من نشوبها، والتي لا تزال حربا «غير قانونية» بنظر المجموعة الدولية و«تفتقر إلى أية شرعية» بنظر الشعوب العربية. بل ويرى المؤلف أن «جميع الأسباب الإستراتيجية أو الجيوسياسية أو حتى البترولية لا يمكنها أن تقدم تبريرا لنشر 000 140 جندي أميركي على الأرض العراقية اليوم».
يعود المؤلف أولا إلى مقاربة ماضي الشرق الأوسط منذ نهاية القرن التاسع عشر عندما كانت نزعة الاستعمار الأوروبي للعالم في أوج قوتها بينما كانت الإمبراطورية العثمانية قد أصبحت «الرجل المريض» بعد مسيرة انحدارية بدأت مع هزيمتها أمام الأسطول الأوروبي المسيحي في معركة «ليبانتي» عام 1571.
ثم جاءت اتفاقية سايكس ـ بيكو بعد الحرب العالمية الأولى لتحدد خارطة اقتسام النفوذ في الشرق الأوسط بين البريطانيين والفرنسيين، ولكن أيضا رسم خارطة جغرافية جديدة للمنطقة. وكان قد جرى أولا تقديم الاستعمار على أنه «مهمة تمدينية»، الأمر الذي كان يتضمن إرادة نشر قيم «احترام الحريات الفردية» التي كان البرلمان الإنجليزي قد «اقترع عليها» أو أفكار «التنوير» الفرنسية،
وهذا ما يرى به مؤلف الكتاب «عنصرية كامنة» على قاعدة القول بـ «تفوق طبيعي» للأوروبيين المتحضرين في مواجهة «المتوحشين» و«البرابرة» وبكل الحالات «عديمي الثقافة» الذين يحتاجون لـ «التربية» و«التعليم»، هذا فضلا عن الاستغلال الاقتصادي للمستعمرات. لكن إذا كانت الحرب العالمية الأولى قد عززت نفوذ الأوروبيين في الشرق الأوسط فإن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد شهدت بداية نهاية الاستعمار.
وكانت الولايات المتحدة قد أدركت بسرعة، بعد الحرب الكونية الثانية، أهمية الشرق الأوسط الذي كان موقف الدول الاستعمارية - الأوروبية- قد بدأ بالتأرجح. وإذا كانت علاقات أميركا مع بعض البلدان مثل السعودية قد عرفت مسيرة متواصلة ومعززة منذ عام 1945 فإنها كانت أصعب صعوبة مع بلدان أخرى مثل مصر أو حتى تنازعية كما هو الأمر مع إيران؛ كما يشرح المؤلف ويشير في هذا السياق إلى ما ردده المتظاهرون في شوارع طهران، عام 1951 بعد أن كان محمد مصدّق قد أعلن تأميم البترول الإيراني،
وجاء فيه: «البترول دمنا... والبترول حريتنا». وبعد أقل من عامين من ذلك التاريخ قامت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالاشتراك مع الإنجليز بالإطاحة بنظام مصدّق بواسطة انقلاب عسكري. وينتهي المؤلف في تحليلاته إلى القول: «إن الحرب الباردة، والمصالح البترولية والتحالفات الإستراتيجية، تفسر جزئيا أهمية الوجود الأميركي في المنطقة كما يفسر قصته الطويلة. لكن وزن الولايات المتحدة يظهر ثقله خاصة في العلاقة مع إسرائيل».
وتحت عنوان «إسرائيل والولايات المتحدة» يشير أنطوان صفير إلى أن الولايات المتحدة كانت قد «وعدت» القادة العرب في البداية، بدافع انجذابها إلى بترول الشرق الأوسط، بعدم دعم المشروع الصهيوني. وكان الرئيس «روزفلت» قد التزم بذلك لدى الملك ابن سعود، وردد ذلك رؤساء أميركيون آخرون، و«لكن لم يف أي منهم بما وعد به». وكان الرئيس ترومان قد دعم «في اللحظة الأخرى» قرار الأمم المتحدة رقم 181 وتاريخ 29 نوفمبر 1947 الخاص بقيام الكيان الصهيوني في فلسطين.
وكان ذلك ضد نصائح العديد من مستشاريه وعلى رأسهم وزير دفاعه جورج مارشال الذي كان يعارض الاعتراف بالدولة العبرية، بل وإنه هدد الرئيس ترومان بعدم الاقتراع لصالحه في انتخابات عام 1948 إذا فعل ذلك. لكن ذلك لم يمنع ترومان من أن يكون أول رجل دولة يعترف بقيام إسرائيل في الليلة الثانية للإعلان عن ذلك، أي في 14 مايو 1948.
وهنا يفتح المؤلف قوسين ليقول: «إذا كانت الولايات المتحدة هي أول دولة اعترفت بالدولة العبرية فإن هذه انتصرت في حرب مايو 1948 بواسطة الدعم السوفييتي عبر تقديم الأسلحة التي قدمت رسميا من تشيكوسلوفاكيا».
وبعد ترومان، تابع دوايت إيزنهاور سياسة دعم إسرائيل. كما ثابرت الولايات المتحدة على تعزيز التفوق العسكري الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط. ويشير المؤلف إلى أن الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 أظهر مدى الثقة التي توليها واشنطن لإسرائيل. ثم جاءت حرب الخليج عام 1991 كي تبرهن للولايات المتحدة بأن دعمها المعلن للإسرائيليين «لا يحرمها من تعاون العرب».
ولم يتردد بيل كلينتون في الإدلاء بتصريحات داعمة لإسرائيل معتبرا أن المستعمرات «لم تكن غير شرعية» وأن قطاع غزة والضفة الغربية هي «أراض متنازع عليها» وليست «محتلّة».
أمّا جورج دبليو بوش، فيرى المؤلف، أنه قد أولى في البداية اهتمامه للمصالح النفطية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، على قاعدة رؤيته «الانعزالية» للسياسة الخارجية الأميركية. لكن تفجيرات 11 سبتمبر غيّرت المعطيات، ولعب العديد من «المستشارين» حول بوش دورا في تعزيز التوجه الجديد وليس أقلهم شأنا معاونه ديك شيني وريتشارد بيرل وجون بولتون ودوغلاس فيت وغيرهم... وبالطبع كان لمجموعة الضغط «اللوبي» اليهودية دورها أيضا.
وبعد أن يشرح المؤلف آثار النزاعات الإقليمية على «إعادة توزيع الأوراق» في الشرق الأوسط وخاصة الحرب العراقية-الإيرانية ثم حربا الخليج، الأولى والثانية، يؤكد على أن فكرة «إعادة صياغة الشرق الأوسط» تحت عنوان «الشرق الأوسط الجديد» بدت وكأنها أحد «التزامات» إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، وذلك باسم «محاربة الإرهاب» و«التطرف» و«العداء لأميركا». وبهذا المعنى يتحدث أنطوان صفير عمّا يسميه بـ «انقلاب 11 سبتمبر».
ويتم التأكيد ضمن إطار هذا النهج من التحليل على أن حرب 2003 على العراق كانت ترتسم في الأفق بعد الرد المباشر الموجّه ضد أفغانستان والذي جرى إقراره بعد 48 ساعة من وقوع تفجيرات نيويورك وواشنطن. وبتاريخ 22 يناير 2002 وضع جورج دبليو بوش العراق في عداد دول «محور الشر» إلى جانب إيران وكوريا الشمالية.
ثم أصبح التهديد بشن حرب ضد نظام صدام حسين مباشرا أكثر، لتبدأ الحرب في ليلة 19-20 مارس 2003. وبسرعة «تحوّل تحرير العراق من قبل القوات الأميركية إلى احتلال»، حسب تعريف المؤلف الذي يرى أن الشعب العراقي لا يزال «ينتظر» تحسن أحواله المعاشية اليومية وبالتالي لا يمكن لنزعة العداء ضد أميركا إلا أن تزداد «إذا ظلّت الوعود مجرد حجج».
لكن «ماذا يريد الأميركيون حقا؟»، كما يتساءل المؤلف في عنوان الفصل السابع من هذا الكتاب. وتتم الإجابة على هذا التساؤل بسلسلة من التساؤلات. فهل يريدون البحث فعلا عن أسلحة دمار شامل؟ أم عن الديمقراطية؟ أم محاربة القاعدة؟ أم البترول هو الغاية؟ وبعد تفنيد جميع هذه التساؤلات يطرح المؤلف «فرضية» إرادة تفكيك المنطقة إلى «دويلات» تبعا للانتماء الاثني، الأمر الذي سوف يؤدي إلى ترحيل للسكان قد ينقذ إسرائيل. إنها دويلات «عاجزة»، كما يصفها، تقوم إسرائيل والقوات الأميركية الموجودة في العراق بدور «الشرطي»
*الكتاب: نحو الشرق المعقد الأميركيون والعالم العربي
*الناشر: غراسيه ـ باريس 2006
*الصفحات: 195 صفحة من القطع الصغير
Vers l'Orient compliqué
Antoine Sfeir
Grasset-Paris 2006
p. 19
