مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب اللبناني إسكندر نجار الذي صعد نجمه في الآونة الأخيرة بعد أن أصدر عدة كتب لفتت الانتباه فعلاً. وهو روائي وباحث أكاديمي وشاعر مسرحي في آن معاً! وبالتالي فقد جمع مجد الكتابة من كل أطرافه. وربما كان قد أصبح المنافس الأساسي لأمين معلوف من حيث الكتابة باللغة الفرنسية.
فهو يسيطر عليها سيطرة كاملة ويتحلى بأسلوب رائع يعرفه كل من يستطيع أن يتذوق لغة موليير وفولتير. من كتبه السابقة نذكر كتابه عن جبران خليل جبران (2002) ثم عن ديغول وعلاقته بلبنان (20022004)، وكذلك كتابه: مدرسة الحرب، وأخيراً كتابه: رواية بيروت الذي هو بين أيدينا الآن. وهو عبارة عن قصة مشوقة لهذه المدينة على مدار أكثر من قرن ونصف. والواقع أن الكاتب يجعلنا نعيش حكاية هذه المدينة الخالدة على مدار ثلاثة أجيال لعائلة لبنانية واحدة هي عائلة روكز: أي جيل الجد، وجيل الأب، وجيل الحفيد فيليب الذي يسرد القصة من أولها إلى آخرها. أو قل ان الكاتب يسرد القصة على لسانه. وعن طريق هذا السرد المتعدد الأوجه نكتشف تاريخ بيروت السياسي، والديني، والاجتماعي، والصحافي، والثقافي على مدار القرنين التاسع عشر والعشرين.
الكتاب مليء بالتشويق والحلقات المتتابعة على مدار السنوات ويقرأ من أوله إلى آخره دون توقف وبنفس الدرجة من المتعة والاهتمام، وإن كانت الصفحات الأخيرة تبدو أقل إثارة وأهمية على الرغم من أنها تتحدث عن آخر الوقائع.
ينقسم الكتاب إلى مقدمة وخاتمة وما بينهما سبعة فصول. وكل فصل يتفرع إلى عدة فقرات. الفصل الأول مثلاً يتحدث عن ثورة طانيوس شاهين عام 1958: أي ثورة الفلاحين على الإقطاع ممثلاً بآل الخازن في جبل لبنان، وفي منطقة كسروان على وجه الخصوص. ومعلوم أنها كانت من أولى الثورات في المنطقة العربية. وهنا ينتهي دور الجد لكي يبتدئ دور الأب.
ولذا فالفصل الثاني يتحدث عن ثورة أخرى أعم وأشمل: وهي ثورة بيروت والعرب عموماً على العثمانيين الأتراك من أجل التحرر من نير استعمارهم الذي دام أربعة قرون على الأقل. وهنا يتحدث المؤلف عن شنق القادة اللبنانيين والسوريين الأحرار عام 1916 من قبل جمال باشا السفاح. ومعلوم أن شنقهم كان بداية النهاية بالنسبة للعثمانيين وأن دمهم لم يذهب هدراً كما يقال.
وقد حصل ذلك في ساحة المدفع، أو ساحة البرج، أو ساحة الشهداء، سمها ما شئت. وهذه الساحة تمثل «بطل الرواية» من حيث المكان. فهي مركز العاصمة ومركز لبنان، وهي التي شهدت الأحداث الجسام. والشعب اللبناني بكل طوائفه ومذاهبه يتمحور حولها.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن ولادة فيليب بطل الرواية مباشرة بعد نهاية الاحتلال العثماني البغيض للبنان وسوريا وكل المنطقة العربية. وبالتالي فقد ولد في لحظة تشكل منعطفاً تاريخياً: أي لحظة انهيار الإمبراطورية العثمانية وحلول الإمبراطوريات الأوروبية وبخاصة الفرنسية والإنجليزية محلها. إنها صفحة تطوى وصفحة تبتدئ في تاريخ لبنان.
ولا يعدم الكاتب أن يتناول الجانب الديني أثناء العرض، بل أنه يبني روايته كلها تقريباً على العلاقات التي نشأت بين عائلة مسيحية مارونية وعائلة مسلمة سنية في ساحة المدفع بالذات. فقد صدف أن جاءت العائلة المسلمة وسكنت في نفس البناية التي كانت تسكنها عائلة روكز والمطلة على الساحة الشهيرة ساحة المدفع. كعلاقات معقدة قائمة على الخوف في البداية ثم انتهت بشكل سعيد وإيجابي عن طريق التزاوج بين العائلتين. ففيليب بطل العائلة تزوج نور بنت العائلة المسلمة. ولكن ذلك لم يتم دون عراقيل ضخمة ومخاطر.
فاجتياز الحواجز والأسوار الطائفية أمر صعب جداً في المجتمع المشرقي لبنانياً كان أم غير لبناني. هنا نلاحظ أن المؤلف يقدم صورة مقنعة عن الطائفية، أي صورة واقعية جداً وليست كاذبة على الطريقة الإيديولوجية السائدة في الخطاب العربي المعاصر. انظر الخطاب القومجي العمومي الفارغ.
هنا يبدو المؤلف بارعاً جداً في تصوير عادات المجتمع اللبناني وتقاليده والأحكام السلبية المسبقة التي تفصل بين أبنائه وتؤدي إلى الحروب الأهلية في كل مرة (1840-1860-1975). ولكن هذا المجتمع يستطيع تجاوز انقساماته الطائفية والمذهبية بقدرة قادر. وعلى هذا النحو ينطلق لبنان انطلاقة جديدة على الرغم من كل الآلام والجراح. ومن يستطيع أن يتخيل حجم آلام لبنان؟ على هذا النحو يتجدد كطائر الفينيق الذي ينبعث مرة أخرى.
الفصل الثالث من هذه الرواية التي يختلط فيها الخيال بالواقع إلى درجة أنه يصعب التمييز بينهما يحمل العنوان التالي: لبنان الكبير. وهنا يروي المؤلف سيرة الوقائع التي حصلت في بيروت ولبنان إبان الانتداب الفرنسي. ومعلوم أن هذا الانتداب هو الذي شكل لبنان الكبير بصيغته الحالية.
أما الفصل الرابع فيتحدث عن النضال من أجل الاستقلال ونيل هذا الاستقلال في نهاية المطاف. وكما أن لبنان دفع ثمن تحرره من نير العثمانيين فإنه لم يتردد عن دفع ثمن تحرره مرة أخرى من نير الفرنسيين. وهنا نجد صورة شخصية (بورتريه) للشيخ بيير الجميل، مؤسس حزب الكتائب عندما كان منخرطاً في الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي.
وبالتالي فالرواية لا تتردد عن تسمية الأشخاص بأسمائهم أحياناً. ولهذا السبب يمكن القول انها رواية تاريخية: أي تخلط بين التاريخ الواقعي المحسوس والخيال. وهناك صور (أو بورتريهات) للقادة الوطنيين الآخرين من كل الأطراف والجهات. وعلى الرغم من أن الجميل وسواه عديدين أصبحوا يمينيين جداً لاحقاً إلا أنهم كانوا في البداية ضد الاستعمار ويناضلون من أجل الاستقلال.
وهناك صور أو بورتريهات لقادة الصحافة والفكر والشعر في لبنان: كغسان التويني، ونزار قباني، وأدونيس، ومحمود درويش، الخ. وبالتالي فالمؤلف يتبع طريقة جديدة في الكتابة الروائية: هي الطريقة المباشرة وتسمية الشخصيات بأسمائها الحقيقية لا بأسماء مقنعة. وقد خلع ذلك على الرواية الكثير من الجاذبية والمصداقية.
إن الفصل الخامس من الكتاب يتحدث عن الفترة الناعمة الحلوة من تاريخ لبنان: أي تلك الممتدة منذ الاستقلال وحتى بداية الحرب الأهلية اللبنانية (1943-1975). هذا في حين أن الفصل السادس مكرس لفترة الحرب الأهلية السوداء المدمرة (1975-1990). ولذلك فإنه يحمل عنوان: تراجيديا أو مأساة (أو حتى تراجيديات ومآسي بالجمع).
أما الفصل السابع والأخير فيتحدث عن فترة السلام التي تلت الحرب الأهلية اللبنانية من عام 1990 إلى عام 2004 أو حتى مشارف 2005. وعندئذ ابتدأت بيروت تضمد جراحها وتبني نفسها من جديد.
هذا هو المخطط العام للرواية من أولها إلى آخرها. ولكن عرضه بهذه الطريقة المبترة والسريعة لا يكفي بالطبع للكشف عن غنى الرواية وعمقها ومختلف أبعادها، وبالتالي فلا بد من قراءتها لمعرفة أهميتها الفنية والأدبية والفكرية إن لم نقل الفلسفية في نهاية المطاف. إنها عبارة عن وثيقة تاريخية- فنية لمرحلة من أخطر مراحل تاريخ لبنان، وثيقة لا تقدر بثمن.
*الكتاب: رواية بيروت
*الناشر:بلون ـ باريس 2005
*الصفحات:375 صفحة من القطع الكبير
Le roman de Beyrouth
Alexandre Najjar
Plon-Paris 2006
p. 375

