ديدييه سيكار، مؤلف هذا الكتاب، هو أستاذ في الطب، ورئيس اللجنة الإستراتيجية الوطنية الفرنسية للأخلاق؛ وهو مؤلف للعديد من الكتب من بينها: «باسم ماركس وبودا» و«الطب بدون الجسد» و«الصحة، ساعة الخيارات»، الخ.
يعود الحديث كثيرا في الآونة الأخيرة بالغرب حول المسائل المتعلقة بالأخلاق وبدور المنظومات الأخلاقية. وهناك العديد من الأسئلة التي تتردد بأشكال مختلفة مثل: هل لا يزال لـ «الأخلاق» وخاصة للأخلاق المتعلقة بميدان تطور علوم الحياة والمورثات معنى؟ هل من الأخلاق أن تطرح بلدان الشمال شعارات «ذات توجهات إنسانية»
بينما بلدان الجنوب تجد صعوبات حقيقية من أجل توفير أبسط أشكال العلاج لمواطنيها؟ ثم هل يمكن اعتبار أي إنجاز طبي كبير، مثل زراعة وجه كامل أخيرا في فرنسا، أكثر أهمية لدى وسائل الإعلام من الأمراض المعدية التي تقتل آلاف الأطفال في إفريقيا كل سنة؟
ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن السمة الغالبة في المجتمعات الحديثة، وخاصة الغربية منها، هي «الأنانية» المفرطة، المتوحشة. أما الأخلاق فهي تقتصر في أغلب الأحيان إلى مجرد «مادة للتسويق»، أمّا الطب فإنه يزعم اهتمامه ب«كرامة المرضى»، بينما أن واقعه الفعلي ليس سوى تعبير عن «محاولة التهرب من مسؤولياته».
كذلك يؤكد المؤلف في تحليلاته على سمة «التناقض» القائم في عالم اليوم، إذ أن الإنسانية تقدم لنفسها صورة كونية -يونيفيرسال ـ عالمية. وهذا ما يبدو من خلال موجة التضامن الذي يبديه الجميع حيال أية مأساة تحل بأية منطقة في العالم، من زلازل أو غيرها، وذلك على قاعدة الإدراك بالانتماء إلى كوكب واحد. لكن بنفس الوقت تؤكد جميع المجموعات البشرية على هويتها الخاصة وتحرص على عزلتها وانغلاقها، باسم «قيم خاصة» تجد أنها مهددة بالانحلال في عالم «لا يبالي» بخصوصيات أحد.
وفي هذا السياق من الإحساس بـ «الانتماء إلى النوع البشري» مع نفس الواجبات ومواجهة نفس الرهانات وبنفس الوقت من الخشية حيال ضياع الهوية وانحلالها في عالم يحكمه الأكثر ثروة أو الأكثر قوة، يرى المؤلف أن «التوتر بين الانتماء الكوني والتأكيد على الخصوصية لم يكن أشد مما هو اليوم».
هذا مع التأكيد على أن عدم المساواة بين البشر ليست ابنة العولمة الراهنة. ولا شك أن وليدا في موزمبيق أو بنغلاديش مهدد بوجوده أكثر من وليد آخر في تكساس أو جنيف. ففي الحالة الأولى يواجه الأخطار من اليوم الأول أما في الثانية فربما أن مصدر الخطر يأتي من «المبالغة في العناية». وهناك تناقض آخر يتم التأكيد عليه أيضا بين أصحاب «الخطاب» الذين يبدون حماسهم لمستقبل العلم الباهر وأولئك الذين لا يطلبون سوى «البقاء».
بين أولئك الذين يتبجحون بـ «الشعارات الإنسانية» التي يرفعونها وهم يلتهمون أطيب المآكل وبين أولئك الذين لا يحلمون بأكثر من الماء والهواء. وفي هذا السياق يطرح المؤلف السؤال التالي: «هل يمكن التركيز على التفكير حول مسائل يقال إنها أساسية مثل الاستنساخ وتجاهل مسائل جوهرية مثل تأمين العلاج لمرض الإيدز؟».
وماذا عن حقوق الإنسان؟
يرى المؤلف أن هناك نوعا من «سوء التفاهم» بين حقوق الإنسان المعلنة جماعيا -إعلان 10 ديسمبر 1948 ـ وحقوق الإنسان المطالب بها فرديا. «سوء تفاهم» بين الحقوق المجرّدة وحقوق الأشخاص. ولم تعد حقوق الإنسان هي مجرد «الحقوق المدنية» التي يتمتع بها الأفراد ل«التحرر» من هيمنة دولة، وإنما غدت هي مطالبة هذه الدولة بضمان الصحة والسكن والتربية، الخ. «لقد أصبحت الأولوية للحماية وليس للتحرر».
وتحت عنوان: «استخدام الأخلاق كأداة» يرى المؤلف بأن هذا يمثل أكبر الأخطار عليها ذلك أنها تصبح مجرد «واجهة»، أو «درع» وليس بعيدا أن يتم اللجوء إلى توسيع مجال «تجّار الأسلحة» وبيع كميات أكبر من القنابل العنقودية أو غيرها تحت لافتات «أخلاقية». ويرى المؤلف أنه بمقدار تعزز أركان الثورة الصناعية في المجتمعات الغربية المتقدمة زادت سطوة «دكتاتورية العلاقات الاقتصادية» التي طغت على «رغبة العيش المشترك».
لكن «الصناعة» ليست في الواقع سوى مرحلة مؤقتة و«قصيرة» في إطار المغامرة الإنسانية كلها، لتأتي بعدها المرحلة ما بعد الصناعية التي يجسدها «الثلاثي» بين هدف النجاح ورغد العيش الاقتصادي مع تنامي حالة القلق الاجتماعي.
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن «تعاظم الحدود بين الأكثر ثراء والأكثر هشاشة أدّى إلى إعادة ولادة العبودية بأشكال متنوعة مثل دعارة النساء واستخدام الأطفال كأدوات للجنس واستغلال أبناء الجنوب من قبل الشمال داخل المنظمات الدولية نفسها المحميّة افتراضا ونهب اليد العاملة التي لا تمتلك أية حقوق». هكذا تكاثرت قوانين طرد المهاجرين في البلدان الغربية باسم «تهديد البطالة» وتحقيق «الازدهار الاقتصادي».
من جهة أخرى هناك تقدم العلوم حسب «قوانينها الخاصة» والتي لا حد لها سوى «العقبات التي يفرضها عليها المجتمع باستمرار». وهكذا تبرز باستمرار أيضا مسألة إيجاد التوازن بين «الكوابح» ذات الطبيعة الأخلاقية و«المتطلبات» التي يفرضها التقدم. ثم هناك القانون الذي يريد أن يفرض «رقابته» على العلم وخاصة في الفروع ذات الحساسية الخاصة مثل ميدان المورثات وعلم الحياة.
ويركز المؤلف في تحليلاته على وجود تباين كبير بين المبادئ المعلنة والممارسات في الواقع. هكذا يؤكد أن القرن العشرين قد عرف تجارب طبية على البشر دون أن تحظى بأية «شرعية» معترف بها.
وكان الأميركيون والأوروبيون قد تابعوا تجاربهم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبطريقة «تثير الفضائح»، إذ أنهم اكتفوا ب«مراقبة» حالة تطور الحالة الصحية للسود المصابين بمرض «السفلس» ودون أي استخدام للمضادات الحيوية -البنسلين كما كان شائعا آنذاك ـ من أجل الاكتفاء بملاحظة آلية تطور المرض، وكذلك زرق خلايا سرطانية لأشخاص طاعنين في السن لملاحظة قدرة عمل جهاز المناعة عندهم. وكانت مجلات طبية عديدة قد نشرت خلال سنوات الستينات مقالات علمية بالاعتماد على التجارب التي كانت قد أجريت في معسكرات الاعتقال النازية.
ويكرس مؤلف هذا الكتاب حيّزا مهما للحديث عن «مفهوم التضامن» لدى البشر اليوم باعتباره أحد ركائز المنظومات الأخلاقية. ويفرق بهذا الخصوص بين ما يسميه ب«التضامن الشاقولي» الذي تفرضه الدولة من أعلى باسم «أخوّة مقررة» والذي يمثل «الموديل الفرنسي» للحماية الاجتماعية صورة له، وبين «التضامن الأفقي»، الذي يخلقه الأشخاص المعنيون أنفسهم باسم فكرة مؤسسة تقول بضرورة مساعدة الآخر،
وهذا ما يمكن أن تمثله المجتمعات الأنجلوساكسونية التي تؤكد على الاستقلال الذاتي لكل فرد وبالتالي بضرورة التلاقي الجماعي الإرادي اعتبارا من القاعدة. ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير إلى نموذج ثالث للتضامن تكون العلاقة فيه مع الآخر «إجبارية» من أجل الوصول إلى نوع من الانسجام الاجتماعي.
فالدولة لا تقرر أي شيء بهذا الصدد والاستقلال الذاتي الشخصي لا معنى له. أما المجتمع فإنه يعمل على شاكلة شبكة من الواجبات التي يجد على أساسها شرعيته من خلال قدرته على نسج علاقات مع الآخرين. ويرى المؤلف أن مجتمعات الشرق الأوسط هي الأكثر اقترابا من هذا النمودج «ذي الطبيعة العشائرية إلى هذا الحد أو ذاك».
وبكل الأحوال يبقى الهدف الأسمى للمنظومات الأخلاقية هو صيانة «كرامة الإنسان»، كما يشرح المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب. ويبدأ بالتأكيد على أن كلمة «الكرامة» لم يتم تداولها في أية حقبة مثل اليوم في المجتمعات الغربية. لكنها «كرامة قائمة بالأحرى على «المظاهر» أكثر مما هو على العمق. وهذا ما يمثل «تراجعا» فيما يخص الحرية الحقيقية، والنزعة الإنسانية التي تقوم الأنظمة والإيديولوجيات الشمولية «استعباد الإنسان» باسمها في أحيان كثيرة. أما التعريف الموجز الذي يقدمه المؤلف للكرامة الإنسانية فهي أنها «تبادل وعلاقة جوهرية مع الآخر».
ويركز المؤلف في تحليلاته على القول أن أكثر المواقف «لا أخلاقية» يتمثل في اللامبالاة «السائدة» في المجتمعات المتقدمة التي تتشدق ب«نزعتها الإنسانية» حيال آلام «الأكثر هشاشة». وهذا ما يجعل كلمات مثل «العدالة والإحسان والكرم» فارغة من أي مدلول. ذلك أنها لا تأبه فعلا ب«الكرامة الإنسانية»، وب«التضامن الإنساني».
كتاب يؤكد مؤلفه، من موقعه كطبيب وكرئيس للجنة الاستشارية الوطنية الفرنسية حيال المنظومة الأخلاقية، أن الأخلاق لا يمكن اختزالها إلى مجرّد «شعارات» مكرّسة ل«التسويق». وأن حقوق الإنسان ليست «بضاعة» تارة يتم الترويج لها وتارة يتم سحبها «من الأسواق» تبعا للظروف.
*الكتاب: الحجة الأخلاقية
*الناشر: بلون ـ باريس 2006
*الصفحات: 240 صفحة من القطع المتوسط
Lalibi ethique
Didier sicard
Paris- plon 2006
p.240

