مؤلف كتاب «من تاريخ النحو» هو الأستاذ العلامة: سعيد الأفغاني المولود من أم شامية وأب من كشمير التي كانت تابعة للأفغان في ذلك العهد ومن هنا اكتسب هذا العلم لقبه الأفغاني، نشأ الأستاذ في أحياء «البزورية والنوفرة والقيمرية والعمارة المحيطة بالجامع الأموي بدمشق» إذ تفتحت عيونه على ما كان يشاهده في الجامع الأموي من دروس لا تنقطع

ومن خلال هذه الدروس تتلمذ على يد الشيخ «أحمد النويلاتي» الذي بدوره تتلمذ على يد «الشيخ طاهر الجزائري» أما مسيرته العلمية كما وردت في كتاب الدكتور «مازن المبارك» الأفغاني حامل لواء العربية وأستاذ أساتذتها فقد بدأ في مدرسة الإسعاف الخيرية ثم أتم دراسته الابتدائية في مدرسة التطبيقات وتابع دراسته الإعدادية والثانوية في «مكتب عنبر»

ثم التحق بمدرسة الآداب العليا في الجامعة السورية وبعد تخرجه عين الأستاذ الأفغاني أستاذاً مساعداً في كلية الآداب وفي عام 1964 أوفد إلى جامعة فؤاد الأول في القاهرة للتحضير لدرجة الدكتوراه لكنه لم يتابع الدراسة مفضلا العودة إلى دمشق ومتابعة تدريس اللغة العربية في كلية الآداب.امتد نشاطه التدريسي إلى بعض الجامعات العربية مثل الجامعة اللبنانية في بيروت والجامعة الليبية في بنغازي وجامعة الملك سعود في الرياض

وبقي يدرس فيها إلى أن بلغ الخامسة والسبعين من عمره كان الأستاذ الأفغاني رحمه الله جم النشاط العلمي محاضراً وباحثاً وكاتب مقالة ومؤلفاً ومحققاً، وقد ترك لنا كتبا مهمة في النحو واللغة والموضوعات الأخرى «كأسواق العرب في الجاهلية والإسلام»، «ابن حزم الأندلسي»، «الإسلام والمرأة»، «عائشة والسياسة» أما كتابه في تاريخ النحو فيعرض في البداية مكانة اللغة العربية في العصر الجاهلي والإسلامي في نفوس العرب وقلوبهم، معتبراً أن اللحن أي الخطأ هو الباعث الأول على تدوين اللغة وجمعها وعلى استنباط قواعد النحو وتصنيفها.

ثم يتتبع تطور اللحن منذ ظهوره على عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حين لحن رجل بحضرته فقال «ارشدوا أخاكم فقد ضل» مرورا بعهد صحابة الرسول الكريم، ثم الخلفاء الأمويين وقد وضع العلامة في كتابه الخارطة اللغوية للاحتجاج بالكلام العربي، فعدد القبائل التي يستشهد بلغتها وكذلك الزمان الذي ينبغي عدم تجاوزه في الاستشهاد

ويقرر: أن إحداث اللحن حمل القوم على حفظ اللغة، وتيسير تعلمها للأعاجم، فشرعوا يتكلمون في الإعراب وقواعده حتى تم لهم مع الزمن هذا الفن «ويرى أيضا أن المصادر تجمع على أن النحو نشأ بالبصرة، واتسع وتكامل وتفلسف وأن رؤوسه بنزعتيه السماعية والقياسية كلهم بصريون»

وهو لا يخالف من عد أبو الأسود الدؤلي ـ ت 67 هـ واضعاً للنحو العربي بدليل انه يقول: ومن يقرأ بإمعان ترجمة أبي الأسود الدؤلي في «تاريخ دمشق لابن عسكر» مثلاً ثم يفكر في توارد أكثر المصادر على جعله واضع الأساس في بناء النحو، لا يستبعد ذلك فالرجل ذو ذكاء نادر وجواب حاضر وبديهة نيرة..... «ثم يضع المؤلف عنواناً فرعياً: المدرستان الأوليان وهما البصرة والكوفة، فيشير إلى الطبقة الأولى من البصريين معدداً أعلامها ثم الطبقة الثانية والثالثة كذلك، ثم يعرج على المدرسة الكوفية،

حيث نشأ خلاف بين المدرستين، فكان علمياً في بدايته ولكن تغيرت الأمور، بعدما قرب العباسيون الكوفيين فوقفوا بالمرصاد للبصريين الذين يفوقونهم علماً. ويحصر الكاتب الفروق بين المذهبين البصري والكوفي في أمرين مهمين وهما: السماع الذي عرفت به الكوفة والقياس الذي اشتهرت به البصرة،

ويعلل كل ذلك بالأمثلة والشواهد. ويدلي العلامة برأي طريف في المذهبين حيث يقول: وبهذا لا يكون من الدقة -في رأيي -إطلاق النزعة السماعية على المذهب الكوفي والنزعة القياسية على المذهب البصري، والدقة التي يؤيدها التاريخ والإمعان فيه وفي أقوال الكوفيين والبصريين ألا يكون مذهب بصري يقابله مذهب كوفي بل نزعة قياسية، ويختلف خط كل منهما صحة وحالا ومقدارا بين البلدين، بل بين نحاة كل بلد على حدة،

وعلى ذلك الأساس يصح أن نعيد النظر في النحو وتاريخه ورجاله، وبهذا التصنيف الجديد، بعدما علمنا أن النزعتين تتمثلان على حقهما بالبصرة لا بالكوفة. و ختم ما سبق برصد بعض المسائل الخلافية بين المدرستين، كما أعطى ملامح المدرسة البغدادية والأندلسية، وذكر بعض أعلامها ومؤسسيها وفي خاتمة هذا المحور يرى أن البلدة الواحدة قد تضم نحاة من منازع مختلفة ثم يسرد لنا حياة بعض النحاة العلماء ليكون كتابه منهجاً متكاملاً يجمع بين الاستقراء والتحليل والتاريخ