يوماً بعد يوم تكشف الذائقة العربية عن عمق ترديها، ليس من خلال ما تحب وتفضل فنياً فقط، بل في أسلوب العيش ذاته، الذي تحول إلى رغبات تماشي ثقافة النوفو ريش (الأغنياء الجدد)، الذين تسلطوا على الحياة العربية من أوسع أبوابها، فاحتلوا مقاعد السياسة والفن والاقتصاد والثقافة وروجوا لما شبوا عليه من ذائقة متردية، تحمي الهابط، والرخيص فنياً، وثقافياً، وشكلوا حماية قوية لمصالحهم الاقتصادية من خلال ترويج بضاعة «الجمهور عايز كده».

عندما تأسست الإذاعات العربية في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، كانت هناك لجان لفحص الأغنيات قبل إذاعتها، لأن الإذاعة الرسمية كانت الوسيلة الوحيدة لانتشار الأغنية، وذيوع الخبر، وتلك اللجان كانت مؤلفة من خيرة الموسيقيين والشعراء وغيرهم ممن يمثلون ضميراً اجتماعياً لحماية الثقافة.

واليوم يمكن لأي عابر سبيل في حوزته خمسة آلاف دولار أن يصبح مطرباً في ظل وجود كاتب أغنية رديء، وضارب طبل يلطش فلكلور الشرق والغرب، ومحطة فضائية يغذيها المراهقون بالرسائل الهاتفية الركيكة، والتي لا تخلو من قلة أدب، وبعدها يصبح أي صوص لم تفقس عنه البيضة بعد، أكثر شهرة من صبري مدلل صاحب أغنية «ابعتلي جواب وطمني».

وعندما تأسست المنابر والجمعيات الثقافية كان طموح الشعراء الكبير أن يصعدوها ذات يوم أو ليظهر اسمهم في صحيفة عامة، أو صورتهم التذكارية فوق منبر رسمهم شعراء ، واعترف بقيمة ما يكتبون، ولكن هل نقارن حاضر المنابر الثقافية بماضيها لنعرف كم أثرت الرداءة في استجلاب المطبلين والمزمرين لينظروا في الثقافة؟ ونظرة خاطفة إلى الجوار الأدبي تؤكد أن المنابر هجرتها العنادل وعششت فيها الغربان نعيقاً وقلة دراية.

تردي الذائقة مس كل تفاصيل الحياة وترك سخامه حتى على الأبنية، حيث افتقدت التناسق والتجانس، فشكل من الشرق وآخر من الغرب وثالث لا ينتمي إلى هندسة أو جغرافيا، في حين كانت الثقافة المعمارية جزءاً من حياة الناس وكانت الأبنية نسيجاً من التناغم شكلاً ومضموناً تدل على انخراط المجتمع في هوية وشخصية واحدة لها بصمتها عبر الزمن.

ماذا فعلت طبقة «النوفوريش» بنا، وكيف سلمنا أمرنا لهؤلاء الذين لم يوفروا حتى المناهج الدراسية فغزوها بكل جهلهم وفقرهم المعرفي، وراحوا يعلمون الأبناء كل ما يبعدهم عن القيم الجمالية ويقربهم من عصر التراسل عبر الفضائيات بلغة ركيكة يخجل منها الأعاجم، وبأخلاق تتأوه من «الواوا» حتى الصباح. .. وهنا سكتت شهرزاد عن الكلام المباح.

hussain@albayan.ae