بطل الرواية فرانك ما شيانو، الذي يدعى أيضاً فرانكي ماشين يتقاعد من حياته التي عمل خلالها قاتلاً مأجوراً لحساب المافيا، ويبدأ حياة جديدة في سان دييغو. والآن وقد ابتعد تماماً عن مباهج حياة المافيا ومخاطرها فإن يفتتح متجراً لأنواع الطعوم التي تستخدم في صيد الأسماك في أوشن بيتش باير بالإضافة إلى إدارة ثلاثة أنشطة أعمال مشروعة أخرى،

وعندما لا يكون مشغولاً بشيء آخر فإنه ينطلق بقاربه في الماء ليصارع الأمواج. وهكذا فإنه بصورة إجمالية يعيش حياة لا تعتبر سيئة بحال بالنسبة لأحد قدامى المحاربين في فيتنام والذي يمضي موغلا في عامه الثاني والستين، وسط حياة هادئة في معظم الأوقات.

هذه الحياة الهادئة التي يحياها فرانكي يتوجها حبه الشديد لابنته، والمحبة التي يحظى بها من الكثيرين في الحي الذي يقيم به. غير أن حياة فرانكي لا تظل على هدوئها، وإنما هي تعود إلى التوتر على غير انتظار، ويخيم عليها من جديد رعب الأيام الخوالي.

هذه العودة إلى الماضي تأتي على جسر من كون فرانكي قاتلاً مأجوراً، وعلى وجه التحديد من كونه قاتلاً مأجوراً متقاعداً، وهو إذا كان قد تخلى عن كونه العضو الأكثر إثارة للفزع في مافيا الساحل الغربي وعن لقبه فرانكي ماشين وودع علاقاته مع المافيا باعتبارها شيئاً ينتمي إلى الماضي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذه الصفحة قد قلبت إلى الأبد.

من دون توقع يطالب أحد القادة المحليين للمافيا فرانكي بجميل قديم لا يزال رده معلقاً، وهو الرد الذي لا يملك فرانكي له رفضاً، وسرعان ما يجد نفسه وقد تم استدراجه إلى تيارات الماضي الغادرة، ويكتشف أن شخصاً ما من رحاب الماضي يرغب في تصفيته والقضاء عليه، وهكذا فإنه يضرب أخماساً في أسداس في غمار محاولته تخمين هوية هذا الشخص والسر في حرصه على قتله.

هذا التخمين مهمة ينبغي القيام بها بأسرع ما يمكن، والمشكلة الحقيقية التي تواجه فرانكي هي أن قائمة المرشحين لأن يكونوا هذا الشخص الذي يرغب في تصفية فرانكي هي قائمة طويلة وممتدة حتى لتكاد تحاكي دليل الهاتف المحلي. وسرعان ما يبدأ الوقت المتاح له في النفاد.

وتبدأ الأمور في التداعي والتردي بصورة حقيقية مع اكتشاف فرانكي لسلسلة من الحقائق المروعة التي غابت عنه طويلاً.

وتصل هذه الاكتشافات إلى قمتها عندما يدرك أن رد الجميل الذي طولب به من أحد القادة المحليين للمافيا في سان دييغو في اطار نزاع مع مافيا ديترويت والذي اقتضى عقد اجتماع لقادة الطرفين ليس إلا بداية الخيط في مؤامرة معقدة لتصفيته.

هكذا يبادر فرانكي إلى استخدام مهاراته التي كفلت له البقاء على قيد الحياة حتى عامه الثاني والستين وخبراته في صراعات الشوارع الدموية للإفلات من شبكة الموت التي ألقيت لاصطياده.

نحن هنا بازاء بطل ظل يناضل بضراوة من أجل النجاة من مكيدة تستهدف تصفية حسابات قديمة تحتم القضاء عليه بإحدى الطرق التي كان هو نفسه يستخدمها في الماضي للقضاء على خصومه. كل ذلك في إطار عمل حافل بالحركة والإثارة والقدرة على استقطاب اهتمام القارئ حتى الكلمة الأخيرة في الصفحة الأخيرة.

وقد كان من الطبيعي أن يثير عمل على هذا القدر من الأهمية في إطار هذه النوعية من الروايات سلسلة مدوية من ردود الأفعال من جانب النقاد والمؤلفين المهتمين بروايات الحركة والإثارة والجريمة.

في مستهل ردود الأفعال هذه على رواية «شتاء فرانكي ماشين»، يقول تي. جيفرسون باركز مؤلف رواية «الساقطون» في معرض ابداء رأيه في هذه الرواية في مقابلة صحافية أجريت معه:

«علينا أن نلتقي فرانكي ماشين عاشق النساء، القاتل المأجور، وضاغط الزناد المتردد لمافيا سان دييغو، وإحدى أكثر الشخصيات التي صادفتها مؤخراً إثارة للبهجة. وهذه الرواية عمل ثقيل العيار، مشحون، وخاطف السرعة في توالي أحداثه، فعليك بقراءتها والشعور بالتوتر الشديد ثم الابتسام».

ويقول دان فيسبارمان مؤلف رواية «أسير غوانتانامو» عن هذه الرواية وبطلها: «إنها رواية حافلة برجال المافيا وبالحيل ومكتوبة بنثر راق وتنطلق بقوة وحزم نحو نهايتها. إن هذا الكتاب يتصاعد منه الدخان».

وبدوره يقول روبرت فيرينغو مؤلف رواية «صلوات من أجل قاتل» في معرض التعقيب على الرواية: «ياله من عمل رائع وجذاب! إن شخصية فرانكي ماشين التي تجمع بين القوة واللماحية والصادقة تقفز أمامنا من قلب الصفحة، جامعة بين الكفاءة في اعداد صلصة المعكرونة والتعامل مع الفوضى المرعبة. إننا جميعاً ينبغي أن نكون بين مثل هذه الأيدي البارعة».

ويعبر إس. جي. روزان مؤلف رواية «أصدقاء غائبون» عن الرؤية ذاتها للرواية فيقول: «إن رواية (شتاء فرانكي ماشين) هي العمل الأكثر بروزاً الذي أنجزه دون ونسلو. وهذا العمل الذي يجمع بين الذكاء والسرعة والطرافة، واللمسة المدهشة هو كتاب نادر تقرأه بمزيد من البطء مع انطلاقك فيه لانك تقضي وقتاً ممتعاً للغاية بحيث أنك لا ترغب في أن ينتهي».

ويقول الناقد لي تشايلد: «ما من أحد في الدنيا يكتب هذه النوعية من الروايات أفضل من دون ونسلو.. وما يقدمه لنا في هذه الرواية هو عمل تحول إلى رواية كلاسيكية فور صدوره».

وبدوره يقول كين بروين مؤلف رواية «مصرع السباكين» إن: «شتاء فرانكي ماشين هي بمثابة الحكم المطلق على المافيا، وهي رواية وحشية وذات نزعة شعرية تفتن القارئ وحافلة بالتمكن من ناصية الابداع الروائي، وفي غمار قيامي بقراءتها التهمتها التهاماً».

ويقول الروائي والناقد جيمس إلروي: «نحن بإزاء رواية جديدة محتدمة من عملاق بارز في كتابة رواية الإثارة، وهو يقدم لنا هنا على نحو يفوق ما اعتدنا منه عملاً رائعاً ومتميزا في رسم الشخصيات وفي الاثارة المحتدمة».

وتشير مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة في عروض الكتب إلى أن دون ونسلو يلفت نظرنا في أحدث رواياته بالرسم البارع لملامح شخصياته وبالمشاهد الحافلة بالمفاجآت التي تجعلنا نتلهف دوماً إلى الانطلاق إلى الصفحة التالية في الرواية وصولاً إلى النهاية.

* الكتاب: شتاء فرانكي ماشين

تأملات في الصباح

«كوني ذاتي هو أمر يتضمن الكثير من العمل. هذا هو ما يفكر فيه فرانك ماشين عندما يدق جرس المنبه في الساعة الثالثة والدقيقة الخامسة والأربعين فجراً، ويبادر إلى التدحرج خارجاً من الفراش، ويتحسس خشب الأرضية بقدميه.

إنه على حق، فكونه ذاته يتضمن الكثير من العمل.

يمضي فرانكي عبر الأرضية الخشبية التي قام بتثبيتها وتلميعها بنفسه. ويصل إلى الحمام. ولا يستغرق أخذ حمام إلا دقيقة واحدة، وهذا هو السبب في أنه يبقى شعره الفضي قصيراً.

(لكي لا يستغرق غسله وقتاً طويلاً... هذا هو ما يقوله لدونا، عندما تشكو له من قصر شعره).

يستغرق منه تجفيف نفسه ثلاثين ثانية ثم يلف المنشفة حول خصره، ويتبقى منها هذه الأيام أكثر مما يجب، ويحلق ذقنه، ويغسل أسنانه بالفرشاة، ويمضي به طريقه إلى المطبخ عبر غرفة معيشته، حيث يلتقط جهاز التحكم في التلفزيون، ويضغط على زر. من الأمور الجميلة فيما يتعلق بالإقامة وحيداً، وربما الأمر الوحيد الجميل في ذلك، هكذا يحدث فرانكي نفسه، أنك يمكنك أن تدع صوت الأوبرا ينطلق في الرابعة فجراً من دون أن تثير انزعاج أحد.

مقتطف من رواية شتاء فرانكي ماشين

* الناشر: الفريد نوف ـ نيويورك 2006

* الصفحات: 320 صفحة من القطع المتوسط

The Winter of Frankie Machine

Don winslow

A.Knopf-N.Y. 2006

P.320