جيم هاوس ونيل مكماستر، مؤرخان بريطانيان، جعلا من التاريخ الاستعماري مركز اهتمام أبحاثهما، يعملان في جامعة ليدز البريطانية. وقد قدّم جيم هاوس العديد من الدراسات مثل: «الذاكرة المناهضة للعنصرية: قضية 17 أكتوبر - 1691- من منظور تاريخي وذلك في إطار بحث عن «فرنسا الحديثة والمعاصرة»، والقمع والرقابة على الهجرات الاستعمارية». وقدم نيل مكماستر كتابا تحت عنوان: «المهاجرون والعنصرية: الجزائريون في فرنسا بين 1900 و1962».
في هذا الكتاب الجديد: «باريس 1961: الجزائريون والرعب والذاكرة» يعود المؤرخان إلى ليلة 17 أكتوبر من عام 1961 عندما قامت الشرطة الباريسية بمجزرة ضد العمال الجزائريين والتي ذهب ضحيتها عدة مئات منهم. ولا يتردد المؤلفان في وصف تلك المجزرة أنها «الحدث الأكثر بشاعة وإثارة للاحتجاج في التاريخ الفرنسي المعاصر».
ويعتمد المؤرخان البريطانيان في تحليلاتهما على تحقيقات طويلة قاما بها لدى العديد من المصادر ابتداءً من الشهادات الحيّة واللقاءات التي قاما بها مع العديد من الذين كانوا شهودا على تلك المجزرة ووصولا إلى مختلف الأراشيف التي جرى فتحها مؤخرا للراغبين.
ويرى المؤلفان أن فهم القمع الذي واجهت به الشرطة الفرنسية، بناء على أوامر محافظ الشرطة آنذاك موريس بابون الذي حوكم مؤخرا على أساس تعامله مع الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، يوم 17 أكتوبر 1961، المظاهرات التي نظّمها جزائريون مؤيدون لجبهة التحرير الوطني الجزائري التي كانت تقود آنذاك حرب الاستقلال ضد الاستعمار الفرنسي،
إنما يتطلب - أي فهم القمع- العودة إلى الوراء بعيدا ودراسة آليات القمع التي مارستها السلطات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر وفي سياقات استعمارية أخرى قبل «تحويلها» إلى باريس. ويتم التأكيد في هذا الإطار على أن «آلة القمع البوليسية» كانت قد أصبحت على أوج جاهزيتها في العمل اعتبارا من شهر أغسطس في نفس السنة.
ويشرح مؤلفا هذا الكتاب على مدى العديد من صفحاته «إستراتيجية العنف» التي تبنّاها محافظ الشرطة «موريس بابون». وكان ذلك على خلفية قناعته بفاعلية القمع وبضرورة «إرهاب الإرهابيين»، الذين لم يكونوا بنظره في ذلك السياق، سوى عمال جزائريين عاديين و«وطنيين جزائريين». ويؤكد المؤلفان أن تلك الإستراتيجية كانت خاطئة تماما، ولم تؤد إلى انفضاض الجزائريين، في فرنسا كما في الجزائر نفسها، عن الالتفاف حول جبهة التحرير الجزائرية، بل زادتهم، على العكس، تأييدا لها.
ويتم التأكيد في نفس السياق على أن الأصداء الكبيرة التي نتجت عن القمع الدموي الذي مارسته الشرطة الفرنسية على الصعيد العالمي، جعلت الجميع ينظرون إلى ما جرى على أنه صادر عن سلطة هي نفسها ذات طبيعة قمعية، إذ لم يكن رجال الشرطة مدفوعين بمجرد الحقد على الجزائريين، كصدى لما كان يجري في الجزائر نفسها، وإنما كانوا يتصرفون كـ «كتائب المدن» التابعة للدولة نفسها.
وبهذا المعنى لا يكتفي المؤلفان-المؤرخان- بالقيام في عملية «تأريخ» آخر لما جرى، وهذا ما كان قد قام به العديد من المؤرخين، خاصة من معسكر اليسار الفرنسي، ومن الجامعيين أيضا، بل إنهما يذهبان إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، إذ يحاولان توضيح «المعنى الاجتماعي والسياسي لنسيان ذلك الحدث ولإعادة اكتشافه من جديد». وهكذا عادت تلك «المجزرة» كي تصبح «موضوعا» للتاريخ.
ويركز المؤلفان في تحليلهما لردود الأفعال التي أثارتها مذبحة 17 أكتوبر داخل فرنسا نفسها. ويؤكد أن فهم ردود الأفعال تلك يستوجب بالضرورة تحليل العلاقات بين جبهة التحرير الجزائرية والأحزاب والحركات السياسية الفرنسية اليسارية وبين الفرع الفرنسي -الودادية- لجبهة التحرير والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وأيضا العلاقة بين الشيوعيين وغير الشيوعيين، وكذلك يتطلب الفهم أيضا دراسة الرأي العام الفرنسي أثناء وقوع ذلك الحدث.
وما تؤكده التحليلات المقدّمة هو أن هذه العوامل كلها قد تضافرت من أجل «حجب» ما جرى عن واجهة الأحداث لفترة من الزمن. كما تؤكد أيضا أنه كان لا بد من انتظار وقوع ضحايا بين الفرنسيين أنفسهم بالقرب من محطة مترو «شارون» كي «ينزل» اليسار الفرنسي بدوره إلى الشارع للتظاهر، بعد أن كان قد ظل صامتا، ومنقسما، حيال عمليات القمع التي كان يتعرض لها المهاجرون الجزائريون.
ويشير المؤلفان في هذا الإطار إلى أن «الحكومة الجزائرية المؤقتة» كانت قد تجاهلت نفسها إلى حد كبير أحداث نوفمبر 1961 في باريس وذلك على خلفية نوع من «التنافس الذي كان قائما بينها وبين «فيدراليتها» الباريسية في أفق اقتسام السلطة مستقبلا.
وفي مجال الحديث عن «الذاكرة» يرى المؤلفان أن تاريخ ذكرى 17 أكتوبر «يسمح بإلقاء نظرة أكثر عمقا على مختلف أشكال» الاحتفال بالذكريات التاريخية على الصعيدين العام والخاص. كما يطرح بعض التساؤلات حول الأسباب التي دعت جيلا كاملا إلى الصمت في سياق سياسي واجتماعي وثقافي «غير مؤات كثيرا للكلام» علنا وعلى الصعيد العام،
بل إن «الصمت» قد طال أيضا الجيل الذي عاش الأحداث أو عايشها ولم ينقلها إلى أبنائه. وكان لا بد من انتظار حلول سنوات الثمانينات المنصرمة كي يتم «إحياء» أحداث أكتوبر 1961 «في سياق آخر تماما»، ومن قبل أبناء الجيل الأول.
ويشرح المؤلفان كيف أن تاريخ 17 أكتوبر 1961 قد جرى استخدامه كـ «أداة» احتفالية في الجزائر بعد نيلها الاستقلال بينما جرى «التعتيم» عليه بصورة شبه كاملة في فرنسا. ويلفتان النظر إلى أنه قد جرى تغييبه أيضا من جميع الأطروحات التي رفعها الطلبة الفرنسيون خلال أحداث مايو 1968 والمعروفة بـ «ثورة الطلبة» التي كانت ذات طابع يساري وكان العمال ونقاباتهم قد انضموا لها بعد أن كان الطلبة قد أشعلوا شرارتها الأولى.
وساد «الصمت» أيضا داخل الجالية الجزائرية في فرنسا نفسها، كما يشير المؤلفان حيث يعتمدان كثيرا على التحليلات التي قدّمها المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا، الذي قدّم عشرات الأعمال والدراسات، بل وقدّم فيلما سينمائيا عن التاريخ الجزائري خلال ثورة التحرير الوطني.
ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب الذي يقدمه مؤرخان بريطانيان، وأستاذان جامعيان، هو أنهما يتجاوزان في الواقع النقاط التي يتم التركيز عليها تقليديا في النقاشات الدائرة حيال القمع الدموي الذي قامت به الشرطة الفرنسية ضد متظاهرين وطنيين جزائريين في باريس. وتتمثل تلك النقاط التقليدية في التركيز على تاريخ هو 17 أكتوبر 1961،
وكأنه مقطوع عمّا قبله وعمّا بعده، وعلى اسم هو اسم محافظ الشرطة موريس بابون الذي ارتبط اسمه لدى الرأي العام الفرنسي بفترة حكومة فيشي برئاسة الجنرال بيتان والتي كانت قد تعاملت مع الاحتلال النازي لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، وحيث كانت محاكمة بابون مؤخرا قد أثارت الكثير من النقاشات في فرنسا.
وأخيرا على عدد هو عدد ضحايا ذلك القمع حيث تتراوح الأعداد المقدمة بين بضع عشرات وبضع مئات. ويتم تقديم رقم 000 20 كعدد الذين شاركوا في المظاهرات من الجزائريين، وبعض الفرنسيين المؤيدين لاستقلال الجزائر، ورقم (11730) لعدد الذين جرى اعتقالهم، أما عدد رجال الشرطة الذين شاركوا في عمليات القمع فيقدّر بحوالي 7000 شرطي. ويومها علّق موريس بابون على ما جرى بالقول: لقد قامت الشرطة بما ينبغي عليها أن تقوم به وأضاف لقد كسبنا معركة باريس.
وفي المحصلة يرى مؤلفا هذا الكتاب أن شعلة إحياء ذكرى مجزرة باريس في شهر أكتوبر 1961 تعود إلى أبناء الهجرة الذين انتفضوا ضد فقدان الذاكرة لدى آبائهم، وحوّلوا بذلك 17 أكتوبر 1961 إلى رهان للذكرى وللتاريخ وللمجتمع. وقد ذهب مؤلفا هذا الكتاب أبعد من ذلك كي يعتبرا أن تاريخ 17 أكتوبر يتطلب دراسة أشكال المنطق المعقّد الذي حكم الآليات التي تعاملت بها جميع الأطراف من فاعلين وضحايا. كما يتطلب أيضا استخلاص النتائج التي تتجاوز الحدث نفسه،
أي تلك الأكثر عمومية والخاصة بالقمع الاستعماري وكيفية حجبه عن صفحات التاريخ بل ويتطلب الخوض بمسألة الذاكرة في الحقبة ما بعد الاستعمارية. وهكذا يطمح هذا الكتاب إلى دراسة التاريخ الاستعماري انطلاقا من مجزرة 17 أكتوبر 1961 التي اقترفتها الشرطة الفرنسية ضد متظاهرين وطنيين جزائريين.
ورؤية بريطانية لصفحة «سوداء» من التاريخ الفرنسي الحديث.
*الكتاب: باريس 1961
الجزائريون والقمع والذاكرة
*الناشر: جامعة أوكسفورد لندن 2006
*الصفحات : 376 صفحة من القطع المتوسط
Paris 1961 : Algerians, state terror and memory
Jim House, Neil Macmaster
Oxford University Press London 2006
673.p
