يعمل فرانسوا دوفاي، مؤلف هذا الكتاب، نائباً لرئيس تحرير مجلة «لوبوان» الفرنسية الشهيرة. ويحمل شهادة التأهيل العليا «اغريغاسيون» في الآداب، كما أنه خريج مدرسة المعلمين العليا في باريس التي تخرّج منها عدد مهم من كبار فلاسفة فرنسا ومفكريها.
سبق له ونشر دراسة تحت عنوان: «رحلة الخريف» التي كرّسها للزيارات التي قام بها كبار أدباء فرنسا إلى الاتحاد السوفييتي مما اعتبره المؤلف تواطؤاً مع الستالينية. هذه الدراسة تمّت ترجمتها إلى اللغة الألمانية كما قدّم التلفزيون بالاعتماد عليها برنامجاً وثائقياً.
في صيف 1945 بينما كان ستالين وتشرشل وترومان يعيدون صياغة خارطة أوروبا عند نهاية الحرب العالمية الثانية بعد قصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنابل الذرية، كان العديد من الأدباء الفرنسيين الكبار ممن كانوا قد «تعاونوا» مع أو «حابوا الاحتلال النازي لبلادهم يبحثون عن مكان بعيد يلجأون إليه «كي يبتعدوا عن الأنظار» باعتبارهم على «القائمة السوداء».
وكان يوجد على رأس هذه القائمة كل من بول موران وجاك شاردون اللذين ساد الاعتقاد بأنه لن تقوم لهما قائمة بعد ذلك على الساحة الأدبية. وكان عليها الانطلاق من الصفر من جديد. كيف؟ لقد كان على هذين الكاتبين اللامعين اللذين كان يفرّق بينهما كل شيء أن يعقدا فيهما بينهما ميثاقاً كي يؤمّنا استمرار وجودهما على الساحة الأدبية.
وكانت المفاجأة الكبيرة غير المنتظرة هي الدعم الذي لقياه من قبل الكتّاب اليمينيين الذين برزوا خلال سنوات الخمسينات وأُطلقت عليهم تسمية «أصحاب اللغة العسكرية». ومن بين هؤلاء العديد من الذين وصلوا إلى الشهرة من أمثال روجيه نيمييه وفرانسوا نوريسييه ـ عضو ثم رئيس لجنة منح جائزة الغونكور الأدبية، الأهم في فرنسا ـ
وجاك لوران وغيرهم.إن هذا الكتاب، وفيما هو أبعد من الحالات العيانية المحددة التي يتعرض المؤلف لها، يشكل مساهمة كبيرة في إلقاء الأضواء على النقاشات التي عرفتها «جمهورية الآداب» الفرنسية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فيما يتعلق بمسألة الموقف من الاحتلال «الألماني» وموقف الأدباء من المحتل. وكانت تلك الفترة قد شهدت بروز عدد من أدباء ومفكري وفلاسفة فرنسا الذين لم يكن أقلهم شأناً جان بول سارتر وألبير كامو وفرانسوا مورياك وأندريه مالرو وريمون آرون، وغيرهم.
وكان «بول موران» قد غدا في مطلع عقد الخمسينات مثل «البعير الأجرب» الذي يتحاشاه الزملاء والنقّاد الذين تجاهلوا بشكل كامل تقريباً كتاباته حول أصدقائه «مارسيل بروست وجان جيرودو». ولم تكن الصحف الباريسية تتحدث عنه إلا بمعرض الإشارة إلى «صفقاته».
وكان يردد من ناحيته أن زملاءه كانوا «يغامرون من امتلاكه للسيارات السريعة ومن الرقم الكبير الذي تحققه أعماله في سوق البيع ومن صالونه ذي ال18 متراً طولاً ومن نجاحاته النسائية». وكان «جان بول سارتر» قد صنّفه في دراسته التي تحمل عنوان «ما هو الأدب»، على أنه «كاتب بورجوازي من فترة ما قبل الحرب».
وفي سنوات ما بعد الحرب الثانية كانت فرنسا «الأدبية» بصدد إعادة بناء نفسها على أسس جديدة، كما يشرح مؤلف هذا الكتاب، الذي يتساءل: «في الوقت الذي كان فيه الجمهور الفرنسي يستقبل بحماس كبير مسرحية ـ الطاعون ـ لألبير كامو على اعتبار أنها كانت تصف بشفافية كبيرة سنوات الاحتلال النازي الألماني؛
وكذلك في الوقت الذي كان فيه جان بول سارتر يدعو فيه بقوة إلى ضرورة التزام الكتّاب في مجلته التي أسسها أثناء الحرب، أي «الأزمنة الحديثة»، في مثل هذا الوقت ما هو الاهتمام الذي كان يمكن للجمهور أن يبديه حيال أعمال كابوسيه لخاسر في التاريخ؟» ذلك «الخاسر في التاريخ» الذي يقصده هو بول موران.
كان «بول موران» قد عمل لفترة من الزمن دبلوماسياً تحت ظل حكومة فيشي، أي حكومة المارشال بيتان التي تعاونت مع الاحتلال النازي. ويذكر المؤلف في هذا السياق أن مجلة «جور اي نوي» ـ أي «النهار والليل» ـ كانت قد كلّفت أحد صحافييها، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، للبحث عن «بول موران» وإجراء لقاء صحافي معه في سويسرا حيث كان قد «لجأ» برفقة زوجته «هيلين».
وعندما فاجأه الصحافي وهو في أحد المقاهي «خبأ» وجهه خلف الصحيفة التي كان يتصفحها «مثل نجم سينمائي أو مثل مجرم خارج من المحكمة»، كما كتبت الصحيفة، في مقالها الذي حمل عنوان: «بول موران سفير دولة فيشي، الدولة ـ الشبح».
وكان بول موران قد عاد للإقامة في فرنسا اعتباراً من نهاية عقد الأربعينات بعد عدة سنوات في «المنفى» السويسري. ومن فرنسا إلى إسبانيا وبعدها إلى «طنجة» في المغرب حيث كانت شمال إفريقيا تبدو آنذاك بمثابة «مكان آمن». لكن «مجده» لم يكن قد أفل تماماً.
ففي عام 1951 نشر رواية تحت عنوان «ضارب السوط في إشبيلية»، وكان ناشره هو الدار الكبيرة «فايار» وليس ناشراً سويسرياً «صغيراً» كما كان الأمر قبل ذلك في فترة ما بعد الحرب. وتحكي قصة معاناة إسباني ما بين عام 1808 و1813 اسمه «لويس المودوفا» الذي كان قد تعاون مع المحتل الفرنسي بسبب «حبه لنابليون».
هكذا أراد «موران» أن يقول بأن الفرنسيين كانوا قد اقترفوا في الماضي، مثل الألمان النازيين، جرائم حرب. كما أراد، من خلال «بطله» الإسباني، أن يشير أنه في مثل تلك الفترات المضطربة لا يمكن لأي كان، وحتى الفرد الأكثر تبصراً، أن يخرج «سالماً، ولا تتسخ يداه».
وهذا ما يعبر عنه مؤلف الكتاب بالقول إن المستشار السابق لدى حكومة فيشي ـ أي «بول موران» ـ يريد «إثارة شفقة قارئه حيال الآلام التي قاسى منها العميل الإسباني ـ السابق ـ ذو الإرادة الطيبة وإنما الذي وجد نفسه متورطاً في تلك الحرب القذرة».
بكل الحالات وجدت رواية «موران» الكثير من المصفقين لها في أوساط الكتّاب اليمينيين الفرنسيين. فبعد ثلاثة أشهر فقط من نشرها شوهد «بول موران» برفقة كاتبين شابين «واعدين» آنذاك، في بهو فندق «كريون» الباريسي الشهير، وهما «روجيه نيمييه» و«جاك لوران».
وكان لقاءً «مثمراً» إذ سرعان ما عرفت الصفحات الأدبية في الدوريات المختصة مقالات «ترحّب» بعمل موران «الكبير». وكان ذلك بمثابة «الإعلان» عن عودة «المتعامل السابق» مع النازيين إلى الساحة الأدبية الفرنسية.لم تمر كتابات أولئك الكتاب اليمينيين دون أن يلحظها أحد، وإنما أثارت نقاشاً ووصل بالبعض إلى وصفهم أنهم «فاشيون»،
بينما ابتعد عنهم بعض رفاق دربهم من أمثال فرانسوا نوريسييه الذي وصفهم أنهم ينحدرون من «اليمين الفرنسي القديم وتغذيهم النزعات القومية». بكل الأحوال يؤكد مؤلف هذا الكتاب أنهم قد شاركوا بفعالية ووعي بعملية «تبييض» صفحة أولئك الذين كانوا قد تعاونوا مع النازية، أي «الخاسرين تاريخياً».
وما يؤكده المؤلف هو أن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت تشكّل تيار أدبي يميني مع «نواة صلبة» حول أديبين كبيرين، سناً وشهرة، هما بول موران وجاك شاردون ، وهذا ما يطلق عليه تسمية «اليمين الجديد» الذي ربط بينه «ميثاق حديدي» وكان قد عرف بداياته قبل الحرب العالمية الثانية واستمر خلالها ولم يتردد في الاستمرار بعدائيته حيال كتّاب تقدميين من أمثال جان بول سارتر وأندريه مالرو، وغيرهما، وضد الخط الذي انتهجته مجلة «الأزمنة الحديثة» التي أسسها سارتر نفسه.
وكان النقاش الدائر يتجاوز حدود الأدب إلى السياسة «الموقف من الاحتلال والانتماء الطبقي حيث لم يتردد «التقدميون» في الإشارة إلى صورة لـ «بول موران» وهو وراء مقود سيارته المرسيدس ـ 200 عام 1958 التي لم يكن يمتلكها في العالم آنذاك سوى 1400 شخص من بينهم شاه إيران السابق والممثل الأميركي الشهير آنذاك طوني كورتيس. أما «موران» ذاته فقد وصف فترة 1957ـ 1967 أنها كانت «فترة هادئة وسعيدة» في حياته.
وبتاريخ 2 مايو 1968 عندما كان الطلبة «الثائرون» ينشرون العلم الأحمر على جامعة السوربون ومسرح «الأوديون» الذي عمّدوه باسم «مسرح الشعب» وعلى جمعية أهل الأدب، ويرفعون شعارات «ابدعوا» و«تحابّوا»، كان بول موران وحشد من الكتّاب اليمينيين يجتمعون على الضفة الأخرى من نهر السين، للاحتفال بمنح جائزة أدبية كان قد جرى تأسيسها عام 1963 لتكريم «روجيه نيمييه» بعد وفاته.
وكان ذلك بمثابة دليل واضح على الانقسام الهائل في عالم الأدب والفكر الفرنسيين آنذاك بين أولئك الذين كانوا وراء الحواجز أو في عداد المتظاهرين الذين يواجهون رجال شرطة حكومة ديغول وبين أولئك الذين كانوا يتناولون كؤوس «الشمبانيا».
وبتاريخ 16 أغسطس 1971 كتب بول موران في يومياته: «إنني أعيد قراءة ملف رسائلي لسنوات الخمسينات والستينات، ويدهشني هذا الكم الكبير من رسائل الصداقة (...). لم أعد في عداد جيل الشباب، ونيمييه لم يعد حياً كي يدفعني إلى المقدمة، وكذلك شاردون. وها أنا ما أزال وحيداً على أريكتي المذهّبة مثل توت عنخ آمون».
*الكتاب:الكبريت والعفن اليمين الأدبي بعد عام 1945
*الناشر: بيران ـ باريس 2006
*الصفحات:236 صفحة من القطع المتوسط
Le soufre et le moisi
la droite littéraire après 1945
François Dufay
Perrin- Paris 2006
p.236
