الرجل الذي كان يريد كل شيء

أرسطو أوناسيس

فرانسوا فوريستييه، صحافي وكاتب؛ له العديد من المؤلفات خاصة في ميدان السيرة من بينها: «هوارد هوغ: رجل الأسرار» و«شارع الفئران»، وهذه رواية بوليسية حازت على جائزة معرض الكتاب البوليسي عام 2005. وفي هذا الكتاب الجديد عن الملياردير أرسطو أوناسيس يقود المؤلف قارئه في عالم غريب وساحر، قاس وجارح؛ عالم كان «أوناسيس» هو الملك فيه.

اختار المؤلف لتصدير كتابه جملة قالها ذات يوم الملياردير اليوناني وشكّلت «البرنامج» الذي حدده لنفسه طيلة حياته. تقول هذه الجملة: «البعض يريدون كل شيء من شيء ما، لقد أراد الحصول على كل شيء من مال ونساء وسعادة... وقد حصل على كل ما أراد ابتداء من جزيرته -فردوسه- الخاصة إلى أرملة أشهر رجل في العالم في فترته أي جاكلين كندي، زوجة الرئيس الأميركي الراحل جون كندي.

لكن بمقدار ما كانت الحياة سخية معه، عرفت أيضا كيف تجعله يتذوق طعم المرارة والألم... فابنه الوحيد مات مقتولا بحادث طائرته وابنته الوحيدة عاشت سلسلة لا تنتهي من الانهيارات العصبية... وكان صديقه الوحيد والأخير في نهاية حياته هو كلب هائم.

أرسطو أوناسيس من مواليد عام 1903 أو 1902، أما على قبره فمكتوب أنه من مواليد 1900... وليس هذا الاختلاف حول سنة ميلاده سوى انعكاس لحياته التي لفّها الغموض في مراحل كثيرة منها، وخاصة حول ثروته لاسيما المليون الأول، حيث كان يردد دائما «لا تسألوني عن المليون الأول».

كان أوناسيس قد عاش سنوات طفولته ومراهقته في بلدة سميرت التركية التي نزح عنها عام 1922 عندما اجتاحتها موجة من العنف «الأهلي» ولم يعد لها سوى في عام 1959 بعدما كان قد أصبح مليونيرا شهيرا وكانت برفقته «ماريا كالاس» المغنية الشهيرة والمرأة التي أحبها طيلة حياته...

والتي ينقل عنها مؤلف هذا الكتاب في الصفحة الأخيرة أنها قالت عندما زارت جزيرة «سكوربيوس» التي كان أوناسيس قد اشتراها وعمّرها على طريقته ومات فيها، ما يلي: «كان كل منّا ـ هي وأوناسيس ـ هو كل شيء بالنسبة للآخر» وأضافت: «أثناء لحظة قصيرة من حياتنا، لحظة قصيرة فقط، لم نكن بحاجة إلى أي إنسان آخر».

وكان أوناسيس قد وجد مكانا له على ظهر سفينة متجهة إلى الأرجنتين ذات يوم من شهر أغسطس 1923. كان فتى يافعا، اشترى يومها بطاقة سفره ب75 دولارا أميركيا. وكانت مدينة نابولي هي محطته الأولى حيث وجد «ملجأ» لدى امرأة وابنتها وانتهى بهما الأمر إلى عدم تقاضي أي أجر عن المدّة التي أمضاها عندها.

وعندما تابع رحلته البحرية كان برفقة مهاجرين آخرين أغلبيتهم من الأرمن والأوكرانيين والأكراد الذين كانوا، مثله في أقصى درجات الفقر فجيوبهم كانت فارغة وكذلك «معداتهم». وقد حصل أوناسيس أثناء تلك الرحلة التي استمرّت 21 يوما على السماح له بالنوم في حجرة مكرّسة للجمال مقابل خمسة دولارات أعطاها للقبطان. وكان ذلك «امتيازا» كبيرا رغم روائح الدهون والقطران التي كانت تفوح من ذلك المكان.

عندما وصل أوناسيس إلى مدينة بيونس ايرس الأرجنتينية حمل أمتعته المتواضعة اقترب منه رجل وقال له: هل أنت يوناني؟ ثم أردف بعد أن سمع إجابته بـ «نعم»: «إن اسمي بيتساليس. كان تاجرا ينتظر الوافدين الجدد كي يستمع إلى أخبار البلاد. وأصبح الرجلان صديقين حتى النهاية رغم فارق العمر الكبير.

عرف أوناسيس ظروفا صعبة جدا في بداية إقامته في الأرجنتين ومارس العديد من الأعمال «الصغيرة» كان أولها عامل هاتف حيث كان يعمل طيلة الليل أحيانا وينام في النهار. وأثناء ممارسته تلك المهنة كان يسترق السمع إلى «محادثات مهمة» بين وسطاء تجاريين ومنهم أن الفارق في الزمن بين بيونس ونيويورك يعطي هامشا زمنيا لمدة ساعتين يستطيع الاستفادة منهما في الأسواق

وهكذا بدأ ب«المضاربة» في ميدان الجلود والزيوت. وهكذا اشترى بزة جديدة وأحذية وأصبح يعيش حياة «مزدوجة» كعامل مقسم بسيط في الليل و«وسيط تجاري» في النهار. كان يقول: «النوم يعني سرقة وقت من الحياة». لذلك لم يكن ينام آنذاك سوى ساعات قليلة، وكانت تلك عادة رافقته طيلة حياته.

وفجأة لمعت برأس أوناسيس فكرة التجارة بالتبغ التركي، الذي كان آنذاك من أفضل الأنواع في العالم، وكانت باريس آنذاك تدخن سجائر «النيل» المصرية. وهكذا قام أوناسيس بأول صفقة تجارية له عبر الأطلسي، واستطاع بعدها أن يعقد صفقة قيمتها عشرة آلاف دولار بحيث كانت عمولته هي 5% منها.

وبعد الصفقة الثانية ب000 50 دولار ترك عمله كعامل في مقسم الهاتف، بل واستخدم عاملين عنده. وانطلق بقوة في عالم بيع لفافات التبغ، مستفيدا من تسهيلات البنوك ومن أموال التأمين حيث كان يرش عن قصد الشحنات بالماء المالح كي يتقاضى تعويضا من شركات التأمين ثم يقوم ببيع التبغ من ذلك بعد تجفيفه.

وكان أوناسيس قد كتب على أول متجر للتبغ امتلكه عبارة: «مستورد التبغ الشرقي». وأخذت أعماله تتقدم «قفزا» بعد أن تنوعت ووصلت إلى عالم الأوبرا وعلب الليل. ولم يتردد أن يفتخر بأنه وهو في تلك السن من الشباب جمع المليون دولار الأول» الذي لم يتحدث أبدا بدقة عن مصدره الحقيقي.

ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أنه قد تاجر آنذاك بالتبغ والملح وبزيت الحوت وأشياء أخرى كثيرة، وأصبح أحد أكبر الأثرياء واشترى «بيانو» فاخر، أحبّ شكله، لكنه لم يكن يعزف عليه بالطبع، ثم اشترى يختا «كريستينا»، وناقلات للنفط. باختصار: «أصبح الديكور جاهزا من أجل مسرحية حياته».

اتجه أوناسيس بنشاطه التجاري نحو عالم النقل البحري، إذ كان على قناعة أنه «توجد أموال كثيرة» في هذا العالم لاسيما وأن «كل شيء قابل للبيع» وبالتالي ل«النقل». وعندما كانت أزمة 1929 الاقتصادية الشهيرة قد بدأت ترتسم معالمها في الغرب وعلى الصعيد العالمي جرى تعيين «أوناسيس» نائبا لقنصل اليونان في الأرجنتين، أي حصل على مكانة تجعله «لا يدفع الضرائب ومشمول بالحصانة الدبلوماسية ويستطيع الحصول على العملات الصعبة المطلوبة».

هكذا شهدت الأرجنتين ألف سفينة يونانية كل عام، أي ما مثّل كميات هائلة من البضائع ولكن أيضا من الأموال. لقد كان أوناسيس في المكان المناسب وفي اللحظة المناسبة.

وفي عام 1932 عرضت الشركة الوطنية الكندية للنقل البحري عشرة مراكب حمولة كل منها 10 أطنان للبيع بدلا من إرسالها إلى «المقبرة» حيث كان سيتم تكسيرها إلى خردة. وكانت تعود فترة صناعتها إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى؛ عرض أوناسيس 000 20 دولار لكل منها.

تخلّى الكنديون عن اثنين ثم أربعة ثم ستة... ثم العشرة. وكانت سياسته هي «عدم العمل أبدا بواسطة أمواله الخاصة»، لذلك حاول الحصول على مساعدة أصحاب الأساطيل التجارية اليونانيين المقيمين في لندن. وقد أعطى لأول سفينتي شحن في أسطوله اسم أبيه «أوناسيس سقراط» وأمه «أوناسيس بينلوبي».

ويصف مؤلف هذا الكتاب أرسطو أوناسيس بأنه كان يؤمن ب«الخرافات»، وهكذا وظّف ذات يوم سكرتيرة عنده لحظة مقابلتها له، وعندما سألته بعد سنوات عن سبب توظيفها بتلك السرعة قال لها أن السبب لا يعود ل«فعاليتها» كما تصورت أو ل«جمالها» حيث أجابها عندما أشارت إلى ذلك: «أنت، لست جميلة. الأمر بسيط، وهو أن سعر الدراخما ـ العملة اليونانية ـ قد ارتفع كثيرا ذلك اليوم ولذلك كان وجهك فأل حظ جيد لي، فاحتفظت بك».

ويكرّس مؤلف هذا الكتاب فصلا لعلاقة أوناسيس مع المملكة العربية السعودية بعد توقيع اتفاق 20 يناير 1954 القاضي بأن ينقل كل عام 40 مليون طن من النفط السعودي إلى الخارج. وهكذا «وضع أوناسيس نفسه كمحتكر شبه كامل» في ذلك الميدان.

وكان المشروع قد شهد ولادته في مدينة «كان» الفرنسية عندما اقترب منه أحد معارفه ـ سبيريدون كاتابوديس ـ وأخبره أنه كان قد وقّع على عقد لتقديم ناقلات نفط للعراقيين من أجل تصدير نفطهم، لكن الاستخبارات المركزية الأميركية عارضت ذلك».

تحرك أوناسيس ب«سرعة وسرّية»، وقد ساعده في ذلك شخص ألماني يدعى «جالمار شاشت» الذي كان وزيرا للمالية في ألمانيا عام 1934 وأصبح بعد الحرب مستشارا لدى الملك فاروق كما عمل مع السوريين.

وكان ذلك الاتفاق قد أثار ردود فعل كثيرة وصلت إلى وكالة الاستخبارات الأميركية وحيث وصل الأمر بريتشارد نيكسون نائب الرئيس الأميركي آنذاك إلى القول للمسؤول عن الملف: ـ «إذا كان عليكم قتل ذلك الوغد ـ أوناسيس ـ فلا تفعلوا ذلك على التراب الأميركي، هذا كل ما أطلبه منكم».

وبالطبع تحظى النساء بمكانة هامة في سيرة حياة أوناسيس. ويؤكد المؤلف أن اثنتين كان لهما دور مركزي في حياته، وفي صنع أسطورته أيضا، هما ماريا كالاس التي أحبها حتى موته وجاكلين كندي التي جعلته يدفع الكثير الكثير من ثروته.

أما باقي علاقاته التي تشكل قائمة طويلة جدا فقد تعامل معها، كما تعامل مع صفقاته، في محيط غارق بالحقد والثروة والشهرة. كانت «أوديسة» هوميروس هي كتاب أوناسيس المفضل، ومثل أحد أبطالها مات ذات يوم من شهر مارس 1975 مات أوناسيس في جزيرته الصغيرة وسط البحر وهو يمسك بيده «الوشاح الأحمر» الذي كانت قد أهدته له ذات يوم ماريا كالاس.

* الكتاب: أرسطو أوناسيس

الرجل الذي كان يريد كل شيء

* الناشر: ميشيل لافون - باريس 2006

* الصفحات : 342 صفحة من القطع المتوسط

Aristote Onassis

François Forestier

Michel Lafon-Paris 2006

p.342

طباعة Email
تعليقات

تعليقات