مؤلف «كتاب الملمّع» هو الأديب «أبوعبدالله الحسين بن علي النّمري» المتوفى سنة 385 هجرية، الذي نشأ في بيت علم وأدب، ثم نما وتعهد نفسه بالرعاية والاطلاع والمعرفة، فقد تردد على حلقات العلم وعرف آداب العرب وأخبارهم وأيامهم، وهذه المعرفة مبثوثة في ثنايا كتابه هذا.
عاش في «البصرة» التي كانت حاضرة من حواضر العلم قبل أن تجمعه صداقة مع «ابن العميد» الأديب والشاعر وصاحب السلطان، وقد ذكرت بعض المراجع أنه كان من أصدقائه وندمائه، بل كان يلازمه في تنقلاته ويصاحبه في نزهاته.
وقد اجمع المترجمون لحياة «أبي عبدالله» أنه كان لغوياً أديباً، حتى ان «الثعالبي» يجعله في مقدمة علماء اللغة والأدب كما ذكر بأنه لم يكن بالعالم المتعصب، فكان يأخذ عن البصريين والكوفيين، ويضيف إلى حصيلته العلمية ما قالوه من كنوز وآراء، كما كان شاعراً مجيداً، وقد ذكر كثير ممن ترجم له أنه ترك آثاراً كثيرة، لكن مع الأسف لم يبق لنا سوى كتابه هذا.
و«كتاب الملمّع» هو بمثابة معجم صغير لألفاظ الألوان في اللغة، نسقه مؤلفه بطريقته الخاصة، التي تجمع بين ذوق الأديب في اختيار الشواهد ودقة اللغوي في تبويب أفكاره وتنسيقها وتقصيّها.
وكون الكتاب يتحدث عن مفردات معينة يجمعها إطار اللون ظاهرة جديرة بالدراسة، وخاصة أن معاجم المعاني التي صنفت في عصر المؤلف وما قبله، اهتمت بوحدة الموضوع، فكانت كتب «الإبل والشاء والخيل» معاجم متخصصة.
ولم تستأثر باهتمام أحد قبل مؤلفنا، هذه الفكرة الطريفة، وهي أن يجمع مسميات الألوان كلاً على حدة، ويستهلها بالحديث عن صفات كل لون ومؤكداته.
ولعل تسمية المؤلف كتابه الملمّع ـ على غرابتها ـ تحمل الكثير من الشحنة اللونية، فالتلميع لغة: أن يكون في الخيل بقع تخالف سائر لونه، وكأن المؤلف قصد إلى تنوع الألوان في كتابه، واستقلال كل لون منها بذاته، استقلالاً يجعله مخالفاً للألوان الأخرى في نوعه، ومتوافقاً معها في تكوين لوحة لونية متجانسة.
والكتاب غني بالشواهد، وتكاد لا تخلو منها صفحة من صفحاته وهي في معظمها شواهد شعرية، اختار المؤلف أكثرها من أشعار الفحول من شعراء الجاهلية والإسلام، أمثال: زهير والنابغة وامرئ القيس وغيرهم من الجاهليين، وأمثال: حسان بن ثابت، وقيس بن الخطيم، وجرير والفرزدق، وغيرهم من الإسلاميين، وهي شواهد كثيرة إذا قيست إلى صفحات الكتاب وقد ذكر المؤلف أكثر من ثمانين شاعراً، تفاوتت شهرتهم، فهناك الجاهلي المشهور والجاهلي غير المعروف إلا عند المشتغلين بالأدب واللغة كذلك كان الأمر بالنسبة للإسلاميين والأمويين من الشعراء.
وقد أتى المؤلف بشواهد فريدة لشعراء مشهورين، جمعت أشعارهم أو حققت دواوينهم، ولم توجد تلك الأبيات فيها، وقد روى أبياتا كثيرة بطريقة مختلفة، وقد تبين من التحقيق والبحث، أنها الرواية الصحيحة وأنها خير مما جاء في الشعر المعروف.
ويعد تصنيف المؤلف للمفردات اللونية هذا التصنيف فريداً في بابه. ينم عن سعة أفق صاحبه، وعن قدرة كبيرة على الاستيعاب اللغوي ثم إعادة التنسيق والتبويب بأسلوب منظم دقيق ومحكم.
والمؤلف على أهمية ما ذكره من ألفاظ الألوان وصفاتها ومسمياتها، لم يأت بها كلها، وما كان عمله عملاً استقصائياً لغوياً، بقدر ما كان وكما ذكره في مقدمته، عرضاً لمعارف ومفاهيم، توصل إليها المؤلف اجتهاداً أو سماعاً، فأراد أن يفيد بمعرفته، وتلك لا شك سجية العلماء.
فالمؤلف في مقدمته يقول: «إن الله عز وجل، خلق الألوان الخمسة، بياضاً، وسواداً وحمرةً وصفرةً وخضرةً، فجعل منها أربعة في بني آدم: البياض والسواد والحمرة والصفرة».
وهكذا راح المؤلف يبحث في فصول كتابه التي بينت على هذه الألوان ما قيل في هذا اللون أو ذاك، لكن كل في فصل، فالفصل الأول كان للون الأبيض، بادئاً بقول «حسان بن ثابت «في مدح آل جفنة أي الغساسنة: «بيض الوجه كريمة أحسابهم».
والكاتب لا ينسى في ذلك درجة اللون، فكل لون درجات، وقد فرّق العرب في لغتهم بين هذه الدرجات، وكان الشعر المعبر عن ذلك.
ثم يذكر إضافة إلى الشعر، الأمثال والأقوال التي توارثها العرب وحين تمر كلمة، يبحث في أصلها وجذرها ومعانيها المختلفة، فمثلاً يقول: إذا كانت الكمأة بيضاء، فهي فقع، وفقعة، قال أبو حاتم: «هي أردأ الكمأة، وواحدة الكمأة كمء». وكان القياس أن يكون الواحد بالهاء، والجمع بغير الهاء، فخالفت العرب في هذا الحرف، وهكذا يكون كتاب الملمّع كتابا فريدا في تبويبه وفي مقاصده.