فرانك شيرماشير، من مواليد عام 1959، ويعمل مديرا وكاتبا للافتتاحيات في صحيفة «فرنكفورت زايتونغ» الألمانية. احتل كتابه هذا «استيقاظ ماتوسالم...» مكانا في رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعا في ألمانيا لمدة أسابيع عديدة وبيع منه ما يزيد على خمسمئة ألف نسخة.
«استيقاظ ماتوسالم» هو قبل كل شيء صرخة إنذار بالخطر موجهة للمجتمعات الأوروبية التي تعاني من ظاهرة زيادة عدد الطاعنين في السن لأنها «مجتمعات عجوز» وبالتالي عليها أن تتأهب لما يسميه بـ «حرب أجيال حقيقية».إن «ماتوسالم» الذي «يستيقظ»، كما جاء في عنوان هذا الكتاب، هو شخصية توراتية ترمز لطول العمر حيث كان قد «عاش»، حسب الأسطورة، 969 سنة.
وينطلق المؤلف من مشاهدة ديمغرافية وهي أنه للمرة الأولى في التاريخ الإنساني أصبح أولئك الذين تزيد أعمارهم على الستين سنة هم أغلبية بين السكان في العديد من البلدان. ومع ذلك، ومع ما يتضمن هذا من مفارقة إلى هذا الحد أو ذاك، لا يزال يتم «تلميع صورة الشباب»،
وذلك في الوقت الذي غدا من الملحّ فيه، كما يرى مؤلف هذا الكتاب، التحرك بسرعة وتغيير النظرة بعمق حول الشيخوخة وحول نمط العيش، وبحيث يتم العمل من أجل جعل هذه «الشيخوخة» ورقة رابحة. ذلك على اعتبار أن النظر لـ «التقدم بالسن» على أنه مؤشر على العجز إنما يعني «الانتقاص من أهمية التجارب والمعارف المتكدّسة».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية يخص الأول منها: «بروز المجتمع السائر نحو الشيخوخة»، ويعنى الثاني بـ «رسم لوحة عيانية للواقع القائم»، ويحدد القسم الثالث «المهمة» المطروحة على البلدان المتقدمة بينما يقدّم القسم الرابع والأخير «تعريفا جديدا للذات».
في البداية يستعرض المؤلف المعطيات التي تدل على أن أوروبا قد أصبحت بالفعل «قارة عجوزا»، ويشير بهذا الصدد إلى تقرير حديث العهد أعدّته منظمة الأمم المتحدة وقالت فيه إن عدد سكان ألمانيا سيتناقص ب23 مليون نسمة من الآن وحتى أفق عام 2050 وبحيث لا يتم أخذ عدد المهاجرين بالحسبان في مثل هذا التوقع.
وهذا يعني، برأي المؤلف، وجود ألمانيا أمام أحد خيارين -أحلاهما مرّ- فإما أن «تموت على نار هادئة» أو «تستقبل أعدادا كبيرة من المهاجرين». لكنه يفتح هنا قوسين ليؤكد أن «المجتمع لا يشيخ» إنما أفراده هم «الذين يشيخون». أما شيخوخة المجتمع فإنها تتطلب توفر إحدى إمكانيتين «متعارضتين» فإما أن تتضاءل كثيرا نسبة الولادات أو يزداد كثيرا معدّل عمر الإنسان.
لكن هنا يشير المؤلف أيضا إلى أنه إذا كانت النتيجة الحسابية النهاية هي «نفسها» فإن الآثار المترتبة عليها متباينة تماما. إذ إن امتلاك مجتمع ما لعدد أقل من الشباب ليس «مرادفا» لامتلاكه عددا أكبر من الطاعنين في السن. لكن لا شك أن «سيناريو الشيخوخة» يبلغ أقصى أشكاله إذا اجتمعت الظاهرتان كما هو الحال في العديد من المجتمعات الأوروبية.
وفي ألمانيا مثلا تدل المؤشرات على أنه خلال فترة نصف قرن بين عام 1970 وعام 2020 ستتناقص من 30 في المئة إلى 18 في المئة بينما ستزداد نسبة من تزيد أعمارهم على 60 سنة من 20 في المئة إلى 28 في المئة.
بكل الأحوال تشير مختلف الدراسات المختصة إلى أن البلدان الأوروبية المتقدمة كلها تسير نحو «شيخوخة» مجتمعاتها وذلك مع زيادة معدّل عمر الإنسان الذي ازداد خلال عقد التسعينات الماضي 8,2 سنة في ألمانيا و1,2 سنة في فرنسا. وما يؤكد عليه المؤلف هو ضرورة أن يتوصل الأوروبيون إلى القناعة بأن «الشيخوخة هي تحوّل وليست أمرا سيئا».
ولكن ليس من السهل التوصل إلى ذلك إذ إن «الثقافة الغربية لم تكن حليمة أبدا حيال الطاعنين في السن»، كما يقول المؤلف ودلل على ذلك بسخرية الكثير من الكتّاب، وعلى رأسهم موليير، من هذه الشريحة من أبناء المجتمع. ثم إن «الكبار» متّهمون دائما أنهم حماة «التقاليد القديمة» المحافظة بينما الشباب هم محرّك التقدم والحداثة.
يقول المؤلف: «إن بلوغ الشيخوخة، أمر لا يروق لأحد. وخلال العقود الخمسة القادمة سيصبح هذا الإحساس العائد لأسباب غير معروفة، إحساسا عاما وبالتالي سوف يغدو الجرح الشخصي الذي تثيره الشيخوخة ظاهرة اجتماعية». وفي الواقع أن الجسد الذي يشيخ يسبب آلاما نفسية لصاحبه. واليوم ليس أبناء أوروبا هم الذين يشيخون فقط وإنما شعوبها أيضا. وهذه الشيخوخة سوف تتعمّق لاسيما أن «أمل إطالة الحياة لا حدود له».
ومن الواضح أن مؤلف هذا الكتاب لا يريد له أن يكون صرخة انتقاد ضد الحضارة الغربية وإنما أن يكون بالأحرى محاولة لإثارة التعبئة حيال واقع جديد يعزز مواقعه أكثر فأكثر وفي مواجهة إيديولوجية سائدة «قاتلة».
وما جرى، يتم تحديده، على أنه «انتصار بيولوجي» لأجيال اليوم التي «لم تفز بأراض جديدة وإنما فازت بعدة سنوات زيادة في عمرها»، كما يقول المؤلف قبل أن ينقل عن الكاتب الأميركي «تيودور روزاك» الجملة التالية: «اعتبروا هذه السنوات التي تمّ كسبها مثل مصدر للثروة، مصدر ثقافي وروحاني كسبناه في مواجهة الموت بنفس الطريقة التي انتزع فيها الهولنديون أراضي خصبة من البحر العقيم».
ويطلب المؤلف من قارئه أن «لا يصاب بالرعب» حيال الإحصائيات التي يستخدمها، هذا قبل أن يشير إلى الدقة الكبيرة التي تتحلّى بها التوقعات الديمغرافية عامة. هذا على عكس التوقعات الاقتصادية. فمثلا كانت الأمم المتحدة قد توقعت في عام 1950 عندما كان عدد سكان البشرية 5. 2 مليار نسمة بأن هذا العدد سيصبح 6 مليارات عام 2000 وهذا ما حصل مع هامش خطأ لا يتجاوز 5. 3 في المئة.
وتدل التقديرات أن عدد الأشخاص الذين تفوق أعمارهم ال60 سنة سوف يتضاعف 3 مرات من الآن وحتى عام 2050 على المستوى العالمي لينتقل من 606 ملايين نسمة إلى 970. 1 مليار نسمة؛ أي أن هذه الفئة ستتزايد بإيقاع أكبر من مجموع سكان العالم في نفس الفترة الذين لن يزدادوا سوى بمعدل نصف عددهم اليوم.
وسوف يتضاعف عدد الذين يزيد عمرهم على 85 سنة ست مرّات في نفس الفترة لينتقل من 26 مليون اليوم إلى 175 مليون عام 2050 بينما سيتضاعف عشر مرات عدد المعمّرين ذوي المئة عام حيث سيبلغ 200,2 مليون وهو الآن 135 ألفا فقط.
إن ضخامة مثل هذه الأرقام جعلت مؤلف الكتاب يعتبر أن بروز «المجتمع العجوز» يشكل «ثورة» حقيقية معروف زمن حدوثها بهذا القدر أو ذاك من الدقة وهناك خشية كبيرة من آثارها ولكن من غير الممكن تجنبها، فقط «إنها تتجاوز مخيلتنا»، كما يعبر المؤلف.
ويحدد عام 2010 موعدا ل«بداية النزاع». ففي هذا التاريخ سوف يذهب الجيل الأول في أوروبا لما بعد الحرب العالمية الثانية إلى «التقاعد»، وستبرز في المجتمع عدة مؤشرات يتمثل أهمها في زيادة «أمل» طول العمر ونقص في عدد الولادات عامة وفي ولادة الفتيات خاصة.
المثال الذي يركز المؤلف على دراسته هو ألمانيا حيث يرى أنه في حالة عدم نشوب أي حرب فإن نصف الألمانيين سيفوق عمرهم ال51 سنة عام 2050 مقابل 40 سنة حاليا مع أمل زيادة في العمر بحوالي 30 سنة. وإذا جرى تطبيق هذا الإيقاع على إيطاليا فهذا يعني أن عدد سكانها لن يكون أكثر من 10 ملايين نسمة في نهاية القرن الحادي والعشرين.
وبنفس الوقت سوف يتناقص عدد سكان المدن الأوروبية حيث سوف تعرف العلاقات الاجتماعية تبدلا عميقا بسبب النقص الذي يعرفه عدد مستهلكي السلع والخدمات، بل ونقص في «استهلاك» التربية والثقافة والإعلام، وذلك تبعا للتحول الذي سوف يعرفه «هرم العمر».
في مواجهة مثل هذا الوضع يرى مؤلف الكتاب أنه من الواجب، وعلى أساس المسؤولية حيال «أجيال المستقبل»، المحافظة «على وعي حازم بواقع الشيخوخة ولكن في الوقت نفسه رفض الاستسلام للآخرين».
وبعد أن يعترف أن هذه الفكرة ليست «جديدة» بحد ذاتها يؤكد على أن «بقاء الحضارة الغربية» يتعلق بها، وذلك في إطار ما يسميه ب«حرب الحضارات» حيث يحيل قارئه إلى مقولة «صدام الحضارات» للمفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون.
ويخلص المؤلف إلى القول إنه سيكون على أوروبا اللجوء أكثر فأكثر إلى «شباب الهجرة» من أجل خلق الدينامكية المطلوبة للبقاء. وهذا الرافد «الخارجي» لا بد منه بالنسبة لمختلف بلدان أوروبا الغربية وخاصة ألمانيا التي ستفقد مثلا بدونه نصف سكانها من الآن وحتى أفق عام 2080، أي «عندما سيكون أطفالنا في سن الشيخوخة»، كما يقول المؤلف.
لذلك تتمثل المهمة الكبرى الحالية، حسب التحليلات المقدّمة، في إعطاء «المجتمعات المهددة» نوعا من «وعي الذات» القائم على الخبرة والحكمة، إذ إن الشيخوخة «ليست مرادفا للضعف أو للإنهاك»، وإدراك مثل هذه الحقيقة يمثل «أحد قواعد بقاء الأمم الغربية العجوز» والتي تشهد بوضوح «صراع الأجيال». أما الخطر الأكبر فهو «الشيخوخة الاجتماعية» و«الشيخوخة الاقتصادية» و«الشيخوخة الفكرية». وهذا كله يستدعي «تعريفا جديدا للتراث»، كما يشرح المؤلف في الصفحات الأخيرة من كتابه.
* الكتاب: استيقاظ ماتوسالم
المستقبل للذين يعرفون كيف يشيخون
* الناشر: روبير لافون ـ باريس 2006
* الصفحات: 220 صفحة من القطع المتوسط
Le réveil de Mathusalem
l'avenir appartient à ceux qui savent vieillir
Frank Schirrmacher
Robert Laffont- Paris 2006
p.220
