مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والمؤرخ الإسلامي الدكتور عماد الدين خليل، وقد أصدر من قبل أكثر من 17 كتاباً في مجال الدراسات الإسلامية فضلاً عن العديد من البحوث الإسلامية. ونذكر من بين كتبه «ابن خلدون إسلامياً» «المنظور التاريخي في فكر سيد قطب»، «المستشرقون والسيرة النبوية».
مصطفى عبد الرازق في هذا الكتاب الجديد يواصل المؤلف بحوثه في مجال التاريخ الإسلامي محاولاً تقديم رؤية منهجية جديدة في طريقة تناول هذا التاريخ، انطلاقاً من أن الدراسة التاريخية، حسبما يشير المؤلف،
تغدو ضرورة من الضرورات لأن العقيدة لا تتحرك في الفراغ ولا بد لها من فضاء تتشكل فيه وتعبر عن قدرتها على التحقق، حيث يصير التاريخ المرآة التي تعكس الحالة الإسلامية بدرجة أو بأخرى على صفحة العالم.
وينطلق المؤلف من فكرة محاولة تقديم قراءة متأنية للتاريخ إلى ما وراء الوقائع والأحداث بحثاً عن الجوهر والمغزى. ويذكر في معرض تأكيده على أهمية رؤيته إلى حاجتنا للتعامل مع التاريخ على النحو الذي يمكن من اكتشاف رصيده الباقي القادر على الحضور في قلب العصر وفي المستقبل من أجل إعادة صياغته بما يجعله أقرب إلى مطامح الإنسان وهمومه من خلال التصور المحكم الذي جاء به هذا الدين.
ووفقاً للدكتور عماد الدين خليل فإن التاريخ ليس كما قد يخيل للبعض، مجرد حروب أو معاهدات أو سلالات حاكمة تسقط وأخرى تقوم، بل إنه قبل هذا وبعده خبرة حضارية ومشروع للتعامل مع الإنسان، وفرصة لاختبار قدرة العقائد والأديان على التحقق في الزمن والمكان وعلى تأكيد واقعيتها ومصداقيتها.
ويؤكد المؤلف على أنه ليس من الضروري الوقوف عند سائر التفصيلات والجزئيات التي تعج بها مصادرنا القديمة وبخاصة فيما يتعلق بالجوانب السياسية والعسكرية من تاريخنا، وضرورة تجاوز الجزئيات إلى الكليات والوقائع الصغيرة إلى الدلالات الخطيرة، وعدم الوقوف عند حدود النص أو الواقعة بل تعديها إلى معناها العميق ودلالاتها الموحية.
وعلى أساس هذه الرؤية يطرح المؤلف ما يسميه هندسة جديدة لوقائع التاريخ، ربما تكون، حسبما يذهب، أكثر قدرة على لم شتاته واضاءاتها والكشف عن مغزاها من خلال إحالة وقائعه وأحداثه وتفاصيله على نسقها النوعي في مجرى الحركة التاريخية لتبين طبيعة النسيج الذي صارت إليه بعد طول ذهاب وإياب لنول الزمن على الخيوط التي كانت تغذيه.
وتقوم هذه الهندسة المنهجية على معالجة أركان أو مساحات أساسية أربع في التاريخ الإسلامي، هي: الدولة والسلطة والقيادة، الدعوة والانتشار والتعامل مع الآخر، التحديات والهجمات المضادة والعلاقات الدولية، الحياة الاجتماعية.
ويؤكد المؤلف على أن أي باحث بمقدوره وفقاً لهذا التقسيم أن يحيل هذه الواقعة أو تلك، وذلك الحدث أو ذاك، مهما كبر أو دق، إلى واحدة من هذه المساحات، فكل التفاصيل والجزئيات التي يعج بها مجرى التاريخ الإسلامي يمكن فرزها وتمحيصها من أجل وضعها هنا أو هناك عبر المساحات أو الظواهر الأربع الأساسية.
أما أسس تحقق هذه الرؤية فتتمثل في ضرورة البدء من اعتماد التمحيص والتدقيق منتقداً في ذلك مثلاً من يعتمدون على الإشارة إلى مرجع مثل تاريخ الطبري والاكتفاء بذلك، حيث أن ما ورد في ذلك التاريخ ذاته قد يحتاج إلى قدر من التدقيق، وهو ما أوضحه الطبري نفسه بالإشارة إلى أن قارئه قد يستنكر بعض ما ورد فيه من أخبار الماضين.
وعلى ذلك نجد الدكتور عماد الدين خليل يؤكد على الالتزام بأسلوب نقدي رصين في التعامل مع الروايات التي قدمتها مصادرنا القديمة وعدم التسليم المطلق بكل ما يطرحه مؤرخونا القدماء.
غير أن ذلك لا يعني بالضرورة وفقاً للمؤلف البدء من نقطة الصفر أو الرفض المطلق للصيغ التي قدمه بها مؤرخونا القدماء ومحاولة قلب معطياتهم رأساً على عقب،
وإنما المقصود منهج عدل يتعامل مع معطيات الأجداد بروح علمية مخلصة فيتقبل ما يمكن تقبله ويرفض ما لا يحتمل القبول. وهنا يحدد المؤلف مؤشرات عمل في اتجاهات نقدية ثلاثة أولها نقد الرواية الأساسية لدى المؤرخ القديم وتصنيف الروايات حسب قوتها وضعفها،
ونقد مواقف المؤرخين المحدثين وفلاسفة التاريخ الذين تعاملوا مع تاريخنا ودرسوا جوانب منه وتحديد مدى قرب معطياتهم أو بعدها عن الحقيقة التاريخية، إلى جانب نقد معطيات الحركة الاستشراقية بأجنحتها كافة وتحديد المساحات التي يمكن الإفادة الفاعلة منها وتلك التي يجب تجنبها مع تبيان أبعادها اللا موضوعية.
ويدعو المؤلف على هذا الأساس إلى الأخذ في الاعتبار أن معطيات المستشرقين ليست شراً كلها، كما أنها ليست خيراً كلها. وحسبه فإنه ثمة فرق بين مستشرق وآخر فإذا قارنا «مونتغمري وات» بـ «لامانس» مثال أو حتى بـ «فلهاوزن» وجدنا هوة واسعة تفصل بين الرجلين يقترب أولهما ويقترب حتى ليبدو أشد إخلاصاً لمقولات التاريخ الإسلامي من أبناء المسلمين أنفسهم ويبعد ثانيهما ويبعد حتى ليبدو شتاماً لعاناً وليس باحثاً جاداً يستحق الاحترام.
ومع ذلك فهو حسبما يشير المؤلف فرق في الدرجة وليس النوع فها هو ذا كتاب «محمد في مكة» لأكثر المستشرقين المعاصرين حيادية كما أكد هو نفسه في مقدمته وكما قيل عنه لا يخلو من بعض جوانب الخلل في منهج العمل في حقل السيرة النبوية: نزعة نقدية مبالغ فيها تصل حداً لنفي الكيفي وإثارة الشك حتى في بعض المسلمات تقابلها نزعة افتراضية تثبت بصيغ الجزم والتأكيد ما هو مشكوك بوقوعه أصلاً.
وفي رصده لنقاط الارتكاز الأساسية للحضارة الإسلامية في تعاملها مع الإنسان والعالم يشير المؤلف إلى ظاهرة الفتوحات كحركة تحريرية رفعت شعار الانطلاق إلى العالم لإخراج الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعتها، وهى الحركة التي حملت قدرتها على الاستمرار لمدى قرون طويلة وتمكنت من التجذر في كل مكان وصلت إليه لكي تتفوق فيما عدا حالات استثنائية لا يقاس عليها.
وهناك ظاهرة التعامل مع الآخر التي تمثل الوجه الآخر لحركة الفتح وهي تمس إحدى القضايا الأكثر أهمية في اللحظة الراهنة فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد أو الموحد وإشكالية حقوق الإنسان، ويقف الدكتور عماد عند هذه القضية ويعقد بعض المقارنات.
وفي هذا يشير إلى أمر الرسول بإعادة ملفات أسفار العهد القديم لليهود في أعقاب فتح خيبر إثر وضع الفاتحين أيديهم عليها الأمر الذي يشير إليه بإعجاب باحث يهودي مصري في رسالة ماجستير له عن تاريخ العلاقات اليهودية الإسلامية في جزيرة العرب يؤكد من خلالها أن اليهود لا يزالون يشيرون بالبنان إلى سماحة نبي الإسلام وتفوقه على كل إغراءات التعصب
فيما لم تفعله النصرانية في تاريخها كله وهى تكتسح خصومها، هذا فيما أن محاكم التفتيش في الساحة الأندلسية أمرت بإحراق التراث الإسلامي فلم يتبق منه اليوم سوى ألفي مخطوط من بين ثمانمئة ألف سفر.
من جانب آخر يشير المؤلف إلى ملمح ثالث من ملامح التاريخ الإسلامي ممثلاً فيما يسميه بالأممية الإسلامية التي شهدها هذا التاريخ، حيث منحت كل الشعوب والجماعات التي انضوت تحت مظلة هذا الدين فرصتها في الحياة والتحقق والتعبير عن الذات. فلقد كان المجال مفتوحاً بمعنى الكلمة
حيث سمح حتى للعبيد والمماليك أن يواصلوا الصعود إلى فوق ويشكلوا دولاً، بل إن غير المسلمين أنفسهم منحوا حقهم المشروع في المجالين المدني والديني على السواء. ولقد انفتحت هذه الأممية على سائر صيغ التعددية العرقية والدينية والمذهبية واللونية والطبقية فلم تبن إزاء أي منها سداً أو تحول بينها وبين الصعود.
وفي سياق استعراضه للتاريخ الإسلامي وفيما يشير إلى محاولته تقديم نظرة جديدة لتناول هذا التاريخ يشير المؤلف إلى أن الفتوحات الإسلامية قطعت أشواطاً واسعة في عهد الخليفتين الأولين والسنين الأولى من عهد الخليفة الثالث
ثم ما لبثت أن توقفت فترة من الزمن لكي تعود فتستأنف قدرتها على الإنجاز في عهد معاوية. ويذكر إننا نرى أيضاً أن الأمويين لم يتقدموا في خلافة عبدالملك أو سليمان فيما عدا مجازفة القسطنطينية بينما فتحوا المشارق والمغارب في خلافة الوليد.
إن الدرس المستفاد هنا حسب المؤلف يتمثل في الوصول إلى القانون الذي يمكن من خلال التناول التاريخي أن يفسر لنا لماذا عبر هذا المدى الزمني القصير نسبياً تحققت ظاهرة الفتح مرتين وتوقفت مرتين؟ إن الجواب، إزاء الإنجازات التاريخية الكبرى، يكمن غالباً في وحدة الأمة ووحدة قيادتها وفي تجمع طاقاتها في مرحلة من مراحل التاريخ وقدرتها على صنع الإنجاز الكبير.
أما ما ذكرته حشود الروايات والأخبار التي تنوقلت ودونت بعد عشرات العقود من هذا التحقق التاريخي والتي تقدم معطياتها باتجاه مضاد التفتت والتطاحن والتمزق وصراع المصالح والفتن والأهواء فإنها لا يمكن أن تصمد أمام ثقل الوقائع التاريخية.
* الكتاب: مدخل إلى التاريخ الإسلامي
* الناشر: الدار العربية للعلوم،
المركز الثقافي العربي ـ بيروت 2005
* الصفحات: 271 صفحة من القطع الكبير
