تتصل مفردات الجمال ببعضها مشكّلة سلسلة لطيف من التجانس الهارموني بين المكان والإنسان وبين المنتج الثقافي والمستهلك الجمالي، وبين فهم المعرفة والاستيعاب الحضاري.
ولن يجد المرء صعوبة في التقاط مفردات الجمال عبر الشارع أو عبر حركة المجتمع، وكلما كانت مفردات الجمال حاضرة في الحياة، كلما تطورت الحياة باتجاه ذائقة إيجابية ترى الثقافة من بوابة واسعة، وترى التسامح والتقبل في جميع ما يتصل بالإنسان، باعتباره كائنا يتساوى تحت السماء في الحقوق والواجبات.
لقد أفردت المجتمعات المتقدمة قاموسا جماليا خاصا لجغرافيتها، وكادت أن تغلقه على نفسها بعد الثورة التجارية والتي حولت وسائل الإنتاج من عادية وبسيطة إلى نصف آلية، وخلال أربعمئة سنة كرست تلك الثورة نمطا للعيش صادق الجمال واعتز به، وصارت أوروبا على وجه التحديد ذات صيغة جمالية عبر مدارس فكرية ناصرت الفن بأصنافه واعتنت به عناية كبيرة، وتبارت مجتمعات تلك القارة في الخصوصية لتمنح كل منها العالم شيئا مميزا،
ولذلك عندما يتم الحديث عن الجمال في الفنون والنحت يتذكر المرء إيطاليا ومبدعيها في هذا الحقل. وعندما يجري الحديث عن الشعر يأتي الشعراء الفرنسيون في الطليعة، بينما تحظى ألمانيا بنصيب وافر من الشهرة في مجال الموسيقى، ولا تقل عنها روسيا في الرواية..
وتطول قائمة التميز في ميادين مختلفة، حتى يوقر في الذاكرة أن لكل أمة ملعبها الخاص الذي لا ينازعها فيه أحد، ومنها يمكن للمرء أن يلحظ تطابق الجمال كمفردات مع كل مجتمع، ويشمل ذلك شكل الأبنية وألبسة الناس وتخطيط الشوارع وصولا إلى الحدائق والمطاعم والدوائر العامة، حيث لكل طابعها الذي يعطيها بعدها الخاص.
و لربما يتساءل المرء عن قيمة المفردات الجمالية في عالم تتسارع فيه منتجات الثقافة الاستهلاكية: ما هو موقع الجمال الكلاسيكي في بحر متلاطم من السرعة. وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه بعيدا عن أمم معينة تفخر أنها كانت مدرسة فكرية صدرّت إلى العالم قيما وجدانية،
وعلى سبيل المثال لم تلغ مطاعم المكدونالد والهمبورغر الأميركية متعة وحيوية المطعم الفرنسي أو المقهى الإيطالي وتكاد أوروبا الموحدة اليوم أن تكون أقوى سدٍ في وجه العولمة الأميركية، ليس لأنها ذات ريادة فكرية طيلة أربعمئة سنة، ولكن لأنها صمدت أمام المد القادم من وراء الأطلسي صمودا كبيرا، واستطاعت بعراقتها أن تكون ذات خصوصية يلتقطها المرء منذ اللحظة الأولى حين يزورها وهو ما لا ينطبق على مواقع جغرافية كثيرة في العالم.
لقد خاضت أوروبا جملة حروب راح ضحيتها عشرات الملايين لتصل إلى ثقافة حمائية تعطيها القوة والمناعة من الذوبان أمام أي ثقافة استهلاكية سريعة ومعولمة.
hussain@albayan.ae