ساهم في تأليف هذا الكتاب العديد من الباحثين والمختصين في الشعر الأميركي ماضيا وحاضرا. وأشرف عليه الباحث دافيد ليهمان. ويحتوي الكتاب على عشرات الفصول عن الشعراء الكبار من أمثال والت وايتمان، عزرا باوند، ت. س. ايليوت، ويليام كارلوس ويليامز، ولاس ستيفنس، ماريان مور، هارت كرين، ادوارد ايستلين كمنغر، الخ.
يقول الكتاب ما معناه: يتفق النقاد والدارسون على اعتبار عام 1912 بداية ولادة الشعر الأميركي الحديث. وهو العام الذي شهد تأسيس مجلة «شعر» في شيكاغو التي عرّفت الجمهور على عزرا باوند وولاس ستيفنس وغيرهم من الشعراء الشباب الذين سيكون لهم شأن كبير بعدئذ.
قبل ذلك التاريخ كان الشعر الأميركي مجرد تقليد للشعر الإنجليزي، ولم يكن قد أنجب إلا ثلاثة شعراء كبار ومبتكرين هم: إدغار آلان بو، ووالت وايتمان، والميلي ديكنسون. ويمكن أن نعتبر الشاعر روبرت فروست بمثابة استمرارية لإيميلي ديكنسون. وأما التيارات الأخرى فمتفرعة في معظمها عن شعر والت وايتمان.
لقد صدرت لروبيرت فروست مجموعتان شعريتان عامي 1913 و1914، الأولى بعنوان «إرادة الصبي»، والثانية بعنوان «شمال بوسطون». وقد طبعتا في إنجلترا لا في أميركا ولقيتا نجاحا منقطع النظير وبشكل مباشر. ويمكن القول بأن روبرت فروست الذي عاش بين عامي 1875-1963 هو شاعر إقليمي وتقليدي من حيث الشكل. يقول من قصيدة بعنوان «قرينة الهضبة»:
«الوحدة كانت أكبر مما تتحمله/ وأكثر وحشية
ولما لم يكن يوجد في المزرعة إلا هما/وبدون أطفال، وإن العمل في البيت كان قليلا/فإنها كانت حرة وتتبعه في الحقول حيث كان يفلح الأراضي/أو يقلع الأشجار كانت جالسة على جذع شجرة/والنجارة لا تزال طازجة
وكانت تغني بكل نعومة لنفسها فقط/أغنية شجية...»
وأما عن ويليام كارلوس ويليامز فيقول الكتاب ما معناه:
في عام 1909 صدرت مجموعة شعرية على حساب مؤلفها بعنوان: قصائد. وكان هذا المؤلف المجهول هو شاب في السادسة والعشرين من عمره ويدرس الطب ويدعى: ويليام كارلوس ويليامز. وقد بدت عليها علامات التأثر بالشاعر الإنجليزي الرومانطيقي الشهير، كيتس، وبالشاعر الأميركي والت وايتمان.
وبدت المجموعة تقليدية بلا أصالة ولا ابتكار. ولم يكن أحد يتوقع لصاحبها أي مستقبل شعري. ولكن السنوات المقبلة كذبت هذا التوقع وكشفت عن موهبة ضخمة لشاعر كبير.
في ذلك الوقت كان ويليامز طالبا في جامعة بنسلفانيا ولا يحلف شعريا إلا باسم عزراباوند. وكان هذا الأخير قد سافر إلى أوروبا وأسس فيها الحركة الشعرية المشهورية باسم: الحرية التصويرية، وهي حركة تجديدية تدعو إلى التخلص من الشكل الكلاسيكي للشعر، أي في الأوزان والقوافي.
كما وتدعو إلى التعبير عن الأفكار والانفعالات بواسطة الصور المحسوسة الواضحة البليدة عن الغموض والرمزية. وأكبر دليل على ذلك مجموعة زباوندس المشهورة باسم: طعنات خاطفة. وهي مهداة إلى ويليامز بالذات وفيها ترد هذه القصيدة تحت عنوان «فتاة»:
«الشجرة دخلت في يديّ/نسفها تغلغل في ذراعيّ/الشجرة نمت على صدري/ نحو الأسفل/الأغصان تخرج مني، كذراعين...». لقد تأثر ويليامز بهذه الطريقة في الكتابة الشعرية وراح يستخدم الطبيعة النباتية من أجل توليد صوره الشعرية على غرار المعلم الكبير عزرا باوند.
يقول مثلا من قصيدة شديدة الإيحاء جنسيا:
«فخذاك كشجرتي تفاح/أزهارهما تشق عنان السماء
الأعشاب العالية لقدميك/ترتعش فوق الضفاف
يا لها من ضفاف؟ يا لها من ضفاف؟/رحت أقول تويجة أشجار التفاح...».
حقا لقد شغف ويليامز بالطبيعة ولم يعد يعرف أن يكتب شعرا بدونها. وفي أواخر حياته راح يسخر من الشعراء التجريبيين، أي الذين يكتبون الشعر في المختبر بعيدا عن الحياة والطبيعة. يقول مثلا:
عارٌ على شعرائنا/لقد أصيبوا بعدوى المرض المنتشر/ بُهِروا/ بالمختبر/ ونسوا/ الزهرة!»
ثم يردف الكتاب قائلا:
أما عزرا باوند فقد ملأ الدنيا وشغل الناس في وقته ولا يزال. ومعلوم أنه تورط مع الفاشيين في إيطاليا واشتغل في الإذاعة هناك وعوقب على ذلك بعد الحرب بل وحكم عليه بتهمة الخيانة العظمى، وذلك لأن بلاده (أميركا) كانت منخرطة في المعسكر المضاد ضد الفاشية والنازية.
ويقال بأنه جنّ بعدئذ ودخل المصحات العقلية أكثر من مرة. ولكن من يستطيع أن يقاوم شعر عزرا باوند؟ من يستطيع أن يسلم من شره أو سمومه؟ هذا إذا كان الشعر يدخل في باب الشر والسموم!
كان ارنست همنغواي يرى فيه شاعرا كبيرا وأما «كمنغر» فكان يرى فيه الشاعر الأكبر في تاريخ أميركا. كان يقول مثلا:
«أزهار المشمش/ تطفو على الرياح الشرقية/ وقد حاولت منعها من السقوط...». وكان يقول أيضا:
«ما أبطأ تفتح الزهرة/ عود الثقاب يشتعل في بؤرة العين/ ثم يكون الظلام».
أما الشاعر الكبير الآخر فهو بالطبع ت. س. ايليوت. وهو محسوب على الإنجليز ولكنه أميركي النشأة والتكوين. والواقع أنه ينتمي إلى كلا الأدبين الأميركي والإنجليزي على حد سواء.
ولكن الأميركان والإنجليز يتقاتلون عليه، وكلٌ يدعي أنه ينتسب إلى بلاده وحدها. فما هي حقيقة الأمر يا ترى؟ ينبغي العلم بأنه ولد عام 1888 في مدينة سانت لويس بولاية ميسوري. ثم دخل توماس ستيرنز ايليوت إلى جامعة هارفارد عام 1906.
وفي ذلك الجو الهادئ والمتقشف لمنطقة انجلترا الجديدة راح يكتب أول نصوصه الأدبية أو قصائده الشعرية. وقد اكتشف في تلك الفترة الشعراء الرمزيين في فرنسا وبخاصة شاعرا يدعى لافورغ، وسوف يكون تأثيره عليه حاسما.
نقول ذلك على الرغم من أنه ليس أهم شاعر في المدرسة الرمزية، فهناك من هو أهم منه بكثير كفيرلين، ومالارميه، ورامبو، وسواهم.
ثم سافر ت. س. ايليوت إلى أوروبا بشكل نهائي قبيل الحرب العالمية الأولى وكان في الخامسة والعشرين من عمره. واستقر في لندن عاصمة الإمبراطورية الإنجليزية التي كانت تمثل آنذاك القوة العظمى الأولى في العالم. وهناك تعرف على عزرا باوند والشعراء التصويريين.
وقد عرف «باوند» بحدسه الذي لا يخطئ مدى أهمية هذا الوافد الجديد. فاستقبله استقبال الفاتحين وراح يهتم به وينشر له أشعاره في الجرائد والمجلات المتخصصة. وعلى الرغم من أن الشعراء يغارون كثيرا من بعضهم البعض إلا أن عزرا باوند لم يكن من هؤلاء.
كان من العظمة الشعرية والثقة بنفسه بحيث أنه لا يخشى منافسة أحد. لم يكن صغيرا عزرا باوند على الرغم من كل ما أشيع عنه وعلى الرغم من كل الإشاعات عن مرضه وجنونه.
* الكتاب: كتاب أوكسفورد عن الشعر الأميركي
* الناشر: مطبوعات جامعة أوكسفورد 2006
* الصفحات: 1132 صفحة من القطع المتوسط
The Oxford book of american poetry
Oxford University Press 2006
David Lehman
p.1132
