طيلة قرون كانت عادة قراءة الكتب واحدة من المتع الحياتية التي لا توازيها متعة المال والقوة والبأس، وظلت تلك العادة سائدة بين البشر حتى أوائل القرن العشرين، عندما دخلت على الخط الصورة المتحركة التي تسرد الحكاية بدلا من الكتاب، ولكن ذلك لم يلغ بحال من الأحوال أهمية القراءة بل سارت الفنون البصرية الجديدة جنبا إلى جنب مع فنون الكتابة، وتطورت صناعة الكتاب كلما تطورت صناعة المرئيات، وتقدمت قوة القراءة مع تقدم التكنولوجيا.

منذ قرون كان الحصول على كتاب يشبه الحصول على كنز ثمين، حيث لم تكن الطباعة قد اكتشفت بعد، ولكن كان الناسخون لا يوفرون جهدا في مد المكتبات بجديد العلوم والآداب والترجمات وغيرها. وكان سوق «الوراقين» في بغداد يتوازى في أهميته مع سوق الصاغة والعيارين وكان زبائنه يفوقون زبائن غيره من الأسواق علما وثقافة وثروة.

نعم كان الأثرياء لا تكتمل دورة ثرائهم إذا لم يقرأوا كتبا كثيرة أو لم يجيدوا النثر والنظم. ولأن الحصول على كتاب اليوم بات متيسرا جدا، لم يعد هناك حاجة لأن يتباهى أحد بمكتبته، فالجميع يمكنه أن يمتلك مكتبة وهاتفا نقالا، وسيارة جديدة، وجهاز تلفزيون مزودا بلاقط اقمار صناعية، وكأن الجميع يشرب من ذات النبع.

وهذا يعني أن المعرفة باتت في متناول الجميع، والعلوم لكل من يطلبها او لا يطلبها، وبحسبة بسيطة، وقياسا للزمن الذي يعيش فيه البشر فإن أجيال اليوم يفترض أن تكون أكثر ثقافة من أجيال الأمس. وهذا يعني أن وسيلة المعرفة باتت أيسر مما كانت عليه في غابر الزمن، وأضمومة الجمع هذه لا تعني أمة دون غيرها

فكل أمة لديها سبلها الميسرة لتحصيل المعرفة، وتكديس المعومات، وتستطيع شبكة الانترنت تحويل الجميع إلى عباقرة زمانهم إذا والحال كذلك : لماذا يجهل شباب الانجلوساكسون من هو شكسبير، أو على الأقل لماذا لا يعرفون اسم إحدى روائعه التي لم تغب شمس عن المعمورة دون ذكر لاسمه أو لفنه في بقعة ما.

وكذلك الحال بالنسبة لأبناء العربية لماذا لا يحفظون بيتا صحيحا للمتنبي أعظم شاعر ظهر على وجه المعمورة. وكذا الحال لأبناء القارة الهندية الذين لا يجيدون نسب قصة سنسكريتية إلى ملحمة المابهارتا الخالدة..

وحال أمم... وأمم.. أبحرت طويلا في المعرفة ولكنها لم تسأل السؤال الأزلي: أية معرفة استقاها كائن العصر من زمانه، ولماذا تفوق عليه ابن عصور غابرة، وهو لم يمتلك من وسائل المعرفة إلا أبسطها وأقلها شأنا، في حين نعيش في زمن يمكن لنا بضغطة زر أن نصبح عباقرة.

سؤال عجيب !؟

hussain@albayan.ae