هذه المقابلة أجراها دان إبشتاين المحرر الثقافي في مجلة «ثري. إيه. إم» مع الروائي والشاعر والمخرج وكاتب السيناريو والمترجم الأميركي بول أوستر، بمناسبة صدور روايته الجديدة «رحلات في قاعة الناسخ»، حيث ألقى أوستر الضوء على رؤيته لروايته الجديدة وما يحاول تقديمه على صفحاتها، وتطرق إلى جوانب شتى من عالمه الروائي وإبداعه في مجال الإخراج السينمائي وكتابة السيناريو، بما في ذلك ملامح تجربته كعضو في هيئة التحكيم في مهرجان كان السينمائي. وفيما يلي نص المقابلة:

* لماذا أقمت في حي بروكلين في نيوريورك على امتداد هذه السنوات الطويلة؟

ـ إنني أحب الإقامة في هذا الحي، وهو جزء مريح من المدينة من حيث الإقامة فيه. ويضم أناساً من مختلف الأجناس والأعراق والاتجاهات ويغلب التسامح على المقيمين فيه، وهو أقرب ما يكون إلى بلدة صغيرة. وفي الأسبوع الأول بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 تماسك الحي بصورة جميلة،

حيث كنا قد فقدنا الكثير من رجال الإطفاء في محطتنا، وبلغ عدد القتلى منهم إثنى عشر رجلاً من إجمالي ثلاثين إطفائياً، وفي يوم الأربعاء الأول بعد الحادي عشر من سبتمبر انطلق موكب من حملة الشموع في أرجاء الحي، حيث بدأ الموكب بمئة أو مئتي شخص وتزايد المشاركون فيه ليصلوا إلى حوالي ثلاثة آلاف شخص وكان المشهد عاطفياً للغاية.

وكنت أحمل شمعة كبيرة، وتقاطر بعض الشمع على حذائي والبعض الآخر على رباط الحذاء ومازلت احتفظ به على نحو ما كان بعد هذه السنين، وفي كل مرة أنظر إلى قدمي أفكر في الحادي عشر من سبتمبر وفي رجال الإطفاء هؤلاء وكل ما اجتازه أبناء الحي.

* ماذا تقول للقراء عن روايتك الجديدة «رحلات في قاعة الناسخ»؟

ـ إنني أعتقد أنها تشكل نقطة متقدمة في عالمي الروائي، حيث يجد القارئ نفسه حيال نصوص غامضة وارتحالات في ماض محتجب، وفي مكان ما يقبع شخص غامض مولع بتعذيب الآخرين، ولكن على نحو ما نكتشف في اقترابنا من السيد بلانك، بطل الرواية، فإن عالمه الغامض والغريب والملتبس لا يختلف كثيراً عن عالمنا.

* قرأت في مكان ما أنك استمتعت حقاً بمجلة «ماد» خلال سنوات نشأتك. ما الذي اجتذبك إلى تلك المجلة؟

ـ اعتقد أن روح التخريب التي غلبت على تلك المجلة والتي ركزت على الأشياء المثيرة للسخرية في الثقافة الأميركية هي التي جعلت المرء يبدأ في الاستيقاظ في ذلك الوقت المبكر على هذه الجوانب ويكتشف مفكرين متعاطفين في تلك المجلة.

* في عام 1961 نجوت من الموت بأعجوبة بينما انقضت صاعقة على زميل لك في مخيم صيفي فقتلته. كيف كانت تلك التجربة؟

ـ أعتقد أن هذه التجربة هي إحدى أهم التجارب التي خضتها على الإطلاق، وأحسب أنها قد شكلت تفكيري حيال العالم بطرق لم أدركها أبداً. ولكنني أدرك الآن مدى أهميتها بالنسبة لي، وأدرك إلى أي حد يعد هذا العالم هشاً وقابلاً للعطب والانكسار فأنت في لحظة تقف إلى جوار شخص تتجاذبان أطراف الحديث لاهيين عما حولكما، وفي اللحظة التالية تجده ميتاً.

* بعد إنهائك للدراسة الثانوية ارتحلت في أرجاء أوروبا، عاكفاً على إنجاز رواية. هل كان بوسعك أن تنجز هذه الرواية لو أنك كنت في أميركا؟

ـ حسناً، لم أفلح في كتابة هذه الرواية في أوروبا، ولذا فربما لم يكن بإمكاني إنجازها في أميركا لأنني لم أكن مستعداً لذلك بعد.

؟ لم يلتحق أي من أبويك بالدراسة الجامعية، فهل فكرت في عدم الالتحاق بجامعة كولومبيا التي درست بها؟

ـ نعم، لقد كنت حائراً فيما يتعلق بهذا الجانب على نحو من الانحناء، لكن ذلك لم يكن إلا تمرداً في مطالع العمر، وأنا سعيد لأنني التحقت بجامعة كولومبيا.

* لقد قيل إن حياتك مقسمة إلى مرحلتين، هما مرحلة ما قبل 1979 ومرحلة ما بعده. فما الذي حدث في ذلك العام؟

ـ على امتداد عام أو عامين لم أكتب شيئاً يذكر على الإطلاق.

وحتى ذلك الحين كان معظم العمل الذي أنجزته يتألف من الشعر والترجمة. وفي عام 1978 أحسست بأنني أرتطم بجدار حجري فيما يتعلق بأعمالي وجاءت لحظة توقفت فيها عن الكتابة تماماً، وظننت أنني لن أكتب شيئاً بعد ذلك. وفي بداية عام 1979 حققت ما يمكن وصفه بأنه نوع من الإنجاز وبدأت في الكتابة من جديد، وكانت أول مقطوعة كتبتها هي مقطوعة نثرية وليست شعرية.

ومن الغريب أنه في الليلة التي كتبت فيها هذه المقطوعة النثرية التي تقع في حوالي عشر صفحات أو خمس عشرة صفحة مات أبي، وقد اكتشفت ذلك في صبيحة اليوم التالي. وفي غضون أسابيع قلائل بدأت في تأليف كتاب عن أبي، وأفضى ذلك إلى كل الأعمال التي أنجزتها منذ ذلك الحين.

* كيف كان شعورك وأنت تكشف تفاصيل حميمة ومحرجة عن حياة أبيك؟

ـ لم أفكر في الأمر على ذلك النحو، وإنما كنت أحاول قول الحقيقة، وكان ذلك هو الشيء الوحيد الذي يعنيني.

قرأت أنك لن تتعاون في تقديم المزيد من الأعمال السينمائية مع ويني وانج الذي تعاونت معه في تقديم فيلم «دخان».

ـ يبدو أننا لن نتعاون معاً بعد الآن.

* لابد أن تلك كانت مسألة محزنة للغاية؟

ـ لقد كانت تلك خاتمة محزنة لشراكة عظيمة، وما حدث هو أنه أراد تقديم صياغة سينمائية جديدة لرواية «مركز العالم». وكانت الفكرة فكرته، وقد أراد تقديمها بميزانية محدودة للغاية على فيديو رقمي. ولم يكن لديه تمويل للعمل، وانما كان كل ما لديه لا يتجاوز الفكرة فحسب، ثم جاء إليَّ أنا وزوجتي المؤلفة سيري هو ستفيت.

وكنت متردداً حيال هذا العمل، فلم يكن بالعمل الذي أنجزه من تلقاء نفسي، ولكنني أردت أن أساعده بدافع من الصداقة، وعكفت أنا وزوجتي على كتابة سيناريو اعتقدت أنه جيد حقاً. وفي النهاية سعدت بالسيناريو الذي أنجزناه على الرغم من الضوابط والقيود التي فرضت علينا. ولكن مع استمرار التصوير مضى ويني بالعمل في اتجاه مخالف، وانطلق الفيلم بطرق لم أحبها كثيراً، ولذا سحبت أنا وزوجتي اسمينا من السيناريو.

* ما هو الفارق بين إخراج الأفلام وكتابة الروايات؟

ـ أعتقد أن الشيء الوحيد المشترك هو أن قيامك بسرد قصة يعني أنك في غمار شيء بالغ الاختلاف بحيث أنك لا يمكنك مقارنة التجربتين على الإطلاق. ففي إحدى التجربتين تجد نفسك وحيداً في غرفة، وفي التجربة الأخرى تعمل مع أربعين أو خمسين شخصاً كل يوم.

حشد من الإصدارات

أصدر بول أوستر حشداً هائلاً من الإصدارات على امتداد عقدين من الزمان:

* ففي مجال الرواية: أصدر ثلاثية نيويورك، بلاد الأشياء الأخيرة، قصر القمر، موسيقى الصدفة، الوحش، قصة أوجي ويرن عن عيد الميلاد، فرتيجو، تومبكتو، كتاب الأوهام، ليلة النبوءة، حماقات بروكلين، وأخيراً أصدر رواية رحلات في قاعة الناسخ.

* في مجال الشعر صدرت لأوستر أربعة دواوين هي: اختفاءات، العمل السري، قصائد مختارة، القصائد الكاملة.

* في ميدان كتابة السيناريو أنجز أوستر أربعة سيناريوهات أفلام هي: دخان، زرقة الوجه، لولو على الجسر، حياة مارتن فروست الداخلية.

* في مجال مجموعات المقالات والمذكرات وسيرة الحياة، قدم أوستر ستة كتب، هي على التوالي: فنان الجوع، اختراع العزلة، الكراسة الحمراء، لماذا أكتب، من اليد إلى الفم، الأعمال النثرية الكاملة