منذ وقت طويل، كانت الروائية الأميركية كلير ميسود تشعر بالارتياح في نطاق عملها الروائي، الذي أنجزت فيه روايات عدة ابتداء من روايتها الأولى «عندما كان العالم مستقراً» الصادرة قبل اثني عشر عاماً، حيث مضت تكتب بدقة ومرح وتدير أكواناً بأسرها كأنها تدير أطباقاً. غير أن روايتها الجديدة «أبناء الإمبراطور» هي أول رواية كتبتها عن الأميركيين داخل أميركا، حيث تدور حول ثلاثة أصدقاء تعود صداقتهم إلى أيام الدراسة الجامعية، وهم الآن في الثلاثين من أعمارهم.
هناك أولاً مارينا التي تعيش في ظل أبيها الصحافي الناجح، وهناك دانييل التي تفوق مارينا في الذكاء واللماحية لكنها تقل عنها في الجسارة والجرأة والتي تدخل في صلات وعلاقات معقدة مع عائلة مارينا، وهناك جوليوس الناقد الأدبي الذي يميل إلى تخريب ذاته. وعلى هوامش هذه المجموعة من الأصدقاء هناك بوتي ابن عم مارينا، الذي يصل من الأقاليم مفعماً بالآمال، ويقدم بعضاً من أكثر لحظات الرواية إثارة للشعور بالصدمة.
تدور أحداث الرواية عام 2001، وبحلول شهر سبتمبر من ذلك العام تجد شخصيات الرواية نفسها في مواقف ما كان بوسعها أن تتنبأ بها قط. ويلفت نظرنا في هذه الصدد أن الروائية كلير ميسود تقول لصحيفة «الأوبزرفر» بعد الإشارة إلى أن أبطال الرواية في الثلاثين من أعمارهم بينما هي في الأربعين من عمرها: «لقد أردت أن أكتب عن الحياة التي كان يمكن أن أعيشها.
فهناك وقت في حوالي الثلاثين من العمر عندما تحدث نفسك: لقد انقضت عشرينياتك، والآن قد كبرت حقاً، ويتعين عليك أن تخمن ما الذي أنت بسبيلك للقيام به؟ لقد أردت الكتابة عن ذلك، وعن لحظة تاريخية محددة، وليس عن لحظة تاريخية متألقة للغاية. ما الذي يعنيه أن يكون شيء ما مهماً أو له مغزاه في التسعينات؟ إنك طموح، ولكن إلام تطمح؟».
وتقول الناقدة البريطانية جابي وود، في إشارة لماحة، إن هناك كتابين داخل رواية ميسود الجديدة، وكل منهما لم يكتب في الجانب الأعظم منه، وهما طلمسانيان في مغزاهما، أحدهما هو كتاب حياة والد مارينا، كتاب بعنوان «كيف تحيا»، والثاني هو الجهد الذي تبذله مارينا فيما يتعلق بالتاريخ الثقافي، والذي يحمل عنوان «أبناء الإمبراطور ليست لهم ملابس»، والذي يستهدف النظر إلى المجتمع من خلال ملابس الأطفال. وليس من الواضح مدى عمق رؤية مارينا، غير أن ميسود تعترض طريق هذه الرؤية بأخذ جانب من عنوانها عنواناً لروايتها.
وهؤلاء الأصدقاء الطموحون في الرواية يبحث كل منهم، بطرق مختلفة، عن الشهرة والحب والإثارة. وكلهم حريص بصورة يائسة على ألا يؤخذ على أنه «شخص عادي». والنتيجة هي رواية فذة. وتنسج ميسود خيوط روايتها معاً بصورة محكمة، راسمة ملامح شخصياتها بحذق ولماحية، وجاعلة مصائرهم تبدو طوال جانب كبير من الرواية بعيدة عن اليقين وفي نهاية المطاف مضيئة ومدهشة على الصعيد الأخلاقي.
وفي غمار ذلك تقدم لنا ميسود كوميديا أخلاقية وعملاً ساحراً عن تناقضات الحياة الصحافية وتصوير الطموح في غير موضعه ودراما متفحصة حول حياة حضرية مليئة بالفوضى والاضطراب.
والأبطال الثلاثة الذين يبرزون في غمار هذا النسيج الروائي المركب عند منعطف الثلاثينات من أعمارهم يحاولون التوصل إلى إجابات عن الأسئلة الأكثر أهمية التي تؤرقهم والتي تدور حول الحب، العمل، الالتزام، وهم يسكنون هوامش عالم الأدب والإعلام والفنون في مانهاتن، ويجدون أنفسهم أبعد ما يكونون عن التأكد من كيفية ضبط المعادلة بين الصرامة الأخلاقية والنجاح.
وميسود ترسم ملامح هذا العالم الروائي كفنان تشكيلي ينجز لوحاته بضربات فرشاة سريعة وقوية وواثقة من اقتدارها، وهي توفق إلى حد كبير في تصوير شخصياتها من الداخل، ومن دون أن تطلعنا على ادعاءات هذه الشخصيات ونقاط ضعفها وأوهامها، حتى وهي تشدد على أشواق هذه الشخصيات وطموحاتها ومخاوفها.
والمؤلفة تستخدم قصص هذه الشخصيات لتستكشف المسائل المتعلقة بكيفية بلورة المرء لهوية قائمة بذاتها تحت مظلة عائلة قوية، المسائل المتعلقة بالكيفيات التي يضفي بها الناس الطابع الأسطوري على حياتهم وحياة من يحبونهم. وهي تنتقل في هذا الصدد بسهولة واقتدار بين الكوميدي والتراجيدي، بين الساخر والإنساني.
ويلفت نظرنا في هذا الصدد قراءة مطبوعة «نيويورك تايمز بوك ريفيو» لهذه الرواية، حيث تشير في معرض التعقيب عليها إلى إننا نجد أنفسنا مع هذا العمل حيال مستويين، فعلى السطح نحن أمام رواية لاذعة الملاحظة حيال واجهات الطبقة المولعة بالثرثرة في نيويورك بكل قصص حبها وطموحاتها وخياناتها الصغيرة، ولكن على مستوى أعمق تدور الرواية حول صدام شامل في القيم وحول شهادة معمقة على قوة الخيال الإنساني».
وتقول «واشنطن بوست بوك ورلد» إن رواية ميسود الجديدة تعد فرصة لولوج عالم يتألق فيه كل شيء باللماحية، مثلما السير نحو ثلج تساقط مبكرا، فهو منعش وشديد الجاذبية وبالغ الخطورة. وربما كانت السمة الأكثر تألقاً في كتابات ميسود هو مزيجها المدهش من النضج والمرح.
أما «نيوورك أوبزرفر» فهي تنظر إلى رواية ميسود باعتبارها عند أحد مستوياتها رواية تاريخية، فالقارئ يتوقع أن يفتح هذا الكتاب، وهو يعرف هؤلاء الأبطال الذين ينطلقون نحو الثلاثين من أعمارهم وهم يتوقون إلى أن يكونوا نجوماً في إعلام الساحل الشرقي ودوائره الثقافية، وهم يطورون توقعاتهم باستحقاقهم لذلك عندما وصلوا إلى النضج في التسعينات من القرن العشرين، وهو عقد كان حافلاً بالمجلات الجديدة وعمليات تجديد المطبوعات القديمة.
وتركز مجلة «لوس انجلوس ويكلي» على الجانب الخفيف والكوميدي في الرواية، فتصفها بأنها كوميديا أخطاء هائلة، طموحة، ومعاصرة ويمكن للقارئ الانطلاق فيها بيسر واستمتاع في كل صفحة من صفحاتها. وتقول «وول ستريت جورنال» إن ميسود قد أنجزت عملاً كوميدياً رائعا، حافلاً بالسخرية من الصحافة والطموح الذي وضع في غير موضعه، وإن كان ذلك لا يلغي إمكانية أن يجد فيها القارئ عملاً درامياً معمقاً وموجعاً حول حياة أشخاص يعيشون في عالم حضري مضرب.
وترى مجلة «فيلج فويس» في هذه الرواية عملاً مؤثر يدور حول طموحات متصادمة وولاءات متصارعة وعلاقات حب وكراهية، فيما الشخصيات تمضي نحو ذلك اليوم الرهيب من أيام سبتمبر، على حين ينطلق السرد إلى ما يتجاوز السخرية الاجتماعية وصولاً إلى مادة مؤثرة على نحو يصل إلى حد التنويم المغناطيسي. هكذا فإنه على الرغم من أن هناك اجماعاً شبه كلي في دوائر النقد على ساحلي الأطلسي على أن رواية ميسود هي عمل يعيد الرواية إلى عصرها الذهبي.
إلا أن بعض القراء قد يرون أن الروائية أهدرت فرصة حقيقية للتعامل الجاد والرصين مع صدمة سبتمبر وتأثيرها على أبناء نيويورك، حيث اتخذت من البداية قراراً بالتركيز على الفترة المفضية إلى هذا اليوم الرهيب، وليس على الاقتراب من بصمته على حياة المدينة.
عزيزاتي.. مرحباً!
«عزيزاتي! مرحباً بكن! ولابد أنك دانيل؟». بدت رشيقة، صغيرة الجرم، وقد جعل الكحل عينيها النجلاوين واسعتين حقاً، وعلى الرغم من شبه لوسي ليفريت بفقمة صغيرة، فقد أحدثت صوتاً خشناً على نحو مؤثر. تدلي قرطاها المروحيان على جيدها، وهي تميل لتقبيل كل منهن، ودانييل أيضاً، وعلى الرغم من أنها أمسكت بسيجارتها في مبسمها المصنوع من عرق اللؤلؤ على امتداد ذراعها، فإن دخانها قد انتشر بينهما، وجلب الدموع إلى عيني دانييل.
«تفضلن، يا عزيزاتي، تفضلن!». تحركت لوسي وراءهن، ومضت بالثلاثي إلى الحفل. كانت غرفة معيشة آل ليفريت ذات لون ارجواني قاتم، ونوافذها مزينة بالجوخ. ومن السقف تدلت ثريا من الحديد الزهر وحشية المظهر كأنها شيء منتشل من قلعة تنتهي إلى القرون الوسطى. تجمع ثلاثة رجال إلى جوار النافذة المطلة على الخليج، وانغمسوا في الحديث فيما بينهم، وهم يحدقون في الشارع وقد تألقت أقداح مشروباتهم في ضوء المساء المنعكس».
مقتطف من رواية «أبناء الإمبراطور»
*الكتاب: أبناء الإمبراطور
*الناشر:بيكادور ـ لندن 2002
*الصفحات:320 صفحة من القطع المتوسط
the Emperor Children's
Claire Messud Picador, London, 2006
P.320
