يتتبع الباحث الجزائري الدكتور فرحات جمال المتخصص في الحضارة الأميركية في كتابه (السياسة الأميركية في الجزائر، نشأتها ـ تطورها ـ وآثارها )، مسار العلاقات الأميركية الجزائرية منذ أن قامت على يد الرئيس فرانكلين روزفلت في سنة 1940، إلى غاية استقلال الجزائر في سنة 1962.

وقع اختيار الباحث على هذه الفترة بالذات لأهميتها بالنسبة للشعب الجزائري كونه أنخرط في أتون الحرب العالمية الثانية إلى جانب المستعمر الفرنسي، وساهم بجانب العديد من شعوب العالم التي كانت تعيش تحت هيمنة الاستعمار في تحرير فرنسا من القبضة الحديدية للنازية مقابل وعود بالحرية، لكن ذلك لم يتحقق فكانت انتفاضة 8 ماي 1945 والتي سقط فيها العديد من الجزائريين، حيث مهدت فيما بعد لثورة التحرير الكبرى، إلى جانب أنها (أي الفترة وتداعياتها على العالم) كانت بمثابة المحرك الحقيقي للتعريف بقضية الجزائر في المحافل الدولية.

وفي سياق تحليله لأوجه الشبه بين الجزائر وأميركا يقول الباحث إن هذه الأخيرة كانت مستعمرة بريطانية لأكثر من نصف قرن، ولم تحصل على استقلالها إلا في سنة 1776، ثم خاضت حربا تحريرية لمدة سبع سنوات، وبالمثل عانت الجزائر من الاحتلال الفرنسي قرابة قرن و نصف من الزمن، ونالت الحرية بعد سبع سنوات من الحرب، و هذا الشبه يقول الباحث يثير سؤالاً حول مدى تقاطع التجربتين خاصة عندما بدأ الشعب الجزائري في السير نحو استقلاله الوطني.

من هنا تكمن قوة الولايات المتحدة الأميركية في بروزها ليس كقوة عظمى فقط، بل في بروز قادة أميركيين مؤمنين بمبدأ حقوق الشعوب في تقرير مصيرها كما جاء في إعلان الرئيس ويلسون في سنة 1919 ومن تبعه من الرؤساء مرورا بميثاق الأطلسي وانتهاء بمبادئ الأمم المتحدة في الأربعينات.

ضمن هذا الإطار التاريخي درس الباحث التفاعل بين الولايات المتحدة الأميركية والحركة الوطنية حول مطلب الشعب الجزائري في نيل الاستقلال، بخاصة من ناحية التغيرات المستمرة في الأوضاع الدولية وانعكاساتها على الحكومات الأميركية نفسها، حيث بيّن أن سياسات هذه الأخيرة تجاه الجزائر كانت دوما عرضة لمزاج اضطرابات العلاقات الدولية وقتها.

فواقع الحرب العالمية التي باغتت روزفلت ما بين سنوات 1940 ـ 1945 غير واقع الحرب الباردة التي عايشها هاري ترومان سنوات 1945- 1952، كما أن جو الخمسينات والأزمات التي ميزت رئاسة دوايت إيزنهاور لم يكن هو في «عهد التحرر» الذي تزامن مع عهد كيندي في الفترة مابين 1960- 1963 .

ويعترف الباحث أن ضخامة مجال السياسة الأميركية في تعاملها مع الحركة الوطنية الجزائرية حتم عليه التعمق أكثر في الموقف الرسمي للإدارة الأميركية من خلال تسليط الضوء على دور الوزارات الحساسة لاسيما الخارجية و البنتاغون.

و تناول بالتحديد رؤساء المكاتب التنفيذية أو من ذوي النفوذ فيها بالنظر لحجم التأثير في صناعة القرار وتوجيه سياسات الحكومات دون أن يهمل دور المؤسسات الأخرى من مجلس النواب ومجلس الشيوخ كمراكز أخرى لا تقل أهمية في اتخاذ القرارات الحاسمة عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية الأميركية العليا.

تكونت السياسة الأميركية ـ كما يوضح الباحث ـ، في شموليتها في أربعة أطوار مختلفة ولكنها تتقاسم نفس الأهداف تقريبا، هناك مرحلة الحرب العالمية الثانية، وعهدة ترومان الرئاسية، إدارة أيزنهاور، ثم إدارة كيندي.

يقابل هذه المراحل من الجانب الجزائري خمس مراحل هي: مرحلة الحجر والإقصاء للحركة الوطنية 1939- 1943، فترة أحباب البيان والحرية 1943-1945، مرحلة الانتشار والتعبئة لأحزاب ما بعد الحرب 1946- 1950مرحلة التقييم والتغيير 1951-1954، وأخيرا مرحلة الحرب التحريرية 1954-1962.

هذا التقسيم برره الباحث بخطورة تلك الفترة حيث كان العالم كله يغلي بالحرب والحرب المضادة في كافة الميادين، وبدا اهتمام أميركا بالجزائر يتضح أكثر وأكثر مع ظهور أطماعها في التوسع بعدما انتهت الحرب العالمية الثانية حيث سيطرت على شبكة قواعد عسكرية ومنشآت استراتيجية مهمة في كامل شمال إفريقيا، وحصلت أميركا على 25 مطارا في المنطقة منها 3 أساسية في الجزائر، وأنشأت قناة إذاعية في الجزائر العاصمة بغرض الدعاية لمبادئها.

ويورد الباحث تقريرا يبين الأهداف المرجوة من هذه الاستثمارات كتبه عضوان في لجنة موفدة من مجلس الشيوخ الأميركي، يقولان فيه: «يمكن الاستفادة تجاريا من هذه المصالح، ليس فقط بأن نقوم بالصيانة أو بيعها، بل نقرر سياسة خارجية في هذا الباب».

لكن هذا الاهتمام رغم ما فيه من محاسن إلا أنه أبان عن الوجه الآخر لأميركا، فمع الوقت أنكشف زيف الإدعاءات الأميركية القائلة بمساندتها لمبادئ الحرية والمساواة، فالحرب دفعت إلى تكوين تيارات مختلفة عبر العالم لمناهضة الاستعمار والإمبراطوريات القائمة، وعممت الطلبات على حكومات العالم منها أميركا وإيطاليا وبريطانيا للضغط على الحكومة الفرنسية،

لكن أميركا أبدت رفضا قاطعا لهذه المبادرات بسبب التحالفات التي أقامتها مع فرنسا وبريطانيا لمواجهة الاتحاد السوفييتي، ومن ثمة كان من الطبيعي «أن تغوي أميركا حليفتها فرنسا كيفما كان لتضمن ولاءها في مسعاها لمواجهة الخطر الشيوعي» يقول الباحث.

كان أسوأ موقف اتخذته الإدارة الأميركية إزاء الجزائر حينما وقفت دون أن تحرك ساكنا أمام مجزرة 8 ماي 1945 التي ارتكبتها فرنسا بحق الشعب الجزائري حين خرج في مظاهرات مطالبة بالإيفاء بوعود الاستقلال التي أطلقتها فرنسا غداة الحرب العالمية الثانية والتي قوبلت بالرفض والعنف مما أدى إلى سقوط الآلاف من الضحايا، بل إن السلاح الذي استعمل لقمع المتظاهرين كان سلاحا أميركيا.

ومما يلاحظ في مسار هذه العلاقة أنها تميزت ـ حسب الباحث ـ بعدم كفاءة الدبلوماسيين الأميركيين في تصحيح رؤية إدارتهم، بل كانت الكفة دوما تميل إلى الجانب الفرنسي على حساب القضية الجزائرية، بل إن الأدبيات السياسية تتحدث عن أن إيزنهاور لم يقاطع حتى نظام بيتان الفاشي الذي حكم فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية رغم عمالتهم للنازية ووقوفهم ضد قوات الحلفاء.

لقد ظل النموذج السياسي الأميركي تجاه الجزائر يتشكل باتجاه واحد وهو توسيع المصالح الأميركية حتى و لو كان ذلك يتعارض مع المبادئ الإنسانية التي كانت أميركا تنادي بها وبرأي الباحث فإن ذلك مرده للصدامات التي واجهتها الإدارة الأميركية..

محاصرة المنافس الإيديولوجي الراهن، النازية في البداية، الشيوعية لاحقا، والحركات الثورية فيما بعد، وظل أيضا الهدف واحدا ابتداء من عهدة ترومان وهو في الاحتفاظ بمصالح الناتو في الجزائر من أجل الأمن القومي الأميركي، ولم يدم هذا الأمر طويلا ـ يقول الباحث ـ إذ سرعان ما بدأت ملامح التغيير تلوح في الأفق، وتزامن ذلك مع مرحلة الرئيس كيندي 1961 ـ1962، حدث ذلك إثر تفاعل الثورة الجزائرية مع سياسة ديغول الداعية للسلام مع الثوار الجزائريين.

وكان الظرف ملائما لإحداث ثورة في التوجهات السياسية للخارجية الأميركية، فقد كان كيندي أكثرعقلانية مقارنة بسابقيه من الرؤساء، إذ فتح مجال التقارب مع الحكومة الجزائرية المؤقتة، وساند قضية حل المشكلة الجزائرية في تقرير مصيرها وإن لم يصل هذا التأييد إلى درجة منحهم الاستقلال، بل كان منحازا إلى الحل الفيدرالي الجهوي أو الحكم الذاتي في إطار الجمهورية الفرنسية بسبب حلف الناتو وهدف الحفاظ على المصالح الأميركية في الجزائر.

أما من الجانب الجزائري فيرى الباحث أن علاقتهم بأميركا اعتمدت بالأساس على سياسة براغماتية قبل وبعد الاستقلال، فالجزائر المستقلة وافقت على إقامة علاقة دبلوماسية مع واشنطن رغم ما اقترفته بحق الجزائريين، وفتحت اقتصادها للشركات البترولية الأميركية دون تمييز، وهناك إشارات قوية للتعاون اللا محدود في مجالات الأمن والاستخبارات خاصة مع النتائج التي أفرزتها أحداث 11 سبتمبر.

وفي خلاصة الدراسة التي توزعت على 8 فصول بدءا من سنة 1830 تاريخ استعمار فرنسا للجزائر، إلى مبحث خاص بدخول أميركا على خط العلاقة مع الجزائر، وانتهاء بالدور المحوري الذي لعبه الرئيس كيندي في تعزيز هذه العلاقات.

شدد الباحث فرحات جمال على أن تشريح هذه التجربة التاريخية التي جمعت البلدين ستساعد في فهم حقيقة الرهانات الدبلوماسية بينهما، وسيفتح المجال على أبواب جديدة للتخاطب بين الشعبين والتعلم من أخطاء الماضي لبناء علاقات ثنائية متميزة خدمة للسلام العالمي.

للتذكير فإن الباحث فرحات جمال سليل واحد من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الشيخ العربي التبسي، خريج قسم اللغات الأجنبية بالجزائر، وحاصل على شهادة دكتوراه الدولة في الحضارة الأميركية من بريطانيا، وهو معروف في العديد من جامعات الدول العربية، متخصص في الحضارة والأدب والتربية الأميركية، يدرّس حاليا بالمملكة العربية السعودية.

أبوبكر زمال

* الكتاب: السياسة الأميركية في الجزائر نشأتها، تطورها، وآثارها

* الناشر: دار الريحانة للكتاب الجزائر2006

* الصفحات: 300 صفحة من القطع الكبير