العنوان الرئيسي لهذا الكتاب (مرثية الفتى السماوي) والعنوان الإضافي (كتاب الأحزان) في إشارة صريحة من المؤلف حيدر حيدر إلى أن هذا الكتاب دون كتبه الأخرى هو كتاب أحزانه الذي لم يكتبه بهدوء وهو جالس متأملا خلف مكتبه، بل افرغ فيه دموعه الحارة الطازجة، وهو يرثي ابنه الذي يخاطبه على الرغم من أنه يعرف أنه لن يسمعه: (أتمنى لو أنك لم تولد. ص11).

هنا تبلغ الفجيعة ذروتها، حيث يضحي الأب بكل سنوات الأفراح التي عاشها مع ابنه مقابل أيام الأحزان التي ينوء تحت ثقلها. ومن ابرز رواياته وليمة لأعشاب البحر، مراثي الأيام، مرايا النار، شموس الغجر، حقل ارجوان، الزمن الموحش، حكايا النورس المهاجر . وكانت روايته المبكرة وليمة لأعشاب البحر قد أثارت ضجة إعلامية بعد حوالي عشرين عاما من صدورها. ولكن الإنسان بطبعه يقاوم ويستمر في الحياة. أما إذا كان كاتبا فيتحدى الزمن الذي ينقضي دونما عودة بالكلمات التي تبقى بعد رحيل الجميع. لهذا يريد (حيدر حيدر) الكتابة عن ابنه لعله يمنحه الخلود في عالم الأدب طالما الخلود في الحياة مستحيل: (أنا أكتب هذا النص عنك أتوهم أنني أحييك بالكلمات، وفي الآن نفسه ربما كنت أتطهر لأزيح هذا الكمد الداخلي. ص10).

ولكن التطهر، وإزاحة الكمد الداخلي، ليس مجرد ممارسة الحزن حتى الرمق الأخير، فهو أيضا محاولة لاكتشاف النفس عبر مواجهات غير مسبوقة مع الذات. وهنا يطرح (حيدر حيدر) على نفسه تساؤلات عميقة لم يتطرق إليها في كتبه السابقة، وإذا قاربها فليس بالعمق ذاته، أنها تساؤلات الروح: جدوى الحياة إذا كانت تنتهي بالموت، ومعنى الوجود في مواجهة العدم، والهدف من الحياة، والعلاقة بين الله والبشر.

الأديب (حيدر حيدر) المفجوع بوفاة ولده، والمعروف عنه علمانيته، ينتابه الضعف البشري أمام الموت فيبتهل إلى الإله متضرعا: (سأنذر عمري، ما تبقى منه، لأسير حافيا، جائعا، أرتدي الأسمال، عبر دروب الأرض، وأنا أسبح بملكوتك الأرضي والسماوي، داعيا الحجر والشجر والطير والبشر والانس والجان ، وما يدب على سطح الأرض، لتسبح بحمدك، ونعمتك، ورحمانيتك الفياضة على الكون. ص37).

ولكن عودة الموتى مستحيلة، إلا في الأحلام، بل حتى عندما يحلم الأب بعودة ولده لم تكن نهاية الحلم سعيدة، إذ ينتهي الحلم برحيل الابن عن الأب الذي تجتاحه الكوابيس. في كتاب الأحزان يعترف (حيدر حيدر) أنه مر بتجارب فجائعية أهمها: الحروب التي عايشها، ومرارة السفر والابتعاد عن الوطن، وأخرها إهدار دمه اثر العاصفة التي أثارتها روايته (وليمة لأعشاب البحر).

ولكنه بعد فقدان ابنه يعترف دامعا أن طاقة الإنسان محدودة أمام الموت، وان الإنسان ليس حجرا كيلا ينهار أمام الفجيعة الأكبر وهي فقد الأبناء. ثم يستعيد (حيدر حيدر) سيرة حياة ابنه منذ ولادته، وكيف كان يدلله، ويسمح له بالقيام بما يريد، ولا يعاقبه مهما فعل، كي ينمو على طبيعته، لاسيما أنه آخر العنقود، وكيف كان هذا الطفل يفرح بما يصطاده الأب.

ويطلق الطيور من أقفاصها، وكيف علمه والده السباحة باكرا، وماذا كان يروي له من حكايات وهو صغير، وكيف كان يقضي السهرات على الشاطئ برفقته كأصدقاء. ثم ينتبه (حيدر حيدر) بعدما فقد ابنه إلى أنه كان ثمة جوانب لم يفطن إليها عندما كان ابنه بقربه، مواضيع لم يناقشه فيها، على أهميتها.

ولكن هذه التساؤلات سرعان ما انسحبت لصالح الموت الطاغي بقسوة لا ترحم. ولابد أن يكتب (حيدر حيدر) عن أحزان أسرته، لاسيما الطفل الصغير الذي يتساءل عن عودة والده، جاهلا أنه لن يعود إلا من خلال كتاب جده (حيدر حيدر).

سامر أنور الشمالي

*الكتاب:مرثية الفتى السماوي كتاب الأحزان

*الناشر:دار ورد ـ دمشق 2006

*الصفحات: 126 من القطع المتوسط