مؤلف هذا الكتاب، أو بالأحرى المشرف العام عليه، هو البروفيسور ميكائيل بونير أحد كبار المختصين بتاريخ الإمبراطورية البيزنطية وعلاقاتها بالعالم الإسلامي. وقد شاركه في التأليف العديد من الاختصاصيين. ويقدم الكتاب إضاءات تاريخية متعددة عن كيفية ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي ثم انتشاره السريع في شتى الأقطار التي كانت خاضعة إما للإمبراطورية الفارسية كالعراق وإيران وسواهما، وإما للإمبراطورية البيزنطية كسوريا وفلسطين وبلاد الشام عموماً بالإضافة إلى مصر، الخ.

ويقول المؤلف بما معناه: عندما ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية كانت الإمبراطوريتان الفارسية والبيزنطية قد أنهكتا نفسيهما في حروب مدمرة. وهناك أطروحتان تفسران سبب الانتشار السريع للدين الجديد. الأولى دينية وهي تقول ان الحماسة الإيمانية للمسلمين الأوائل هي سبب هذا النجاح. فقد كانوا مفعمين بالإيمان وبحب رسول الله (ص) والمبادئ المثالية والأخلاقية التي رباهم عليها. ولذلك اندفعوا بكل حماسة خارج الجزيرة العربية لفتح مصر وسوريا وفلسطين والعراق وبلاد فارس، الخ.

ولم تستطع حتى الإمبراطوريات الكبرى أن تواجههم أو تقف في وجههم لأن الإيمان كان ينقصها. أما المسلمون فكانوا يشعرون بأنهم يحملون رسالة جديدة إلى البشرية قاطبة. وكانوا مستعدين للتضحية بالغالي والنفيس من أجلها. ولهذا السبب نجحوا وانتشر الإسلام بسرعة البرق في مناطق شاسعة واسعة.

يضاف إلى ذلك أن سكان البلاد المفتوحة كانوا قد ضاقوا ذرعاً بهيمنة بيزنطة عليهم وفرض الضرائب المرهقة وقمعها لهم لأنهم ينتمون إلى مذهب مسيحي آخر غير مذهبها. ولذلك فإن المسيحيين العرب وغير العرب في سوريا وفلسطين ومصر وسواها استقبلوا العرب الفاتحين بالترحاب لأنهم يخلصونهم من حكم بيزنطة والرومان حتى ولو كانوا (أي العرب) ينتمون إلى دين آخر غير دينهم. وهذا يعني أن الإسلام لم ينتشر بالسيف والعنف كما يقولون وإنما انتشر بالإيمان والإقناع.

وهناك أطروحة ثانية تقول ان العرب البدو الذين خرجوا من شبه الجزيرة العربية وهم يحملون راية الإسلام كانوا مدفوعين أيضاً بدوافع أخرى غير روحية كحب الغنيمة مثلاً أو الثروة. وهذا شيء وارد لدى البعض ولكنه لم يكن العامل الحاسم في الفتوحات. فلا ريب في أن بلاد سوريا وفلسطين والعراق ومصر وفارس كانت أكثر خصوبة من بلاد الصحراء القاحلة في الجزيرة العربية.

ولا ريب في أن البعض كانت تغريهم السيطرة على بلدان خضراء مليئة بالمزارع والخيرات وتشبه الجنات كبلاد الشام. ويمكن القول ان كلا العاملين لعب دوره في سرعة الفتوحات وانتشارها المذهل. ففي ظرف سنوات معدودات استطاع العرب المسلمون أن يسيطروا على مناطق هائلة ما كانوا يحلمون بها قبل ذلك.

يضاف إلى ذلك أن العرب المسلمين كانوا محظوظين لأن قيادتهم كانت حكيمة وكبيرة. فالخلفاء الراشدون وبخاصة أبي بكر وعمر بن الخطاب ما كانوا يفكرون بالمغانم المادية أو امتلاك الثروات الطائلة. وإنما كانوا يكرسون كل جهدهم لنشر تعاليم الإسلام والدين الحنيف.

وبالتالي فهناك عدة عوامل تجمعت وتضافرت وأدت إلى نجاح الفتوحات العربية الإسلامية وانتشار الإسلام على حساب بيزنطة المسيحية أو فارس المزدكية والزرادشتية.

ثم يردف المؤلف قائلاً: يضاف إلى ذلك أن العديد من العرب كانوا يعيشون في سوريا وفلسطين. وكانوا على علاقات طيبة مع عرب الجزيرة العربية حتى قبل ظهور الإسلام. فالتجارة بين الطرفين كانت شائعة منذ زمن طويل عن طريق القوافل. ولهذا السبب فإنهم استقبلوا العرب الفاتحين بالترحاب على الرغم من اختلاف الدين كما قلنا.

ويمكن القول ان العلاقات الأولى بين العرب والبيزنطيين كانت عن طريق المعارك والحروب قبل أن تصبح عن طريق السفارات والدبلوماسيات إذا جاز التعبير. وقد ظلت عموماً متوترة وصدامية حتى انتصر المسلمون كلياً على الروم وسقطت القسطنطينية في أيديهم وانتهت الإمبراطورية البيزنطية تماماً.

وكانت أول معركة ضخمة وحاسمة بين الطرفين هي معركة اليرموك التي جرت عام 636م وأدت إلى سحق الجيش البيزنطي. وبعدئذ راح العرب المسلمون يتقدمون في أراضي الإمبراطورية البيزنطية ويفتحونها الواحدة بعد الأخرى. وكان بطل هذه الفتوحات غير المنازع هو خالد بن الوليد فيما يخص سوريا وفلسطين، وعمرو بن العاص فيما يخص مصر.

ثم يردف المؤلف قائلاً:وفيما يخص مصر فقد حصل شيء مشابه أيضاً. فالسكان كانوا أقباطاً وينتمون إلى مذهب مسيحي مختلف عن مذهب الإمبراطورية البيزنطية في القسطنطينية. وكانت هذه الإمبراطورية تقمعهم وتريد منهم أن يغيروا مذهبهم ويعتنقوا المذهب الرسمي الغالب، أي المذهب الأرثوذكسي. ولكنهم رفضوا.

ولذلك حصل كره بين الطرفين، وبالإضافة إلى هذا السبب الديني كانت هناك أسباب مادية. فالقسطنطينية كانت تفرض على الأقباط ضرائب باهظة مثلما كانت تفعل مع السوريين. ولذلك تذمروا منها وكرهوها وتمنوا زوالها. ولهذا السبب فلم يدافعوا عنها عندما هجم الفاتحون العرب على مصر.

وبالتالي فهناك أسباب موضوعية لنجاح الفتح العربي الإسلامي ولا يمكن القول ان الإسلام انتشر عن طريق العنف أو بحد السيف.والواقع أن المسلمين لم يرتكبوا المجازر في حق الشعوب المفتوحة كما تفعل الجيوش الغازية عادة. وحدها الجيوش المعادية لهم والتي كانت تحاربهم دفعت الثمن.

أما السكان المدنيون فقد كانت حياتهم مصانة من قبل المسلمين. ولم يجبر على اعتناق الإسلام إلا الوثنيون. أما أهل الكتاب من يهود ومسيحيين فقد سمحوا لهم بالبقاء على دينهم وممارسة طقوسهم وشعائرهم بشرط دفع ضريبة معينة تدعى الجزية. وأضيف إلى أهل الكتاب أتباع الديانة الصابئية والزرادشتية أو المجوس.

ثم يردف المؤلف قائلاً: منذ أن فتح المسلمون سوريا واستقروا فيها كانوا قد أصبحوا على حدود بيزنطة. وكانت تفصل بين الطرفين عقبات جغرافية أو طبيعية ضخمة هي: جبال طوروس. وهذه الجبال هي التي أعاقت تقدم المسلمين ومنعتهم من تحقيق هذا الحلم لمدة عدة قرون.لا ريب في أن الغارات أو الغزوات كانت متواصلة من حين إلى حين.

وقد سجلت كتب الأدب والتاريخ حروب سيف الدولة الحمداني ضد الروم أو البيزنطيين. وخلّد المتنبي هذه المعارك بقصائد مشهورة. وكذلك فعل أبو فراس الحمداني الذي وقع في الأسر سنوات طويلة حيث كتب رومياته الخالدة. ولكن العرب لم يستطيعوا فتح القسطنطينية على الرغم من كل المحاولات.

وكان ينبغي أن ننتظر مجيء الأتراك والخلافة العثمانية لكي يتحقق هذا الحلم الكبير. وبالفعل فقد سقطت القسطنطينية في أيديهم بعد أن حاصروها لفترة طويلة وأنهكوها بالحصار وقطعوا عنها المؤونة والاتصال بالعالم الخارجي. وكان ذلك عام 1453 م.

*الكتاب:العلاقات العربية ـ البيزنطية في العصور الإسلامية الأولى

*الناشر: فاريوروم ـ لندن، نيويورك 2005

*الصفحات :465 صفحة من القطع المتوسط

Arab-Byzantine relations in early islamic times

Michael Bonner

Variurum- London- New York 2005

P.465