قدّم مؤلف هذا الكتاب العشرات من الأعمال للمكتبة الفرنسية مثل «ولادة المعنى» و«حوار حول الطبيعة الإنسانية» و«الأغذية العاطفية» و«انبهار العالم» و«تعاسة رائعة». هذا الكتاب الأخير كان هو الأول في ثلاثية ضمّت بعده «البطّات الصغيرة» ثم «وشوشة الأشباح» التي نافست كلها موضوعا واحدا هو «رفع تحدي الألم».
«عن الروح والجسد»، كتابه الجديد، هو عمل «توليفي» شامل لمعرفة آليات كيف يكون الإنسان «سعيدا» أو «تعيسا» وذلك بالاعتماد على آخر الدراسات المختصّة بالدماغ البشري وعلى إلقاء نظرة جديدة على أفكار أب التحليل النفسي سيغموند فرويد، إنما على ضوء المعارف المتقدمة المحصّلة في ميدان الطب العصبي. ويبيّن من خلال هذا كله كيف يتم الجمع بين ما هو بيولوجي «الجسد» وما هو نفسي «الروح» كي تتشكل شخصية الفرد الإنساني.
«كيف يمكن للإنسان أن يكون سعيدا أو تعيسا؟». الإجابة تتعلق تحديدا «فيما يجول في الرأس». لذلك لا يمكن للبشر أن يكونوا «متساوين» أمام السعادة. هذا ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب «عن الجسد والروح». ويرى أن الإحساس ب«السعادة» أو ب«التعاسة» يرتبط لدى الإنسان ب«مادة» يفرزها الجسد وهي ذات طبيعة كيميائية اسمها «سيروتونين» التي هي في الواقع مادة مضادة للكآبة، إنما هي «منتج» طبيعي وليس من إنتاج مخابر الصيدلة.
ويشير المؤلف في هذا الإطار إلى أنه قد تمّ التوصل إلى تحديد هوية 40 نت «الأعصاب الناقلة» لهذه المادة وبحيث قد يكون هناك الآلاف منها إجمالا. ويركز المؤلف في تحليلاته على «منتوجين» هما «السبرتونين» و«الدوبامين» اللذين ثبت أن لهما تأثيرا مباشرا على ما يسمى ب«المزاج» لدى البشر.
فال«دوبامين» مثلا تؤدي «وفرته بكثرة» إلى زيادة واضحة في الحركة بينما تؤدي «قلّته» إلى الخمول. أما ال«سيروتونين» فتؤدي زيادته إلى الحبور و«الإقبال» على الحياة و«الاهتمام» بالعالم الخارجي، بحيث يصبح المرء «ميّالا إلى رؤية العالم بنظرة إيجابية». ويؤكد مؤلف الكتاب قوله: «إن إنتاج السيروتونين يخضع لمحددات وراثية-جينيه »تحدد إلى هذه الدرجة أو تلك «الكمية» المنتجة.
وضمن نفس المنهج من التحليل يتم التأكيد أنه يمكن للإنسان أن «يكتشف في ذاته وحولها الأدوات التي تتيح له العودة إلى حب الحياة والتقدم في دروبها مع احتفاظه في ذاكرته بالجروح التي أصابته». وبهذا المعنى يمكن ل«دروب الحياة» هذه أن تكون «ضيقة» جدا ذلك أنها محفوفة بكل أشكال «الهشاشة» الإنسانية. ويرى المؤلف أن «الحماية الوحيدة» الممكنة تكمن في «تجنب الصدمات المدمّرة وكذلك تجنب الإفراط في الحماية منها».
ويتم التأكيد في هذا الكتاب على فكرة «التبدل» الذي يعاني منه الإنسان خلال مسيرة حياته، ذلك أن «كل مرحلة من عمر الإنسان تملك قوتها وضعفها» ولكن في كل الحالات تتحدد هوية «اللحظات» التي يعيشها الإنسان بمقدار «سيطرته» أو ربما «تجاوزه» لواقع «التبدل المستمر» الذي يعرفه على المستويات البيولوجية والانفعالية، وأيضا لتبدل المحيط الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه.
لكن بكل الحالات يؤكد المؤلف في تحليلاته على «التباين» الكبير بين البشر فيما يخص قدرتهم على مواجهة «الآلام»، إذ «ليس هناك حياة بدون آلام»؛ وهذا التباين يعود في جزء كبير منه لردود فعل «بيولوجية» تختلف من شخص إلى آخر... وتلعب «الوراثة» دورا مهما في هذا الإطار، ذلك أن الدماغ نفسه يعرف الكثير من «التبدلات» الناتجة عن المؤثرات الانفعالات وعن «الأحداث التي تعرفها حياة البشر وأيضا بفعل المحيط الثقافي والاجتماعي الذي يعيش فيه.
أي بفعل محصلة ما هو «موروث» وما هو «مكتسب». كذلك يؤكد المؤلف أن الانفعالات التي تعرفها المرأة خلال الأشهر الأخيرة من الحمل لها دورها أيضا في صياغة «مزاجية» وليدها في مسيرة حياته كلها. وبهذا المعنى لا يرث الطفل «الصفات البيولوجية» فقط من أمه وإنما «يرث تاريخها» أيضا.
وتكتسي فترة الطفولة الأولى أهمية كبيرة أيضا ذلك أن «مرونة الدماغ تكون عندها في حدّها الأقصى». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى ما حققته «عدسات التصوير الشعاعي» الحديثة في رصد حركة «النورونات» في هذه المرحلة من العمر وحيث أن كل «معلومة» تخلق آلية للتصرف بطريقة معينة حيال أي حدث أو موقف أو كلمة.
وبعد أن يؤكد المؤلف على أن الطبيعة «تجهل» مفاهيم بشرية مثل الخير والشر التي يتفرّد الإنسان بها. وبالمقابل تكتسي الطريقة التي تتعامل فيها الأم مع طفلها خلال الأشهر الأولى من حياته من حيث مداعبته و«التحدث» إليه أهمية كبيرة في التأسيس ل«أسلوب علاقته مع الآخرين» وتعطيه بعض «مبادئ» الطريقة التي «سيتذوق بها» العالم. باختصار يؤكد المؤلف- العالم النفساني على أهمية مرحلة الطفولة في تكوين شخصية الإنسان ونظرته إلى الحياة خلال مسيرة عمره كلها.
ويتم التركيز خاصة على دور «الصوت» و«التجربة الصوتية» في تطور الدماغ. ويشير المؤلف هنا إلى النتائج «الطبية» التي توصل إليها عندما قام بعمليات تصوير شعاعي طبقي (سكانر) على أطفال ملاجئ الأيتام في رومانيا، بعد سقوط حكم تشاوشيسكو، حيث أثبتت وجود «ضمور» في المراكز الدماغية المسؤولة عن الذاكرة والانفعالات. ولا يتردد في أن يعتبر ظروف العزل ونقص العاطفة التي عاشوها كانت سبب ذلك. لكنه يشير هنا إلى أن «التطرف» في الاتجاه المعاكس والإفراط في حماية الطفل يحرمه من «تعلّم قدرة التغلب على جراح الحياة التي لا بد منها».
ذلك أن تلبية جميع رغباته ومحاولة تجنيبه التعرض لما يحزنه إنما يعني دفعه إلى «عدم التحلّي بالتسامح» حيال أي شكل من أشكال الحرمان. وبالنتيجة تؤدي هذه الطريقة في التربية وفي «الحب» إلى هشاشة الأطفال وتجعلهم أقل قدرة على ولوج دروب السعادة. هكذا يؤدي النقيضان إذن، أي الحرمان من الحب والإفراط فيه، إلى نفس النتيجة.
لكن مرحلة الطفولة الأولى، رغم أهميتها، فإن مؤلف هذا الكتاب يعتبر أن المحللين النفسانيين الأوائل، وعلى رأسهم فرويد، قد اقترفوا خطأ كبيرا عندما اعتبروا أن الأشهر الأولى في حياة الطفل «حاسمة» لحياته كلها. ويرى أن سن الدخول إلى المدرسة، حوالي السادسة من العمر، هام جدا أيضا، فهو الذي «يبدأ فيه الاهتمام بالعالم الخارجي». فإذا كان قد اكتسب من محيطه العائلي «قاعدة صلبة»، فإنه سوف يُقبل برغبة على «اكتشاف عالم الأشياء والبشر». وهذا ما يساعده كثيرا على مقابلة تطوره «الإيجابي».
وتشكل «المراهقة» المرحلة الحساسة التالية في صياغة شخصية الإنسان وطريقة سلوكه ومواقفه حيال السعادة والتعاسة لاسيما بسبب التغيرات «الهرمونية» التي يعرفها الجسد. وتأتي دقة هذه المرحلة، برأي المؤلف، من حيث أنه يمكن أن «تضيع» فيها «مكتسبات» مرحلة الطفولة الأولى، ولكن بالمقابل، أن «يتم إصلاح» الشروخ التي كانت قد عرفتها تلك المرحلة.
ويشير في هذا الإطار، بالاعتماد على مشاهدات ميدانية، أن نسبة 25 بالمائة تقريبا من الشباب والشابات الذين كانوا قد عرفوا طفولة ذات «صحة جيدة» عاطفيا، أصبحوا «قلقين» عند مرورهم ب«تجارب» المراهقة. بالمقابل يغدو ثلث الذين كانوا قد «تعشّروا» عند نقطة الانطلاق في الطفولة قد «أصلحوا» جزئيا على الأقل «الآثار السيئة» لتلك المرحلة.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب في مختلف تحليلاته عن أهمية «المحاكمة العقلية» لدى البشر التي تفرقهم عن المخلوقات الأخرى «الخاضعة لانفعالاتها فقط». ويمكن للإنسان، بعد أن يحدد أسباب شقائه، أن يواجهها أو يهرب منها. وبكل الحالات يحدد المؤلف عدة «أدوات» لمحاربة الإحساس بالتعاسة تتمثل في عدم الاستكانة ف«القلق يكون أقل عند محاولة القيام بأي عمل»؛ و«عيش المشاعر الودودة» مما يشكل «مضادا» جيدا للكآبة، و«البحث عن ذكريات جميلة في الماضي».
المهم دائما هو الإصرار على «الانتصار» ضد مشاعر التعاسة، ذلك «أن السعادة ليست موجودة بحد ذاتها، وإنما الانتصار على التعاسة هو الذي يخلق الإحساس بالسعادة، مثلما أن العطش هو الذي يثير متعة شرب كأس من الماء البارد». والمهم أيضا هو أن لا يخبو شعاع الأمل. نقرأ: «يكفي أن يلوح شراع في البعيد كي تنتعش شعلة الأمل في القلب وهو في لجّة اليأس وعلى ضفاف الموت». أليس هذا «مرادفا» للحكمة الشائعة القائلة: «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل؟».
ف«كيف نتعلم أن نكون سعداء؟». هذا ما يحاول مؤلف هذا الكتاب أن يجيب عليه من أجل اكتشاف الذات والعيش بانسجام معها ومع العالم. وبانسجام أيضا بين «الجسد والروح».
*الكتاب: عن الجسد والروح
*الناشر: أوديل جاكوب باريس 2006
*الصفحات: 255 صفحة من القطع المتوسط
De chair et d'âme
Boris Cyrulnik
Odile Jacob- Paris 2006
p.255
