مؤلف هذا الكتاب كاتب وباحث تونسي مخضرم من مواليد 1921، صدر له من قبل كتاب «الإسلام والنظام الاقتصادي الدولي الجديد»، وكتاب «المغرب العربي الكبير: نداء المستقبل»، إضافة إلى دراسة عن «توطين العشائر البدوية في المملكة العربية السعودية» ومقالات منشورة في مجلة المستقبل العربي وفي غيرها.

وفي مؤلفه الجديد «مجتمع العمل» يركز مصطفى الفيلالي على تناول قضية العمل بالتحليل الشامل حتى أنه يمكن القول إن الكتاب يعد بحق موسوعة عربية مصغرة حول اقتصاديات العمل.. فهو، كما يذكر المؤلف،.. مورد رزق وقيمة فردية وقضية اجتماعية وهو ومحور للنظر الفكري وحقل للتدبر والمساءلة .

ويتناول المؤلف القضية من ثلاثة جوانب هي زاوية الإقرار بمركزية العمل في مراتب العناية والممارسة من جانب أنظمة الحكم وهياكل المجتمع، وزاوية الاعتبار لما يحتله عمل الإنسان من أولوية في بناء التضامن الاجتماعي، وفي ترشيد سياسة التنمية، وفي توثيق سعي الإنسان العربي بالقيم المرجعية، وأخيرا العجز النظري الذي يحيط بقضايا العمل في أوطاننا العربية وما يحتاجه بحثها من جهد فكري متعدد المساهمات وما يقتضيه التمحيص من فك التبعية العلمية.

في القسم الأول من الكتاب والذي يأتي تحت عنوان «العمل في مجتمع السوق» يستعرض المؤلف المفاهيم والضوابط المتعلقة بقضية العمل متطرقا إلى الحديث عن ماهية العمل وبيئته الاجتماعية. وفي الإطار ذاته يتطرق إلى بيئة العمل مفرقا بين ما يسميه البيئة العصية وبيئة المصادفة والفوضى، لينتقل بعد ذلك إلى ظروف العمل سواء المكانية أم المتعلقة بالمؤسسة الاقتصادية ذاتها وكذا ظروف الزمان.

كما يتناول مصطفى الفيلالي من خلال الكتاب قضية العلاقات المهنية والإضراب كإحدى القضايا المرتبطة بالعمل، ويخصص جزءا لتناول الحركة العمالية. وفي هذا الخصوص يقدم بطاقة تعريف لماهية الحركة العمالية ونشأتها مع الإشارة إلى دواعيها والمقاصد والوظائف المنتظرة منها، ووسائل العمل النقابي ليصل من خلال هذا التناول إلى الجانب المتعلق بأزمة الحركة العمالية ومرجعيتها الأيديولوجية وتطورها مع الإشارة إلى المقاييس الجديدة لما يسميه جودة الحياة.

ثم ينتقل المؤلف إلى استعراض قضية العمل والتنمية حيث يشير إلى أن العمل يعد مؤسس التنمية ولذا فإن تشغيل القوى البشرية في الشرائح العمرية المترشحة للعمل، حسبما يذكر المؤلف، لم يزل هدفا أساسيا لسياسات التنمية الاقتصادية في «أوطاننا» المغاربية من بداية الاستقلال الوطني وبرز التشغيل في مقدمة أهداف التنمية سواء كانت محكومة بالتخطيط الإلزامي أو كانت مرسلة خارج التخطيط في مسالك الليبرالية.

ويوضح أن قضية الشغل أو العمل كانت من أمهات المصاعب الموروثة من الاستعمار تتفرع عنها مصاعب إنسانية واجتماعية وتربوية وسياسية وتتمثل في بعض جوانبها الكبرى في ملفات البطالة وما تعنيه من نزوح داخلي بين الأرياف والمدن وبين الجهات بعضها مع بعض ومن هلهلة النسيج الاجتماعي واكتظاظ سكاني عفوي.

ويشير إلى أن الفرق الأصلي بين النمو والتنمية إنما يكمن في اختصاص الثانية باستهداف العمل وفي بناء النشاط الاقتصادي على التوفيق بين المقاصد المالية من أرباح رأس المال وبين المقاصد الاجتماعية القائمة على إنشاء القسط الأوفر من فرص العمل، كما يكمن أيضا في سعي التنمية إلى تحقيق التناسق المستطاع بين المؤشرات الأساسية بصورة تؤهل الاقتصاد للنهوض بالإنسان وبإشباع حاجياته، ومن أجل ذلك احتل هدف التشغيل المرتبة الأولى في سياسات التنمية في بلاد المغرب العربي طيلة العقود الخمسة الماضية من مسعى البناء الاقتصادي.

ثم يعرج في إطار تناوله لقضية التنمية إلى الجانب المتعلق بالبطالة، مشيرا إلى أن النقص الكبير في المعلومات الإحصائية عن البطالة في كثير من أوطاننا راجع إلى ضعف أجهزة المسح الإحصائي وبخاصة في تغطية المناطق الريفية. ويوضح أنه لا يكاد ينجو قطاع من القطاعات الاقتصادية من سلبياتها ولا برامج التنمية في مجملها بناجية من عراقيلها،

ويشير إلى أن البطالة ليست ظاهرة حديثة ترتبط بعصر التصنيع وتعشش في مجتمع السوق، كما يذهب بعض المنظرين بل كانت معروفة في المجتمع الوسيط بصفتها عاهة اجتماعية تتعلق بفئة من الفقراء المتسولين ومن أهل الشقاء المادي والإقصاء عن مجتمع البيئة السليمة.

كما يتناول المؤلف قضية الهجرة مستعرضا دوافعها المتعددة سواء كانت الاقتصادية أم التربوية أم الاجتماعية أم السياسية، مشيرا إلى أنها أخذت فيما بعد الحرب العالمية الثانية وجهتين، والحديث هنا ينصرف إلى بلدان المغرب العربي، هما : نحو البلاد النفطية في الشرق العربي، والثانية نحو بلدان أوروبا الغربية، ويقدم دراسة تفصيلية حول كل من نوعي الهجرة وأثارهما الاقتصادية.

كما يخصص المؤلف في سياق تناوله التفصيلي لقضية العمل جزءا خاصا لسياسة الاستثمار والاستهلاك والادخار بهدف توسيع سوق الشغل.

من هذا التناول الموسوعي للقضية في بعدها الحديث والمعاصر يعرض لنا الفيلالي بعد ذلك لمنزلة العمل في الفكر الإسلامي فيشير إلى أنه واجب فردي فهو بمثابة التكليف الشرعي شروطه واضحة بالقياس إلى الرجل المؤمن وقد ربط القرآن بين الإيمان والعمل الصالح في أكثر من سبعين آية. والعمل الصالح، حسب المؤلف، هو الجهد الذي يلتقي فيه عنصر نفع الناس وإخلاص النية لله.

كما يتطرق المؤلف في إطار تأكيده على العمل كواجب على المجتمع إلى الإشارة إلى أنه وردت بصيغة الجمع معظم الآيات القرآنية التي يأمر الله فيها عباده بالعمل الصالح فهو أمر مطلق وتكليف جماعي خارج عن التخصيص بخطاب فئة معينة في زمان محدود. ويقرر أن العمل واجب على الدولة والمقصود بها جميع المؤسسات الوطنية المعنية بالشأن العام والساهرة على تنظيم الحياة العامة للبلاد والمساهمة في ذلك بما فيها الحكومة والمجالس النيابية.

وفي تقديم رؤية متطورة بشأن مقولة العمل عبادة يشير الفيلالي إلى أن الشواهد عديدة في مراجع الفكر الإسلامي على التمازج المقاصدي بين الأعمال النفعية والأعمال التعبدية وبين المضمون الديني والمضمون الدنيوي في تركيبة العمل الواحد فلا يتيسر ولا يستقيم تصنيف الأعمال بميزان الثنائية المفرقة بين هذه وتلك، على غرار ما عودتنا الأدبيات الاقتصادية الغربية.

ومن هنا يأخذ على الفكر الغربي المعاصر استغرابه الربط بين العمل والإيمان مشيرا في دحض هذه الرؤية إلى ما ذهب إليه ماكس فيبر من أن الرأسمالية ليست في أصل انبعاثها نتيجة لتراكم رأس المال أو لاستغلال الإنسان كما يدعي ذلك الماركسيون ولكن تأويلها يقتضي الرجوع إلى عقيدة الصدق الإيماني لدى الجيل الأول من المقاولين الذين كانوا يؤمنون بأن نجاحهم المادي إنما هو إمارة على الرضا الرباني.

ثم يتطرق الفيلالي إلى البيئة التي يقوم فيها الإنسان بالعمل والشروط الواجبة فيها فيشير إلى أن العدل والأمن من أركان هذا الأمر ولإقدام المرء على التطوع بالجهد راضيا غير مكره متحفزا غير محجم مطمئنا غير خائف ولا مرتاب وهما شرطان ضروريان لإشاعة الاستقرار والطمأنينة بين الأفراد ولضمان التوازنات الأساسية بين الفئات الاجتماعية وبين جهات الوطن الواحد.

أما عن البيئة السياسية للعمل وفي إطار رؤيته لمنزلته في الفكر الإسلامي فيشير إلى ما عقده ابن خلدون لمعنى الظلم وانعكاساته السلبية على السعي إلى الرزق وعلى ازدهار العمران من فصول مشهورة منها الفصل بعنوان «إن الظلم مؤذن بخراب العمران» ومما ورد فيه قوله «إن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها.. فانقبضت أيديهم عن السعي في ذلك فكسدت أسواق العمران وانقبضت الأحوال».

ومن هذا التناول يوضح المؤلف أن تعفن البيئة السياسية وافتقاد الطمأنينة بات من أقوى أسباب النزوح عن الوطن بالنسبة إلى جموع متزايدة من أهل الكفاءات العلمية والمهارات التقنية يئست نفوسهم من تحسن الظروف السياسية وقعد بهم استعظام التضحية الواجبة لذلك واستيقنوا أن جهودهم الفردية لا تجدي .. ويخلص من ذلك إلى افتقاد ميزان العدل في تصريف شؤون المجتمع وخروج السلوك العام عن الاعتدال والقسط من جانب الجهاز المضطلع بالمسؤولية ومن جانب فئات المكلفين بالتنفيذ.

وينتهي المؤلف إلى التأكيد على المقاصد الأساسية لمؤلفه والمتمثلة حسبما يحددها هو في الدعوة إلى إنشاء اجتماعية عربية للعمل لا تكون قبسا مستوردا من علم اجتماع غربي ولا تعريبا لمصنفات فرنسية أو إنجليزية وتكون على العكس من شواهد التأصيل الفكري لمشاكلنا الاجتماعية وفك التبعية الثقافية المعرقلة،

أما المقصد الثاني فهو محاولة الإجابة عن سؤال ليس من جنس علمي لماذا ننشئ اجتماعية عربية للعمل؟ أللعلم فقط أم لغاية أخرى وراء الإثراء المعرفي؟ مجيبا ان المبرر لهذا التساؤل هو التزام فكري تجاه معضلة النهضة المطلوبة لمجتمعنا العربي المعاصر، مضيفا أن الاعتقاد اليقيني أن العمل هو المحرك الأول والأسلم والأجدى لتحقيق هذه النهضة.

مصطفى عبد الرازق

*الكتاب: مجتمع العمل

*الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2006

*الصفحات: 608 صفحات من القطع الكبير