يعتبر الباحث الأنغلوساكسوني فريديريك براون أحد كبار المختصين في الأدب الفرنسي وشخصياته الكبرى. وكان قد نشر سابقا عدة كتب مهمة عن جان كوكتو، وإميل زولا، والثورة الفرنسية، وسوى ذلك. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف أهم كتاب في اللغة الإنجليزية عن سيرة فولبير وأعماله الأدبية الرائعة.

فعلى مدار ستمئة صفحة أو أكثر يتاح للقارئ الأنغلوساكسوني أن يطلع على حياة هذا الكاتب الكبير الذي غير مجرى حياة الرواية فانتقل بها من الرومانطيقية إلى الواقعية القمة باعتراف معظم النقاد. وهو على أي حال أكبر روائي فرنسي في القرن التاسع عشر بعد بلزاك إذا ما استثنينا ستندال بالطبع. ولكن هناك شخصيات أخرى حفل بها ذلك القرن العظيم ليس أقلها إميل زولا وغي دوموباسان وآخرون عديدون. يقول المؤلف بما معناه: كان فلوبير يردد دائما هذه العبارة: لا أحب أن يهتم القارئ بشخصي المتواضع الذي لا أهمية له. الشيء المهم فقط هو أعمالي الأدبية وكفى. هذا ما قاله في رسالة إلى الكاتب الروسي الكبير تورغنييف، والواقع أن فلوبير كان يعتقد بأن على الكاتب أن يختفي وراء أعماله الأدبية بشكل كامل. ينبغي عليه أن يمحي ويتوارى كليا عن الأنظار، فالمهم ليس هو وإنما العمل الأدبي الذي ينتجه.

فهو عابر وزائل كشخص ولكن أعماله هي وحدها التي تبقى. والواقع أن فلوبير كان يقسم نفسه إلى شخصين: الشخص الواقعي الحقيقي كما هو معروف في الحياة من قبل الناس وأقرب المقربين منه. والشخص الحميمي الداخلي الذي لا يعرفه أحد ولا يتجلى إلا في الكتابة الأدبية أو الروائية.

هل يعني ذلك أنه كان منفصم الشخصية؟ ربما، ككل أديب كبير. فحقيقة الأديب لا تتجلى فعلا إلا في إنتاجه: أي عندما ينقطع عن الناس ويتفرغ للإبداع. عندئذ يصبح شخصا آخر لا علاقة له بالشخص الواقعي المحسوس الذي نعرفه.

ولكن هل يمكن الفصل الكامل بين الشخص الذي يعيش والشخص الذي يكتب؟ ألا تنعكس كل أحلام فلوبير وهواجسه ووساوسه في أعماله الروائية؟ هكذا نلاحظ أن المسألة أكثر تعقيدا مما نظن. ألم يقل فلوبير عبارته الشهيرة: مدام بوفاري هي أنا! بمعنى أنه أسقط عليها كل آلامه وآماله. وكان يقول: الأسلوب هو الشخص. بمعنى أن الأسلوب يعكس شخصية الكاتب لا محالة، ومهما حاول أن يختفي أو يتهرب أو يختبئ وراء مؤلفاته فإنها تنضج بشخصيته وتكشف عنها.

وبالتالي فلا يمكن الفصل الكامل بين الكاتب وأعماله الأدبية، ولا ينبغي أن نأخذ عبارة فلوبير الأولى على حرفيتها. كل ما أراد قوله هو أن الكاتب كإنسان شخص عارض أو فان لا محالة، أما الكاتب كمبدع وفنان فخالد من خلال أعماله التي تتجاوز عصره وشخصه وتخترق القرون.

والدليل على ذلك أن فلوبير لم يعد موجودا أما روائعه الأدبية فلا تزال قائمة وتملأ المكتبات الفرنسية والعالمية. ألسنا نقرأ الإلياذة والأوديسة حتى الآن على الرغم من موت هوميروس قبل آلاف السنين ؟ ألا تسحرنا مسرحيات شكسبير بعد مرور أربعة قرون أو أكثر على ولادته؟ والكوميديا الإلهية لدانتي أليست مقروءة الآن حتى بعد مرور سبعة قرون على كتابتها أو أكثر؟

على هذا السؤال يجيب المؤلف بما معناه: لقد ولد غوستاف فلوبير في مدينة «روان» الفرنسية عام 1821، أي في نفس العالم الذي ولد فيه بودلير ومات فيه نابليون. وهو نفس العام الذي نشر فيه هيغل كتابه الشهير: قواعد فلسفة القانون. وقد أسس فيه للقانون الوضعي الحديث قاطعا بذلك مع القانون اللاهوتي أو الكنسي القديم.

وفي عام 1835، أي وهو في الرابعة عشرة ابتدأ فلوبير لأول مرة كتاباته التاريخية والفلسفية. وفي العام التالي أمضى العطلة الصيفية في مدينة دوفيل أو تروفيل وهي من أشهر المدن الفرنسية التي يؤمها الناس عادة في فصل الصيف نظرا لجمالها ووقوعها على البحر، أو بالأحرى على المحيط الأطلسي. وهناك التقى بسيدة أكبر منه بكثير: أي في عمر أمه تقريبا. وكانت أول حب في حياته وأكبر حب. ولكنه حب أفلاطوني بالطبع ولا علاقة له بالشهوات أو الماديات.

وفي عام 1848 أو بعدها بقليل أنهى فلوبير روايته الكبرى الأولى: التربية العاطفية. وهي رواية تصور حياة فرنسا السياسية والاجتماعية والأخلاقية في منتصف القرن التاسع عشر وقبل ثورة 1948 وما بعدها. إنها تصور الحياة الفرنسية من خلال شخصية البطل فريديريك مورو الذي يشعر بأنه محبط وعاجز عن فعل أي شيء.

إنه إنسان مليء بالتناقضات والترددات أمام المصير والمجهول. ولذلك فإنه يترك الأحداث تتقاذفه من كل جانب وتفعل به ما تشاء. وهذه الرواية قدمت صورة أخرى عن الكتابة الروائية في فرنسا. إنها تخرج على قوانين الرواية البلزاكية لكي تقدم تصورا جديدا هو ما ندعوه بالرواية الحديثة. فالراوي أو السارد في رواية بلزاك كان يرى ويعرف كل شيء. أما الراوي على يد فلوبير فلم يعد يرى إلا ما يتيح له بطل الرواية أن يراه.

وهذه الطريقة في الكتابة هي التي استوحاها كتّاب الرواية الجديدة بعد مئة سنة من ذلك التاريخ: أي آلان روب غرييه ومدرسته الشهيرة. ولكنهم بالغوا فيها بالطبع وذهبوا في هذا الاتجاه مسافة أخرى.

ألم يقل روب غرييه: الكاتب الحقيقي ليس عنده شيء لكي يقوله، وإنما عنده فقط طريقة مبتكرة أو جديدة لقوله. وهذا ليس إلا تكرارا تقريبا لعبارة فلوبير الشهيرة: ما أريد أن أفعله هو تأليف كتاب عن «اللاشيء»، كتاب بلا علاقات خارجية تسنده، كتاب يسند نفسه بواسطة قوة أسلوبه.

هل يعني أن المشكل أهم من المضمون في الكتابة الحديثة للرواية؟ هل يعني أنها رواية فارغة بلا محتوى أو مضمون؟ ربما كان ذلك ينطبق على روب غرييه وجماعته ولكنه حتما لا ينطبق على فلوبير. فصاحب «مدام بوفاري» على الرغم من عدميته كان يريد أن يقول شيئا ما. وكتاباته تعكس العصر بكل قلقه وآماله ومخاوفه. ومن يريد أن يفهم الحياة الفرنسية في القرن التاسع عشر فما عليه إلا أن يعود إلى روايات فلوبير.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1850 قام فلوبير بأكبر سفرة له إلى الشرق لكي يتعرف عليه ويستلهمه في أعماله الأدبية المقبلة. وكان ذلك عام 1850: أي وهو لم يتجاوز الثلاثين بعد أو حتى لم يبلغها، أو قل أنه وصل إلى مصر في نهاية عام 1849 مع صديقه ماكسيم دوكامب.

وهناك تعرف على القاهرة والحياة المصرية في عهد المماليك. وكان ذلك في شهر نوفمبر من ذلك العام.ثم غادر مصر في شهر يوليو من عام 1850 إلى فلسطين أولا قبل أن ينتقل إلى سوريا، فلبنان، فتركيا، ثم أخيرا أثينا عاصمة اليونان. وهكذا دامت رحلة سنة كاملة أو أكثر قليلا.

وبعدئذ عاد إلى فرنسا من اليونان عبر إيطاليا. وفور عودته تقريبا ابتدأ كتابة روايته الخالدة: مدام بوفاري. وقد أنهاها عام 1856: أي أنها استغرقت منه خمس سنوات كاملة.

وهذه هي الكتابة الحقيقية: أي الكتابة التي تستغرق وقتها الكافي ولا تستعجل الأمور أو تحرق الطبخة قبل أن تنضج. ولهذا السبب فإن فلوبير لم يكتب إلا خمس أو ست روايات طيلة حياته كلها. ولكن كل رواية كانت تشكل حدثا في تاريخ الأدب الفرنسي والعالمي، كانت تشكل عالما بأسره. ولا يزال النقاد منشغلين بدراستها وتحليلها حتى الآن.

وبالتالي فالعبرة ليست بالكمّ وإنما بالكيف. وما ينطبق على الرواية ينطبق على الشعر أيضا. ولكن هناك استثناء واحدا ربما هو: بلزاك. فقد كتب أكثر من ثمانين رواية ومعظمها من الروائع الأدبية. ولكن بلزاك هو بلزاك ولا يتكرر كل قرن أو حتى كل عشرة قرون.

*الكتاب: فلوبير، قصة حياة

*الناشر: هاينمان ـ نيويورك - لندن 2006

*الصفحات:628 صفحة من القطع الكبير

Flaubert, a biography

Frederick Brown

Heinmann- New York- London 2006

p.628