كانت فرانسين بانتيو، صاحبة هذه الحكاية التي ترويها، زوجة أولا للمهندس الألماني هيرمان شميت الذي كان تاجرا للسلاح وتصفه بأنه الرجل الذي كان قد باع للأرجنتين ولمصر «تكنولوجية» صناعة صاروخ «كوندور» الشهير، وبعد وفاة زوجها الأول «فجأة»، تزوجت ثانية من تاجر السلاح الإسرائيلي ناحوم مانبار الذي تصفه بأنه «يكذب ويخون ويستغل».
وفي هذا الكتاب تقدم فرانسين للقارئ قصتها مع زوجيها «تاجري» الأسلحة، الأول هيرمان الذي تقول عنه انه قد «أعطاها كل شيء»، والثاني مانبار الذي «سرق منها كل شيء».
تشبه قصة «فرانسين» حكايات «ألف ليلة وليلة» من خلال الحياة التي عاشتها بين موناكو والريفييرا الإيطالية وسان تروبيه، ملتقى الأثرياء، الفرنسية. إنها حياة «الأحلام» بالقرب من زوجها الأول الذي كانت قد التقت فيه ذات يوم من شهر يونيو 1982 في موناكو عندما كان يبحث عن «سكرتيرة» تتقن لغة «غوته». وكانت «ضربة الصاعقة» العاطفية منذ اللقاء الأول.
لكن قبل توقيع عقد العمل وقعت «فرانسين» ما يسمّى بـ «ميثاق كتمان السر» حول طبيعة نشاطات شركة «هيرمان» والتي لم تكن تعرف أي شيء عن طبيعتها. ولقد بدأت بالتعرف أولا على شخصية «الرجل» وبأنه يحب الموسيقى «مثلها» وأخبرها أنه يعيش وحيدا ولا «تسلية» له سوى عمله. هكذا تزوجا بعد فترة وأنجبا ابنتهما «انديانا» يوم 31 أغسطس 1985.
تقول فرانسين: بما أنني كنت مساعدة لهيرمان انتهى بي الأمر إلى إدراك حقيقة أعماله، أنه تاجر سلاح. أما تكوينه الدراسي فقد كان في ميدان الهندسة الميكانيكية وتحديدا في الاختصاص المتعلق بـ «تطوير المواد الانشطارية المستخدمة في دفع الصواريخ».
وتؤكد المؤلفة ـ الزوجة أنه بهذه الصفة أقام لفترة طويلة في القاهرة ليشارك في «مشروع حكومي لتصنيع محركات صواريخ تستخدم مواد انشطارية مصدرها شركات فرنسية». وتشير «فرانسين» إلى أن ذلك المشروع لم يلق نجاحا كبيرا، كما أسرّ لها زوجها ذات يوم.
وفي إطار مثل هذا النشاط اندرج برنامج صواريخ «كوندور» التي كانت مجموعة «أم ـ بي ـ بي» الألمانية تقوم بتصنيعها. وتشير «فرانسين بانتيو» هنا إلى أن زوجها قد وقّع عقدا مع الأرجنتين في نهاية شهر مارس 1982 في منظور تنفيذ برنامج يرمي لتزويدها بذلك الصاروخ.
ونقرأ: «ذات يوم من عام 1987 قال لي هيرمان: عزيزتي، سوف أسافر إلى مكان ما، لكنني لن أستطيع أن أقول لك إلى أين، لا تقلقي سأعود بعد أسبوع». وتضيف المؤلفة: إن زوجة تاجر سلاح لا تطرح الأسئلة أبدا. لكن بعد ذلك بفترة اعترف لي أنه ذهب إلى العراق.
وإنني أتذكّر محادثة روى فيها شريكه كيف كان قد استقبلهما ابن الرئيس صدام حسين في قصر فاخر على ضفاف نهر دجلة. وتشير إلى أنها عندما اعترضت على تعامله مع ذلك «النظام» أجابها بأنه سوف يحصل على حفنة ملايين إضافية ثم سيتوقف نهائيا عن ممارسة تجارة الأسلحة كي يتفرّغ للتمتع بحياته. وهذا ما تعلق عليه المؤلفة ـ الزوجة بالقول: «لقد سمعته يكرر مثل ذلك القول مرّات عديدة.
المشكلة هي أن رجال الأعمال ـ خاصة تجار الأسلحة ـ لا يستطيعون التوقف أبدا عن ممارسة نشاطهم. إنهم لا يعرفون كيف يقاومون إغراء ذلك، ولا يريدون الاكتفاء بما يملكون، وهم على قناعة أن طريق الخلود مفتوحة أمامهم».
وما تؤكده المؤلفة ـ زوجة تاجر الأسلحة ـ أن زوجها أصيب بحالة من القلق بعد أن جرى تفجير سيارة شريكه ذات يوم من شهر مايو 1988. وترى أن ذلك الحادث كان «إنذارا» وتبعته رسائل تهديد، بينما أن تصرفات زوجها قد أصبحت تثير الغرابة حيث أخذ يتلف الكثير من الوثائق وحتى ساعة متأخرة من الليل أحيانا.
ويحذر أفراد العائلة بضرورة الانتباه عندما يخرجون إلى النزهة أو إلى الشاطئ. وفي هذه الأجواء تعرّض مكتب الشركة في «سالزبورغ» للحريق. تقول المؤلفة: «بعد فترة علمت أن الموساد» كان وراء ذلك الحريق. وفي شهر يوليو من عام 1988 شخّص الأطباء وجود ورم خبيث في دماغ «هيرمان». وقد انتشر ذلك المرض القاتل وتعمم سريعا. تقول فرانسين: «ربما أن ذلك المرض الرهيب كان جوابا على صدمة مرتبطة بعمله، خوف كبير وألم عاشه وحيدا».
تحسّنت صحة «هيرمان» قليلا بعد إجراء عملية جراحية صعبة ولكنه تلقّى بعد فترة وثيقة من أمير موناكو يطلب منه فيها «عدم المجيء أبدا بعد ذلك إلى الإمارة». وكانت تلك «ضربة قاضية» لجميع أحلامه. و«بعد شهرين توفي هيرمان بين يدي وتحت أنظار ابنتنا. كان عمره 56 سنة، وكانت تلك نهاية العالم بالنسبة لي... نهاية عالم».
وفي منتصف شهر مايو 1991 التقت فرانسين، بواسطة إحدى صديقاتها، الإسرائيلي ناحوم مانبار. وأعرب منذ اللقاء الأول أنه قد «وقع في حبها». أما هي فقد اعترضت كون أن تلك الصديقة قد أعطته رقم هاتفها دون إذنها، لكن «من جهة أخرى... ربما كان ذلك بمثابة ضربة حظ بالنسبة لي إذ بدا أن ذلك الرجل يحب الأطفال حسبما ظهر من طريقة حديثه عن ابنة زوجته السابقة.
وهو رجل يوحي أنه يحب حماية الآخرين وبالتالي لا يمكن أن يكون شريرا، بل على العكس»، حسب تعبيرها قبل أن تضيف: «كان هيرمان ألمانيا، أما هو فإسرائيلي، إذن يهودي. هذا الأمر لا يستقيم. كلاّ لا يستقيم حقا.
وبأي ورطة وضعت نفسي؟» ثم «كان هيرمان يعمل أيضا مع البلدان العربية»، بل وقررت كي تبعده عنها أن تفصح له عن وضعها بل وأخبرته أن زوجها كان هو وراء مشروع صاروخ «كوندور» الألماني المصنّع في الأرجنتين والذي بيع عدد منه إلى مصر.
لكنه ورغم «تغير لون سحنته» عند سماع ذلك فاجأها بالقول: «لقد فات الأوان»، وهذا ما اعتبرته «إعلان حب» إذ أبدى استعداده كي يتجاوز جميع العوائق من أجلها و«اعتبارا من تلك اللحظة تغيّرت مسيرة حياتي». وفي نهاية عام 1991 كان قرار الزواج.
«كان المال بالنسبة لناحوم هو الشيء الوحيد الذي له قيمة بالفعل»، كما تقول فرانسين. وبدأ منذ الفترة الأولى لحياتهما المشتركة «يضطهدها» و«يتصرف كأنه في أرض احتلّها». وبالإجمال بدا شخصية متناقضة تماما مع شخصية هيرمان.
وتعترف أنها اكتشفت بعد ذلك أنه كان قد طلب -أي ناحوم- من العديد من أصدقائه أن يجدوا له زوجة «من نوعية جيدة»، أي «سلعة» كما تقول. بل إنه اعترف لها هو أيضا أنه كان، قبل فترة من حياتهما المشتركة، قد استقدم فتاة من إسرائيل بواسطة صديق محام كان قد وجد له «الجوهرة النادرة». ولكنه وضعها بعد أيام فقط في الطائرة «إذ أنها تجاسرت وطلبت منه أن يقرضها بعض المال».
لم يكن المهم بالنسبة لناحوم هو «الزواج» وإنما «ما بعد الزواج» أي الاستفادة من الثروة المالية التي كان هيرمان قد تركها لزوجته وأم ابنتهما «انديانا». هكذا انتقلت حسابات فرانسين إلى اسم «ناحوم» والذي كان قد اقترض منها حتى قبل الزواج ما قيمته 000 600 دولار لشراء شركات «من أجلك ومن أجل ابنتك... ومن أجل أسرتنا القادمة، وهذا سيكون بزنس العائلة»، كما قال.
وكان ناحوم يصرّ على اصطحاب فرانسين إلى الاحتفالات التي ينظمها اليهود في العديد من البلدان من أجل «التبرع لإسرائيل». وتذكر فرانسين تلك الدعوة في أحد فنادق مدينة نيس حيث وقّع ناحوم شيكا بمبلغ نصف مليون فرنك فرنسي، دون أن يتحدث معها بالأمر من قبل.
وكانت مفاجأة ذلك كبيرة إلى حد أن الجميع اعتقدوا أنه قد أخطأ وكتب «صفرا» زائدا على الأقل بحيث إن رئيس تلك الحفلة جلب له الشيك كي «يصححه»، لكن ناحوم أجابه قائلا: «كلاّ، كلاّ... هو ذلك المبلغ الذي أريد التبرع به».
كان ناحوم يريد أن يصبح مشهورا على حساب «فرانسين». ولم يتردد ذات يوم أن يطلب منها في الهاتف: «عليك أن تجدي مليون دولار في الحال (...). ما عليك إلا أن تبيعي شقتك في موناكو». لم يكن «ناحوم» يهتم سوى بالمال، ولم يكن يتورع عن بيع السلاح إلى كل من يطلبه بعيدا عن أي موقف.
هكذا ورغم عطاياه الكبيرة لإسرائيل فإن محكمة إسرائيل حكمت عليه بالسجن لمدة 16 سنة بتهمة بيع أسلحة ومعلومات لإيران وللصين ولغيرهما.
وفي الكلمات الأخيرة من هذا الكتاب تذكر «فرانسين بانتيو» حكمة شعبية كانت والدتها ترددها دائما ومفادها: «ليس هناك أبدا مرّتان دون ثالثة»، وهذا ما تردّ عليه المؤلفة كي تختتم كتابها بالقول: «هذه المرّة قررت بكل تصميم أن أكذب الحكمة الشعبية».
* الكتاب: زوجة تاجرين للسلاح تروي
* الناشر: فافر ـ سويسرا 2006
* الصفحات : 275 صفحة من القطع المتوسط
Epouse successive de deux marchands d'armes
Francine Painthiaux
Favre- Suisse 2006
p.275
