مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور هيثم المناع، الحقوقي والكاتب السوري الذي يقيم في باريس، والمتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان. صدر له قرابة 30 مؤلفاً بالعربية والفرنسية والإنجليزية، منها:
«حقوق الطفل، الاتفاقيات الإقليمية والدولية»، و«أبحاث نقدية في حقوق الإنسان»، و«ومضات في ثقافة حقوق الإنسان»، و«صرخة قبل الاغتيال، مستقبل المنظمات الخيرية والإنسانية في المملكة العربية السعودية»، و«الولايات المتحدة وحقوق الإنسان»، و«الحرية في الإبداع المهجري». وأشرف على تحرير موسوعتي: «الإمعان في حقوق الإنسان»، و«مستقبل حقوق الإنسان».
ويتضمن كتابه الجديد «العدالة أو البربرية» مجموعة من المقالات التي تنشد العدالة، ليس بوصفها الرد الوحيد والأقوى على البربرية، بل بوصفها الأساس لإعادة الاعتبار للمواطنة والحريات الأساسية، والهمّ المركزي للشعوب المقهورة، والقدرة على تأصيل علاقات مدنية جامعة قادرة على جعل مقاومة العدوان عنصر مقاومة للمذهبية والطائفية والشوفينية.
أي أنها عدالة تجمع ما بين السياسي والاجتماعي، ولا تفرق بين العلماني والإسلامي، أو بين الأميركي اللاتيني والإفريقي. إنها عدالة الجبهة الأوسع من أجل مناهضة عنجهية القوة وغطرستها وصلفها. ووفق هذا الفهم تغدو العدالة القاسم المشترك الأعلى لمكونات النهضة الجديدة، المتحررة من جدران المذاهب واستئصالية الحداثة وروح التعصب، والقدرة على مواجهة «معسكر الخير» الذي جعل الموت خبزاً يومياً للناس وأعاد مفهوم الحقوق إلى ما قبل حلف الفضول.
إضافة إلى كونها البناء الذاتي لمقومات النهوض القادر على أن يكون قوة جذب وقوة إبداع معاً، أصالة وتجديد، ونظرة للعالم تتجاوز الانتماءات الضيقة إلى المدنية، وتجعل من العربي والإسلامي جسراً لاكتشاف الآخر والتعايش معه في الفضاء المشترك، وجبهة المدافعين عن الكرامة الإنسانية حيثما كانت.
وباعتبار العدالة محور الثقافة العربية الإسلامية المركزي والعدالة الدولية الجسم الأكثر سلامة فيما حملته الحداثة، فإنه لا يمكن لأية أمة تعرف معنى الحضارة وتمتلك أسلحة الثقافة وإمكانيات النهوض إلا أن تتصدر هذه المقاومة التي ترفض انتصار البربرية على قيم الحضارات البشرية مجتمعة.
ويعتبر المؤلف أن الدستور أضحى ظاهرة عالمية، ولو أن هناك دولا آثرت صيغة أخرى مثل بريطانيا ونيوزيلندا والسعودية، بوصفه ترجمة سياسية دنيوية لتحقيق العدالة، وتنظيم الحريات، وتعريف الحقوق، وتنظيم الحياة السياسية والمدنية للناس في مكان وزمان، وفي أطر ومواضيع محددة. لكن الدستور بطبعه وشكله ومفهومه يظل ناقصاً ومحدوداً ومقيداً بالضرورات، وبعنصري الزمان والمكان والتقدم المجتمعي.
وكان إيمانوئيل كانط قد حذر في عصره من أن يؤسس أي مشروع بالإكراه دستوراً ينحو نحو غايات خلقية أو إيديولوجية، لأن مثل هذا التوجه لا يكتفي بتأسيس الخوف من الدستور فقط، بل يعطب دستوره نفسه ويعرضه لانعدام الأمن. وقد أعطته الأيام كل الحق، خصوصاً وأن بعض دساتير الدول مصادرة مسبقاً من طرف القوى المهيمنة أو الأغلبية لما يمكن اعتباره الوثيقة المعبرة عن كل فرد وجماعة في كيان سياسي محدد.
من هنا ضرورة مقاومة جنوح البعض لاعتبار الدستور وسيلة لإقامة العدالة في ذاتها ومن أجل ذاتها. ويعتبر المؤلف أن أي دستور جدير بالكلمة، بعد أكثر من قرنين من التجارب البشرية، يجب أن يضعنا وجهاً لوجه أمام الثغرات الدستورية المزمنة التي تبدأ بتحويل الدستور لنص اسمي أو وهمي، يتذكره الحاكم في المواد التي وضعها لنفسه، وينساه في حقوق الناس.
من هنا تأتي ضرورة تثبيت قيم حقوق الإنسان الأساسية، كالكرامة الإنسانية، والحرية، والمساواة، والتضامن، وحق الحياة غير القابل للتصرف، والسلم، والانطلاق من أن هذه الحقوق والحريات، تشكل النواة الصلبة غير القابلة للتصرف في أي ظرف وأي مكان. ويمكن من خلال الحالة الاستثنائية وحالة الطوارئ رصد ما هو جائز،
وما يعتبر انتهاكاً للشرعية الدولية والقانون الإنساني الدولي والمواثيق الإقليمية الأهم في عالم اليوم، لتحديد ميادين جواز التصرف في الحقوق والحريات وفقاً لوضع خاص أو انطلاقاً من ظروف استثنائية، خاصة وأن هذه الظروف لم تعد منذ عولمتها أحداث 11 سبتمبر مادة تخص الجنوب أو العرب فقط. إذ تشكل حالة الطوارئ ظرفاً استثنائياً يسمح، بنظر القانون، للسلطة التنفيذية في بلد ما، بالتحرر من التزامات دستورية محددة مع ضمان النواة الصلبة للحقوق الأساسية للإنسان غير القابلة للمساس.
والأخطر من ذلك هو حالات الطوارئ الطويلة الأمد، أي تلك الحالات الناجمة عن تمديد نسقي لحالة استثنائية واقعة أو استمرارها في غياب التحديد الزمني في القانون المحلي، وهي تنحرف عن فكرة الظروف الاستثنائية، حيث تصبح القاعدة في الاستثناء، ويهمش القانون العادي مع تراكم القرارات الاستثنائية عبر السنين، بل ويأخذ النظام الاستثنائي طابعاً مؤسساتياً، وتكتفي السلطة بصيغ مسطحة للشرعية كالاستفتاء والمراسيم أو المحكمة العليا وسواها.
إنه لمن المؤسف أن الوضع البشري عودنا على توظيف المفاهيم أو تحريف الأوضاع بشكل تتم فيه معايشة الفكرة في حالات سلبية ومظلمة تنغص على من يحبها النقاء الأولي الذي نشأت معه. ويمكن القول إن تحولاً مهماً حدث في طبيعة الاغتيالات السياسية بين التاريخ والأزمنة الحديثة،
حيث أصبحت الاغتيالات موضوع شراكة بين الظالم والمظلوم والحاكم ومعارضيه. ويعزو المؤلف الأمر، ببساطة، إلى اتساع فضاءات العمل العام خارج قيود السلطة الحاكمة واتساع نفوذها وامتلاكها الشرعية السياسية والقانونية التي تحول دون الاعتقال أو الملاحقة، مما يضطر السلطة السياسية الحاكمة والجماعات المنظمة اقتصادية أو سياسية أو عقائدية، أكثر فأكثر، إلى اللجوء إلى أساليب خارجة عن القانون.
وإذا كان القتل خارج القضاء يعتبر انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، فإن المؤلف يذهب في تحليله لظاهرة الاغتيال السياسي إلى القول بأن الاغتيال السياسي يشكل واحداً من أهم تعبيراته على الصعيد العالمي. وهذه الظاهرة عالمية الطابع للأسف، رغم إدانتها من قبل الفلسفات والأديان الكبرى، لكن عند الانتقال من حقوق الإنسان إلى السياسة يصبح الموضوع أكثر صعوبة وتعقيداً، فمفهوم الحق يرتبط بالانتهاك اليومي للكرامة الإنسانية وجملة المظالم التي تجعل منه قوة مجردة.
ونسبية العدالة يعززها صنع الغالب للقانون وتحكّمه بتعريف الجريمة والعقاب وفق منطق الغنيمة، الأمر الذي يبقي على أجنة العنف في المجتمعات عوضاً عن خنقها.
وإن كان لا يوجد قاتل يقبل فكرة براءة ضحيته، فإن الإنسان كميلاد طبيعي وتكوين ثقافي متأثر بقيمة الحياة في الفلسفات والديانات الكبرى، بوصفه كائناً يرفض بالسليقة قتل أبناء جنسه. ويحتاج لشحنات عدوانية وتصور متماسك لتجريم الضحية. ورغم أن الموت هو الموت والاغتيال هو الاغتيال، فإن هوية القاتل، تحدد طبيعة الجريمة وحجم الجرم وقبول رأي عام معين لها ورفض رأي عام آخر.
بهذا المعنى يقرأ المؤلف الفارق بين اغتيال رحبعام زئيفي واسحق رابين في الدلالة والتعامل داخل الكيان الصهيوني. ففي حين تشكل العملية التي قام بها فلسطينيون سابقة في الصراع تجعل استهداف قيادي فلسطيني، هو أبو علي مصطفى، سبباً أخلاقياً وسياسياً كافياً لاستهداف وزير إسرائيلي متطرف، فإن اغتيال رابين يحمل فيروس قتل يهودي ليهودي بدوافع سياسية ودينية في بلد يربط المواطنة الأولى بالدين.
هذا الهاجس الذي تسعى النخب الإسرائيلية لمواجهته بكل الوسائل منذ اغتيال أول يهودي من قبل يهود في فلسطين عام 1924 (جاكوب إسرائيل دوهان الشاعر المتدين المناهض للصهيونية). وهنا تكمن قوة وضعف أطروحة «ألكسندر دوما» الذي يعتبر الشرعية في القتل ابنة الموقع الذي يحتله الشخص في الصراع.
وإن كان هذا الموقع، يجد فيما بعد التفسير السياسي أو الإيديولوجي المناسب، لتصفية «خائن» أو «منافق» أو التخلص من عدو شرس، فإن البشر بطبيعتهم، لم ينتظروا حكم التاريخ في كل عمليات الاغتيال التي نالت مرتكب جريمة جسيمة أو طاغية. وكثيراً ما يجري الهليل بعفوية للاغتيال السياسي في حالات كهذه، ولا غرابة في الأمر.
وإن كان موضوع الاغتيال السياسي قد أصبح بالفعل، رغم الإجراءات الأممية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والتي لا تدل الأحداث على إمكانية تحويلها لسابقة في القانون الدولي، فإنه من الصعب إقامة فصل بين التعبيرات المختلفة للعنف والعنف المضاد في ظل ممارسات الاحتلال الإسرائيلي.
هذا إذا تركنا جانباً أشكال العنف غير المباشر ذات الصلة بالحصار الاقتصادي والإنساني ومصادرة الأراضي والاعتداء على الزرع وبناء المستوطنات وبناء جدار الفصل العنصري، هناك العنف المباشر المتجسد في المعاملة اللا إنسانية والمهينة والتعذيب واستهداف حق الحياة للناشطين السياسيين الفلسطينيين.
عمر كوش
*الكتاب: العدالة أو البربرية
*الناشر: دار الأهالي واللجنة العربية لحقوق الإنسان ـ دمشق 2006
*الصفحات: 176 صفحة من القطع الكبير

