يناقش هذا الكتاب لمؤلفته إيرينا بيتروسيان تاريخ الفيلق الإنكشاري في الدولة العثمانية وهو يغطي نقصا في هذا الصدد في ضوء عدم وجود أبحاث تناقش مرحلة ما بعد تأسيس الفيلق وحتى أول محاولة للقضاء عليه.
ويشير الكتاب الذي ينشر في إطار مشروع تعاون مشترك بين مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي ومعهد الدراسات الشرقية في المجمع العلمي الروسي فرع سان بطرسبرج، إلى طبيعة الفيلق الإنكشاري الذي كان جزءا لا يتجزأ من تنظيم الدولة العثمانية، وعنصرا مميزا لجهازها العسكري.
وحسبما تشير المؤلفة فقد كان الفيلق الإنكشاري مثيرا رئيسيا للاضطرابات الاجتماعية وكان له تطلعات ديكتاتورية واضحة في التنظيم الاجتماعي والسياسي المخالف بأفعاله لصلاحيات السلطة السلطانية العليا، ومن هنا ينظر المؤرخون على القضاء على الفيلق الإنكشاري سنة 1826 على أنه فعل فاجع أخير من كفاح السلاطنة العثمانيين ضد ذلك الحرس التمردي الخطر.
في استعراضها التفصيلي لتاريخ تأسيس الفيلق الإنكشاري تتطرق المؤلفة إلى تنظيم ونشأة الدولة العثمانية على أيدي إحدى القبائل الأوغوزية التركمانية مشيرة إلى سعى عثمان مؤسس الدولة العثمانية إلى التوسع وتذكر ما يذهب إليه كثير من المؤرخين من أن ذلك كان يحكمه عقيدة دينية هي نشر الإسلام مشيرة إلى أن ذلك لا يعكس الحقيقة تماما.
ومن هذا المدخل تشير إلى أن ضرورة إجراء الحصارات المستمرة والطويلة التي تحتاج إلى كميات هائلة من عمليات الحفر دفعت الحاكم العثماني أورخان إلى تزويد جيشه بالمشاة الذين لم يتم تجنيدها إلا من ضمن الفلاحين سكان المدن الخاضعة الذين يدفعون إتاوات.
وحسبما تذكر فإن البيانات التي حفظها المؤرخون العثمانيون الأوائل تفيد أن جيش المشاة «يايا» كان منظما بإرادة أورخان الذي سعى إلى مضاعفة جيشه عدديا وكان يتكون من المتطوعين من ضمن رعايا «البيلك» العثماني ويقوم بستجيل الراغبين في الالتحاق به القاضي الذي كان يأخذ من بعضهم الرشوة مقابل تسجيلهم.
وعد ذلك الجيش المنظم جيش أورخان الخاص وكان يخدم فيه الفلاحون. وقد خصص الجيش الجديد «يني تشيري» - والتي جاءت منها كلمة الإنكشاري - لتنفيذ واجبات حرس السلطان الشخصي ويظهر أنه تقليد لأسلوب الحكام المسلمين السابقين في اتخاذ حرسهم الخاص ولم يكن الفرق إلا في عناصر الحرس
فالأتراك العثمانيون كانوا يشكلون هذا الحرس من الأسرى المسيحيين المعتنقين للإسلام وكان هؤلاء الأسرى أبناء أمم مختلفة ويعود ذلك إلى تعدد البلاد التي وقعت عليها الفتوحات وحمل منها الأسرى فنرى من ضمن الإنكشاريين الأوائل البلغار والصرب واليونان الذين وقعوا أسرى بيد الأتراك أثناء الفتوحات الكبيرة الأولى في الأراضي الأوروبية.
وتشير المؤلفة إلى أن أي انكشاري قبل أن يصبح عضوا ذا أهلية في الأوضة الإنكشارية كان عليه خلال فترة معينة أن يخدم الإنكشاريين القدامى ويمارس الأعمال المنزلية في الثكنة فيقوم بتنظيف الثكنات ومسح الأحذية وغسل الأواني بعد تناول الإنكشاريين القدامى وجبتهم.
وقد عاش الإنكشاريون في ثكنات مخصصة لهم تسمى أوضة كانت كل ثكنة تشكل ثلة أساسية في الفيلق الإنكشاري أي «أورتا» ويسمونها في الأدب سرية. وقد بلغ عدد الأورتات في الفيلق الإنكشاري 101 أورتا يرأس كل منها ياياباشي وكان واحد منهم يرأس الجميع ويسمى باش ياياباشي.
ثم تتطرق المؤلفة إلى الأهمية الحربية والسياسية للفيلق الإنكشاري في مرحلة توطد التنظيم الدولي العثماني من القرن الخامس عشر حتى النصف الأول من القرن السادس عشر. وفي هذا الخصوص تشير إلى الدور الكبير الذي أدوه في حصار العاصمة البيزنطية حيث كان الإنكشاريون يقتحمون أسوار الحصن وذلك عام 1422 وإن أخفق الهجوم في النهاية نتيجة شراسة المقاومة من قبل أهالي القسطنطينية.
ومع توسع نطاق المعارك التي وجدت الدولة العثمانية فيها نفسها وكذلك الصراعات التي جرت على العرش بدأ المجال يتسع لنفوذ الإنكشاريين وهنا كشف هؤلاء عن طبعهم الجديد وهو الطمع في الثروة الاهتمام المستمر بمصالحهم المادية حيث أضحى السعي وراء المصالح المادية هدفا أساسيا لدى هذا التنظيم الاجتماعي من المجتمع العثماني. ففي عام 1432 أشار أحد التقارير إلى سخط الإنكشاريين حيث عبروا عن عدم رضاهم بأعباء الخدمة العسكرية وقلة الأجور ولم يذهب عنهم ذلك السخط إلا بإرسال المال والهدايا الثمينة لهم.
وإزاء ما بدا من صراع على السلطة بين مراد الثاني وابنه فقد ظهر الجيش الإنكشاري على المسرح السياسي الذي استغل الحريق الناشب في أدرنة عام 1446 وأقام تمردا وكانت أجرة الإنكشاريين آنئذ قد تأخر دفعها لمدة نصف سنة فلذا غضبوا ودمروا كل بيوت الوجهاء والأسر الغنية.
ثم كان للإنكشاريين بعد ذلك دور كبير في السقوط الفعلي للقسطنطينية على يد محمد الثاني الفاتح وقد أدى فتح المدينة المسيحية العالمية كثيرا من سمعة محمد الفاتح وشهرته بوصفه حاكما مسلما وكان انتصارا كبيرا للدولة العثمانية، وكان سر قوة الجيش التركي وجود جيش المشاة المحترف فيه والمدفعية التي لم تقل في مستواها التكتيكي عن مدفعية أوروبا المسيحية.
وفي إطار استعراض تاريخ الإنكشاريين تتطرق المؤلفة إلى دورهم في حروب القرنين الخامس والسادس عشر. لقد تطور الأمر إلى حد اتضاح استقلال الإنكشاريين عن إدارة الحكومة وتزايد قوتهم حيث لم تكن بحوزة السلطة المركزية أية قوات مسلحة أخرى تقدر على توفير مصالح الدولة
ومنذ النصف الثاني من القرن السادس عشر كان السلطان وحكومته يتنازلون لهم في كل الأمور ليؤمنوا أنفسهم بإخلاصهم بشتى الوسائل ومن المحقق أنه لم تكن بحوزة السلاطين أجهزة سواهم. وازدادت مظاهر انحرافهم فيما بعد ومن ذلك أنهم أصبحوا ينتهزون فرصة الحرائق في العاصمة للنهب.
ومع بداية القرن السابع عشر فقد الفيلق الإنكشاري تماما خصاله المنعزلة التي ظهرت فيما سبق وعلى وجه الخصوص حظر الزواج. وقد أدى حق الإنكشاريين الواقعي في الزواج وتسجيل أبنائهم في الفيلق الإنكشاري ظروفا مواتية ليتسرب باستمرار إلى صفوف الإنكشاريين العناصر المنفصلة عن طبقتها التي فارقت نشاطاتها السابقة لسبب أو لآخر. وقد نعت الإنكشاريون أنفسهم أولئك الأشخاص المتسربين إلى صفوفهم بصورة غير قانونية بـ «صابلامة» وأدى تسرب هؤلاء إلى انحلال النظام في الجيش الإنكشاري ومخالفة قواعد السلوك غير المدونة.
وبمرور الوقت ازداد حجم التحولات التي لحقت بالإنكشاريين حيث ان الاستهانة السافرة بالواجبات العسكرية أصبحت جزءا من طبائعهم، فبسبب انشغال الجميع إما بالكسب الإضافي وإما بتحسين الحالة المعيشية لعائليهم كان الإنكشاريون يفقدون شيئاً فشيئا خبرتهم القتالية لامتناعهم عن القيام بالتدريبات العسكرية المستمرة، ولقد أثر التلهي عن الواجبات الأساسية تأثيرا مهلكا في القدرة القتالية لدى الجيش الإنكشاري عامة كما أدى إلى الاشمئزاز من اتخاذ الأعمال العسكرية حرفة.
وأدت الطبيعة التي آل إليها حال الإنكشاريون لجهة تمردهم وعدم انضباطهم في أثناء الحملات وتحاشيهم الخدمة وقلة فاعليتهم القتالية وازدياد خطرهم بسبب عدم وجود التنظيم والمراقبة عند تسجيل الجدد في الفيلق وازدياد نفقات الحكومة على إعالة الفيلق،
وكل هذا في ظل الهزائم الحربية السياسية التي منيت بها الإمبراطورية العثمانية في نهاية القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر إلى إجراء محاولة الإصلاح العسكري الأولى التي قام بها السلطان عثمان الثاني وهي محاولة انتهت بالفشل وأسفرت عن ازدياد الجيش المأجور قوة واستقلالا عن السلطة العليا إلى الحد الذي صار معه بمقدوره أن يولي على العرش السلطان الذي يرتضيه دون تعويق، إلى جانب ذلك كان ازدياد جيش البلاد قوة مخلا للتوازن الاجتماعي.
وانتهى الأمر بالفيلق الإنكشاري إلى أنه بعد أن كان في البداية منظمة اجتماعية بيد السلطة العليا صار مع بداية القرن السابع عشر أداة في النزاع على السلطة بين النخبة في البلاد ثم بيد طبقة العلماء نظرا لنزعتهم الرجعية التي كانت ترضي كثيرا الفيلق الإنكشاري المعني بثبات مكانته في المجتمع واستقرارها.
ألفت عبدالله
*الكتاب: الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية
*الناشر: مركز جمعة الماجد
للثقافة والتراث - دبي 2006
*الصفحات: 243 صفحة من القطع الكبير
