لا، إنها ليست أيا من هذه الأشياء، وإنما نحن هنا حيال المجاز الذي يقدمه لنا الروائي الأميركي بول أوستر عن الاغتراب، والسر في اننا نعرف هذا هو أن هناك مخطوطاً على المكتب يشعر العجوز الذي يقدم لنا على أنه «السيد بلانك» بأنه مرغم على أن يقرأه. وهذا المخطوط الغريب والغامض والملتبس يبدأ بصورة رجل عجوز يجلس وحيدا في غرفة خاوية من دون أن تكون لديه أدنى فكرة عن كيفية قدومه إلى هناك أو إلى أي مدى زمني سيطول احتجازه.
والقراء الذين سبق لهم أن قرأوا جانباً من أعمال بول أوستر لابد أن يساورهم على الفور الشعور بأنهم سبق لهم أن وجدوا أنفسهم حيال هذا المشهد عينه.
وفي حقيقة الأمر أن مثل هؤلاء القراء لابد لهم من أن يخالجهم الشعور بأن أعمال أوستر بكاملها تدور حول عودة استحواذية إلى صورة هذه الغرفة الخاوية، فأبرز أعماله، وهي «ثلاثية نيويورك» تضم شخصية لا يعرفها القراء إلا باسم «بلو» انحدرت حياتها إلى مالا يعد حياة على الاطلاق، حيث يشعر بلو بأنه محكوم عليه بالجلوس في غرفة ومواصلة قراءة كتاب طوال ما بقى من حياته.
وفي الجزء الأخير من الثلاثية الذي يحمل العنوان الدال «الغرفة الموصدة» يكتسب الراوية الذي لا يتم تحديد هويته قائلاً: «في أفضل الأحوال كانت هناك صورة أضفى عليها طابع البؤس: باب غرفة موصدة. والآن أكتشف أن هذه الغرفة تقع داخل جمجمتي».
لا تتجاوز صفحات رواية «رحلات في قاعة الناسخ» 160 صفحة، غير أنه يبدو أن الهدف منها هو البرهنة على أن داخل جمجمة أوستر يمكن أن يكون مزدحما للغاية في بعض الأحيان ، فالمخطوط الموجود على المكتب، والذي يتم تشجيعنا على الاعتقاد بأنه هو رواية أوستر التي نقرأها، يفترض أنه قد كتبه ن. ر. فانشو، وهو نفسه المؤلف الغامض الذي سبق أن التقيناه في «ثلاثية نيويورك» والذي يقتفي أثره تحر خاص يدعى كوين، والذي بدوره تم الخلط بينه وبين روائي يدعى بول أوستر.
وفي رواية أوستر الجديدة، فإن «السيد بلانك» الذي يشعر على نحو يمكن فهمه بأنه مضطهد يطالب بأن تتاح له رؤية محاميه، وعندما يصل المحامي أخيراً فإنه يقول: «ألا تتعرف على شخصيتي؟ لقد كنت أول من عمل لديك، إنني كوين».
هذا الحديث عن «العاملين» ربما يشكل المفتاح الحقيقي للكتاب الذي يقال لنا في صفحته الأولى إنه ليس عملاً سردياً، وإنما هو «تقرير» وربما يفسر هذا تركيب الجمل المهديء ومصطلحات المراقبة الخالية من الانفعال التي يتم توظيفها على امتداد الكتاب، وذلك على الرغم من أن الصورة الموضوعية على نحو بارد التي تقدم لنا يتم اضفاء الطابع المتوهج بالحياة عليها عشوائياً، من خلال الأسلوب الزخرفي الخيالي الغريب الذي يجري توظيفه.
هكذا فإننا في بعض الأحيان يقدم لنا الوصف الروتيني للعجوز وقد أقعى على المرحاض، وفي أحيان أخرى نجد أنفسنا إزاء المفهوم القائل إنه: «ضائع في الأرض الضبابية لكائنات تشبه الأشباح وذكريات ممزقة، فيما هو يبحث عن رد عن السؤال الذي يطارده».
والسؤال الذي يبدأ في مطاردة القاريء هو: متى يحتمل أن ينتهي هذا كله؟ وأيا كان ما تمثله هذه القاعة وحيثما كانت، فإن من الواضح أننا بازاء ساعة الزيارة للحشد الكامل لشخصيات بول أوستر الدرامية.
هل بوسعنا أن نذهب انطلاقاً من هذا المفهوم إلى أن السيد بلانك هو بالفعل فانشو المراوغ في أعقاب فقدان للذاكرة لا سبيل إلى تفسيره؟ هل يعني ذلك ضمنا أن فانشو هو في نهاية المطاف المسؤول عن أعمال بول أوستر؟ أم أن الأمر على النقيض من ذلك يعنى أن بول أوستر هو المسؤول عن أعمال فانشو؟ والأمر الأكثر أهمية هو: ألم تستمر لعبة غرفة الاستقبال الوجودية هذه وقتاً طويلاً للغاية بحيث أن معظم الناس كفوا عن الاكتراث بها؟
من المحقق أن من تابع مجمل أعمال أوستر الروائية سيساوره الشعور بأن الجانب الأكثر إثارة للحزن هو أن هذا التراجع إلى غرفة غير محددة يعطي الشعور بأنه خطوة تراجعية مقارنة برواية أوستر قبل الأخيرة التي تحمل عنوان «حماقات بروكلين» التي أشارت إلى اعتزامه الذي لقى الكثير من الترحيب الاتجاه إلى المزيد من التخارج من عالمه المألوف،
حيث أبدى أوستر في «حماقات بروكلين» جرأة يعتد بها في الانطلاق باعتباره روائياً تقليدياً، حيث نسج رواية متطاولة حول ثنائي غريب من شخصيات الضواحي الأميركية، وحملت هذه الرواية عدة ايماءات إلى كافكا.
والكثيرون من محبي إبداع أوستر لابد أنهم سيساورهم الشعور بأنه بينما كانت «حماقات بروكلين» عملاً سخياً ومترامياً، فإن «رحلات في قاعة الناسخ» عمل محدود ويكاد يكون بلا طعم على نحو مقصود.
بمعنى من المعاني فإن «رحلات في قاعة الناسخ» لا تقدم لنا أقل إيماءة إلى كيفية الخروج من تلك الغرفة الغامضة الموصدة، بينما «حماقات بروكلين» تطرح الاستراتيجية البسيطة القائلة: لماذا لا تجرب استخدام مفتاح الباب؟
محطات في مسيرة أوستر
* ولد الروائي والشاعر والسينمائي والمترجم الأميركي بول أوستر في عام 1947 لعائلة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة في نيو آرك بولاية نيوجيرسي، وتخرج من جامعة كولومبيا في نيويورك، ثم انتقل إلى فرنسا حيث عمل بالترجمة عدة سنوات.
* عاد إلى الولايات المتحدة في عام 1974 واستهل مسيرته الإبداعية بإصدار عدد من الدواوين والمقالات والكتب المترجمة عن الفرنسية لأسماء كبيرة مثل ستيفان مالارميه وجوزيف جوبير.
* كان أول عمل نثري قدمه أوستر للقراء هو كتاب عن أبيه وسرعان ما توالت أعماله الروائية وسيناريوهات أفلامه ومجموعات مقالاته التي اشتهرت من بينها بصفة خاصة «ثلاثية نيويورك» التي اكتملت في 1987.
* نال بول أوستر العديد من الجوائز الأدبية العالمية وفي مقدمتها جائزة أمير أستورياس للأدب.
*الكتاب: رحلات في قاعة الناسخ
*الناشر: هنري هولت نيويورك 2006
*الصفحات: 160 صفحة من القطع المتوسط
Travels in Scriptorium
Paul Auster
Henry Holt - N. Y 2006
P.160
