يتصدى هذا الكتاب والذي قام على تحريره ستة من النشطاء في البحث الأكاديمي والعمل السياسي لأحد القضايا المهمة في إطار الصراع العربي مع إسرائيل وهى الجوانب المتعلقة بنشأة الصهيونية وطبيعة ارتباطها بالإمبريالية،
وكذا جوانب ارتباطها بظاهرة النازية، وهو يجيء في إطار رد فعل عربي على القانون الأميركي الذي صدر في نهاية عام 2004 وحمل اسم قانون لتعقب معاداة السامية. وتضع مادة الكتاب القانون في سياق الإستراتيجية العامة للهيمنة باعتبار أنه يأتي ليعكس أحد أهم ثوابت الإستراتيجية الأميركية في التحيز للصهيونية وكيانها بما يضمن أمن إسرائيل وتفوقها العسكري على الدول العربية مجتمعة.
ويحاول الكتاب، حسبما يشير الدكتور عبد الوهاب المسيري في تقديمه له تقديم رؤية بانورامية تحليلية حيث قام كل مشارك في الإعداد بتحليل أحد جوانب هذه البانوراما بشكل مفصل ونقدي، في ذات الوقت، يبين مدى إدراكهم للمصطلحات والمفاهيم الكامنة وراءها.
وفي دراسة حول تاريخ اليهود يشير الباحث أحمد عاطف إلى أنه يستحيل التعامل مع تاريخ اليهود أو التاريخ اليهودي اذ ارتبط تاريخ كل جماعة يهودية بتاريخ المجتمع الذي عاشوا بين ظهرانيه. وحسبه فأعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا صانعي قرارات في عصور التاريخ المختلفة والأحداث الكبرى التي وقعت لهم تكمن جذورها وأسبابها في مجتمع الأغلبية.
وعلى هذا يشير إلى أن افتراض استقلالية التاريخ اليهودي يجعل الاحداث الكبرى التي قررت مصير تلك الجماعات كظهور الدولة الآشورية أو ظهور الإمبريالية الغربية تقع في نطاق هذا التاريخ وتصبح هذه الاحداث رغم أهميتها أحداثا هامشية.
ثم يتطرق الكتاب إلى قضية السامية ومعاداتها بين الحقيقة والتسخير فيتساءل أحمد زكريا محمد فرج عما اذا كان خطر ببال سام بن نوح أنه سيأتي يوم يساء فيه استخدام اسمه على النحو الذي اقترفته الصهيونية.
ويشير إلى أنه في سبيل تحقيقها لمشروعها الاستعماري حشدت المؤسسات الصهيونية العديد من المرتكزات النظرية وعمدت إلى ترسيخها كعقائد ومسلمات وأسس وبصورة تبدو وكأنها لا تقبل الشك على المستويات السياسية والدينية والحقوقية وثبتتها في عقول وأذهان التجمعات اليهودية في مختلفة بلدان العالم وغيرها من التجمعات الجماهيرية ونخبها السياسية.
وهنا يستعرض الباحث جذور مصطلح سامية. والمفارقة التي يشير اليها الباحث ان كل الشعوب السامية قد ذابت عبر التاريخ وتحللت ملامحها المميزة والفارقة لسماتها باستثناء العرب، فهم أكثر الجماعات الاسمية قربا مما يمكن تسميته في الخطاب الحضاري «السامي الأصلي»، كما ان اللغة العربية أقرب اللغات الحية إلى الجذور اللغوية السامية الأصلية.
غير أن مصطلح السامية تم تحوير استخدامه على النحو القائم حاليا مع انبعاث الأفكار الأولى للحركة الصهيونية فبدأ توظيفه سياسيا لخدمة تلك الحركة ومنذ اللحظات الأولى لنشأتها. ويشير المؤلف إلى أن الصحافي الألماني اليهودي الأصل ولهلم مار (1818 - 1904) أول من استخدم هذا المصطلح حيث حلت في كتاب له كلمتا سامي وسامية محل يهودي ويهودية.
فلم يكن للمصطلح أية انعكاسات أو تداعيات سياسية إلا أنه إزاء ما واجهت به المجتمعات الأوروبية التجمعات اليهودية فيها خاصة في القرون الثلاثة الماضية بموجات متعددة من العداء والاضطهاد وصلت في الكثير منها إلى مستوى المجاز وحمامات الدم، ومن هنا ظهر مصطلح العداء للسامية.
وفي إطار استعراض تطور المفهوم يشير إلى حادثة دريفوس والتي تركت بصماتها في نفس تيودور هرتزل حيث أدت إلى اختمار فكرة الدولة في عقله على الرغم من عدم اعتناقه اليهودية بشكل عقائدي وجهله التام باللغة العبرية.
ومنذ هذه الحادثة اتخذت الحركة الصهونية من شعار عداء الأغيار الأبدي ضد السامية شعار ومرتكزا لها ولم تترك فرصة إلا واستغلتها بل إنها عمدت أحيانا إلى اختلاق تلك الفرص لتأكيد هذا المفهوم، وهنا يقدم الكتاب بعض الأمثلة على ذلك.
ثم يتطرق الكتاب إلى قضية لم تحظ القدر الكافي من الاهتمام وهي قضية تورط بعض أعضاء الجماعات اليهودية من الصهاينة وغير الصهاينة في علاقة تعاون وثيقة مع النازيين وقد أخذ هذا التعاون أشكالا كثيرة بعضها سلبي بعدم الاشتراك في المقاومة أو التعاون الاقتصادي والثقافي مع النازيين وبعضها إيجابي
ومن أهمها التعاون المؤسسي بين المستوطنين الصهاينة والنظام النازي والنظام الفاشي الذي أخذ شكل معاهدة الهعفراه تلك المعاهدة التي تبادل بموجبها المشروع الصهيوني المصالح مع الدولة النازية في ألمانيا بصورة رسمية،
فالأولى حصلت على إمداد بشري ومالي لها في فلسطين، بينما حصلت ألمانيا النازية في المقابل على كسر طوق المقاطعة المتصاعد جماهيريا ودوليا، إضافة إلى التخلص من الفائض البشري غير المرغوب فيه من اليهود الألمان علاوة على إنعاش اقتصادها المختنق في صفقة دفع ثمنها مئات الآلالف من اليهود الألمان ومئات الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء
فيما بعد وجنى العنصريون من الصهاينة والنازيين الفائدة، ورغم مشاركة الحركة الصهيونية ألمانيا النازية بموجب هذه المعاهدة في أكبر صفقة تهجير قسري لليهودى في إحدى أكبر عمليات العداء للسامية في القرن العشرين،
إلا أن أحدا لم يتهم الصهيونية بالعداء للسامية، بل دأبت الحركة على اتهام الآخرين بتلك التهمة. ومن الأمور الملفتة للنظر التي يشير اليها الكتاب ان الكيان الإسرائيلي والحركة الصهيونية عنصريان معاديان للسامية فهما يعاديان اليهود لكونهم يهودا يقيمون خارج أرض فلسطين، فتمارس الصهيونية وكيانها عليهم الضغوط بشتى الطرق المباشرة وغير المباشرة لدفعهم إلى الهجرة إلى أرض فلسطين.
وعن نشاة الصهيونية يشير الكتاب إلى أنه نتيجة عيش الطوائف اليهودية في انعزال فقد عمل مؤسسو الصهيونية إلى الاعتماد على ذلك للترويج لأفكارهم وجرى المزج بين الدين والسياسة حيث اعتمدت الحركة على إثارة المشاعر الدينية لدى جمهرة اليهود من الطبقات الدنيا والمتوسطة تحت شعار القومية المخلصة لهم من وطأة الاضطهاد والانعزال.
ثم يشير الكتاب إلى المفارقة التي تجلت في العلاقة بين الصهيونية والنازية رغم ما بينهما من تعارض فإنهما التقيا في غير موضع، لعل أولها انتسابهما إلى الظاهرة الإمبريالية الأم وثانيهما تقديس كل منهما للجنس التي تدعى كل منهما الانتساب إليه،« شعب الله المختار» بالنسبة للصهيونية، والجنس الآري للنازية عدا اغترافهما من الفيلسوف العنصري الألماني الشهير فردريك نيتشه.
وهنا يتساءل الباحث محمود عبده عن أسباب عدم إثارة المنظمة الصهيونية الحديث عن ضحايا النازية الذين يملأ الصهاينة الآن الدنيا صراخا وعويلا عليهم؟ ويجيب بأنه كان للصهيونية في تلك الأثناء أولوياتها الخاصة ممثلة فيما كان يجري الترتيب له على أرض فلسطين وشراء الأراضي هناك.
ومن الغريب هنا ما يشير اليه الكتاب من ان بعض الصهاينة دعا إلى التقليل من الكلام عن المجزرة النازية كي لا تقوم بإلهاء اليهود الصهاينة عن شراء الأراضي في فلسطين. في خاتمة الكتاب يتطرق الكاتب عبد القادر ياسين إلى تناول القانون الأميركي لتعقب معاداة السامية عالميا بالتحليل. وفي هذا الخصوص يشير إلى أن القانون إنما يمثل في النهاية سيفا مسلطا لابتزاز الدول وتأثيم المقاومة واتهامها ظلما بالإرهاب ومعاداة السامية.
ومن الآن فصاعدا فإن أي نقد يوجه لإسرائيل أو أي تنديد بالجرائم التي تقترفها ضد العرب سيندرج تحت بند معاداة السامية وقد يصل الأمر، حسب ياسين، إلى حد شن حرب على الدولة التي تجرأت على ممارسة النقد أو الطلب إليها تسليم مواطن لها تطاول على الجرائم الإسرائيلية.
فضلا عن ذلك يشير ياسين إلى أن القانون يصادر حرية التعبير والاعتقاد، بل يعزز موقف الحكومات الراغبة في هذه المصادرة على عكس ما تدعيه الإدارة الأميركية من رغبة في إشاعة الإصلاح الديمقراطي في دولنا العربية.
ويخلص إلى أن القانون ليس مجرد خطوة جديدة على طريق تكريس الهيمنة الأميركية على العالم فالقانون ذو امتداد عالمي يناقض حتى أحكام الدستوى الأميركي، فضلا عن أن إنفاذه لا يتضمن خطرا كبيرا على القانون الدولي فقط، بل أيضا على سيادة الدول.
ألفت عبدالله
* الكتاب: ثالوث الشر
النازية، الصهيونية، معاداة السامية
* الناشر: سطور ـ القاهرة 2005
* الصفحات: 187 صفحة من القطع الكبير
