مؤلف هذا الكتاب هو منير الكيال، المتخصص في الكتابة الفلكلورية عن دمشق التي ارتبط اسمه بها، وأمضى جل سنوات حياته في البحث بتاريخها، وبالذات في العلاقات والتقاليد والعادات الاجتماعية التي سادت في هذه المدينة منذ الثلاثينات، سبق له ونشر العديد من الدراسات والكتب عنها أبرزها:

«الفنون والصناعات الدمشقية»، «الحكايات الشعبية الدمشقية»، «رمضان وتقاليده الدمشقية»، «الأمثال الشعبية الدمشقية»، يحمل إجازة في الجغرافية من جامعة دمشق، عمل مديراً لعدة ثانويات في دمشق، ومديراً لتعادل الشهادات في وزارة التربية، نشر أبحاثه للمرة الأولى في الصحف والمجلات السورية.. وهو عضو جمعية البحوث والدراسات السورية.

في هذا الكتاب تطل دمشق من نافذة التاريخ لتصافح القارئ بمشاهد تنبع من جذوره، وتزهو في إهاب من الأصالة وأفانين من الإبداع والزخرف لا يماثله أي إبداع أو زخرف. ويرسم الكتاب بالحرف بعضا من تلك المشاهد ويصور بالرؤى تلك الافانين، ويجعل القاصي والداني يعيش عبق دمشق وما فيها من مآثر تزهو بها على التاريخ.

كانت دمشق بما فيها من فتن الطبيعة، وروعة الإنس، وعذوبة الماء، ولطف أهلها وهوائها، ملهمة الرحالة الذين زاروها أو مروا بها، وملهمة الشعراء الذين عاشوا فيها أو ولدوا فيها، وسجلوا شهاداتهم بها. يبعث نهر بردى الخالد الذي كان يغني في حدائق دمشق ومرابعها ويجري في بيوتها ويتلوى حولها، يبعث الحس والحياة في كل مكان فيها.

فمدينة دمشق بما فيها هديته، وبحر الغوطة بما فيه من أمواج صنعه وإبداعه. طاف الإنسان الدمشقي بوادي النهر من منبعه إلى مصبه، وعمل على تطويعه وجعله ملبيا لحاجاته من الماء، فاشتق الفروع (الاقنية) عبر أنفاق في لحف الجبل وساق مياه القنوات المشتقة إلى مناسيب توفر الماء إلى المناطق المراد مدها بتلك المياه. تميزت تلك الاقنية والفروع بتقنيات فريدة، وشبكات، بالغة الإبداع والدقة والتنظيم، حتى لكأن تحت ارض دمشق مدينة أخرى من متصرفات المياه والجداول والمسارب، التي تتماشى مع الطبيعة الطبوغرافية للمدينة.

أعجب العرب بالغوطة منذ القديم، فكانوا يرتحلون إليها في الجاهلية، وقد ردد شعراؤهم اسمها كثيرا في أشعارهم، فهم عندما كانوا يأتون من جزيرتهم إلى بلاد الشام ولاسيما عاصمتها دمشق وغوطتها، يدهشون بجمالها ويصورون رياضها، وازاهيرها، وجداولها، وخمائلها،

وأطيارها تصويرا دقيقا مفعما بحنان القلب، وأحاسيس النفس، يحنون إليها حنين العاشق إلى معشوقته، يلقاها بوجه باسم، ونفس متعطشة إلى شذى رياحينها، فيشجيهم عبق الزهر، وساجع الطير، وانسياب الغدير، وتعانق الغصون، فيقفون أمام الطبيعة وقفة المسحور، ينجولون بين خمائلها، ويصطادون أفانين الجمال والغزل، يخرجون منها بصور رائعة كما يخرج الرسام بلوحاته.

إنها فردوس الفراديس ورئة دمشق ومتنفسها، أصبحت مضرب الأمثال وغاية الذواق بثمارها، وفاكهتها ومحاصيلها الوفيرة، ومتنزهاتها العديدة. ثمة عتاب محب وحسرة على اغتيال تلك الرياض الجميلة والى ما آلت إليه حال الغوطة اليوم بعد انحسار المساحات الخضراء نتيجة الهجوم الإسمنتي وامتداد الزحف العمراني والعلب الإسمنتية إلى أراضيها، وتحول بساتينها الأخرى إلى مقاصف ومقاه.

يرجع تاريخ مدينة دمشق، أقدم مدن العالم إلى خمسة آلاف سنة، سكنها الآراميون وجعلوها عاصمة مملكتهم، ثم فتحها الآشوريون والبابليون والفرس والرومان، ثم اتخذها الأمويون عاصمة لهم. حافلة بالآثار التي تدل على حضارة عريقة، إنها ارض التاريخ المتصل بدون انقطاع، تزاحمت فوق أرضها أعظم الإمبراطوريات، والحضارات الجاثمة فوق أرضها، هي الأوابد في كل العصور،

وقصة الإنسان والتاريخ عبر معالم أثرية تزيد معلوماتنا عن الفترات السابقة لتاريخ وفترة فجر التاريخ. وتصور عبقرية الإنسان في فن العمارة التحصينية. فسور دمشق، الذي أقامه السلوقيون ضمن الدولة السلوقية المتفرعة عن إمبراطورية الاسكندر، عمل جبار قامت به أجيال متعاقبة، لا يزال شامخا كالطود بإجلال وإكبار.

كان لهذا السور سبعة أبواب في العهد الروماني، أما على السور العربي فان الأبواب كانت تزيد وتنقص بين الحين والأخر، كلما جدد السور فتسد أبواب وتفتح أبواب أخرى، وحاليا اختفت بعض الأبواب وحلت مكانها أبنية أو طرق أو أسواق. لم تتجاوز أسوار دمشق على مر العصور العشرة أبواب وهي (باب شرقي ـ باب توما ـ باب الجنيق ـ باب السلام ـ باب الفراديس ـ باب الفرج ـ باب النصر ـ باب الجابية ـ الباب الصغير ـ باب كيسان)..

تعود أبراج السور التي لا تزال تطل علينا بكبرياء وشموخ وتحد وتتربع بزهو كالطود في جنبات دمشق، للعصور الإسلامية وتحمل أسماء رجال أعلام (برج نور الدين ـ برج الملك الصالح). تتوزع أسواق دمشق القديمة حسب تجمع الحرف والكارات التي كانت في المدينة ابتداء من سوق الحميدية والأسواق المتفرعة عن شماله كالعصرونية التي تباع بها الأدوات المنزلية، والبورص ونصري وباب البريد.

والمتفرعة عن جنوبه كسوق الاروام، والحرير، الذي يغص بأنواع الحرير وألوانه الزاهية، والخياطين، مرورا بسوق مدحت باشا والبزورية الذي يباع به أنواع العطارة المختلفة، ويلعب إضافة لدوره التجاري دورا سياحيا مهما بسبب موقعه وطبيعة معروضات محاله وتعدد وتنوع مشاهده الأثرية ومعالمه التاريخية.

يعتبر الجامع الأموي الكبير مفخرة دمشق، ورمز سؤددها ومنطلق إشعاعها الحضاري إلى العالم أعظم مساجد الدنيا حسنة وبهجة وكمالا، شيده الوليد بن عبد الملك سنة 705 على ارض مقدسة شغلتها معابد لأديان مختلفة تعاقبت على الشام عبر العصور التاريخية، في أوج عصر دمشق الذهبي، يوم كانت الدولة الأموية لا تغيب عنها الشمس.

رغبة منه أن يكون لدمشق مسجد يتناسب مع عظمة الدولة الأموية. غدا الجامع الأموي اكبر مركز إشعاع علمي في ذلك العصر ومنارة العلم والمعرفة في علوم وآداب العربية والدين والأصول والفقه والكلام واللسانيات وسائر العلوم الإنسانية والكونية ومهوى أفئدة قاصدي دمشق من الدارسين القادمين من الأصقاع العربية والإسلامية.. ومحج العلماء من المحيط إلى الخليج ومن بلاد ما وراء النهر.

اشتهرت سوريا بالحمامات، وكانت سمة خاصة بدمشق ووجها من وجوهها المعمارية ومظهرا من مظاهرها الصحية، وملتقى للحياة الاجتماعية. لم تكن للاغتسال فحسب، بل وأماكن نزهات ونواد ثقافية ورياضية واجتماعية، فيها يتبادل المستحمون شتى المواضيع الحياتية والاجتماعية. تتميز بجمالها وببراعة بنائها، في أقسامها وتوزيعها وجر المياه إليها.

كثر إنشاء الخانات في العصرين الأيوبي والمملوكي اثر القضاء على الصليبين، وشهد العهد العثماني بناء عدد كبير منها، حملت أسماء من بناها واسم السلعة التي تروج فيها، أو الحرفة التي تمارس بها. إضافة لبناء كثير من المساجد والمدارس والتكايا والقيساريات فضلا عن الحمامات.

فاتنة صالح الكردي

*الكتاب:دمشق ياسمينة التاريخ

*الناشر: دار البشائر ـ دمشق 2005

*الصفحات: 272 صفحة من القطع الكبير