عباس كياروستامي هو واحد من أبرز المخرجين في السينما العالمية المعاصرة، استطاع بفضل أفلامه الرزينة أن يضع الفيلم الإيراني على خارطة السينما العالمية. ولئن شاهدنا الكثير من أفلام كياروستامي العديدة، لاحظنا انه يطبق ما يقوله بأن السينما التي سوف تدوم لفترة أطول هي السينما الشعرية،
لا السينما التي تروي قصصا فحسب، فالقصة تقرأ ويفهم مغزاها، اما القصائد فيمكن تأويلها في اكثر من اتجاه، كل قصيدة تكون «بيتا بمنازل كثيرة» او القصيدة مسكن لغاتها وصورها الكثيرة في الخفاء، اذ يبين من خلالها الواقع العدمي للعابرين في الارض. كياروستامي المدهش والثاقب والفيلسوف في نظرته الى الاشياء، لم يكتف ان يكون سينمائيا فحسب، بل اثر ان يكون رساما ايضا، شاعرا ايضا، اذ نقلت شيرين باسا الى العربية مجموعته «مع الريح»، بلغة تتسم بالبساطة والصدق والدقة والرقة، يحاكي من خلالها الوجدان والعقل من دون انفعال او استعراض لغوي، ومن وراء نظرة في الأفق البعيد يقول: «يتساقط الثلج،يتساقط الثلج،يتساقط الثلج، ينتهي النهار، يتساقط الثلج، في الليل...، أثر قدم عابر في الثلج، كان قد ذهب الى عمل ما؟، أسيعود، من هذا الطريق؟، المقبرة، كلها،مغطاة بالثلج». وما يكتنف الثلج هو لغة البياض التي ترمز الى المرض وولادة والموت والزوال.
وعلى رغم بساطة شعر كياروستامي فهو مثل «الهايكو» الياباني، يصعب الامساك به، في كل نقرأه يكون لدينا فهم مختلف له، بحسب وضعنا وحالتنا اثناء القراءة. وهو استمرار طبيعي مكمل لطريقة عمله في المجال السينمائي، فجمال الصورة وتكوينها الشعري هو الأساس، وفي النهاية الشعر هو صورة، والصورة في السينما تجعل المرء كما لو أنه يقرأ قصيدة أو كما أنه ينظر إلى لوحة مفعمة بالإيحاءات الشعرية.
وعدا مكنون الروح السينمائية في شعر كياروستامي فهو شبيه بالخسروانيات (الشعر الفارسي قبل الاسلام) من ناحية الشكل، وبشطحات الصوفيين لناحية المضمون، لكنه يحاكي الأرض وحكايتها لا السماء وغيبها، كما يستنتج بعض النقاد. كثيرون يشبهونه بـ «الهايكو» الياباني الذي يرصد الحياة، الرصد الخالص، والصافي، والمتحد مع موضوعه. وهذا(الهايكو) النموذج الخاص من الشعر بالنسبة للمخرج الروسي الراحل اندريه تاركوفسكي اقرب إلى حقيقة السينما، مع فرق ان الشعر يستخدم الكلمات تحديدا، بينما الفيلم يولد من رصد مباشر للحياة.
لا يرصد كياروستامي الحياة فحسب، بل مراياها المقعرة بالتأويلات والرموز والالغاز التي تحيط بها، فهو ابن الادب والسينما والصورة وهو ابن الارض وحكاية الحياة فيها(...) كما يقول مرتضى كاخي في مقدمة الكتاب، فالارض يتجسد فيها الحضور والغياب، والمصير السيزيفي للعابرين فيها، فحتى الزهرة «تبرعمت، أزهرت، ذبلت،سقطت، ولم يرها احد».
قصائد كياروستامي لقطة «هايكوية» (نسبة الى الهايكو)، تختصر فيلما سينمائيا، يقول: «الريح، تفتح، الباب العتيق، عشرات المرات، والباب العتيق يئن...»، «الفراشات تدور حول نفسها، بلا هدف، تحت شمس الربيع الدافئة»، «العنكبوت، يترك العمل، للحظة، لمشاهدة شروق الشمس»، «أزهار عباد الشمس، رؤوسها تتضامن، اثناء هطول المطر الشديد»،«النحل، يدهشه، عطر زهرة مجهولة»، «السنابل اليانعة، تخفي رؤوسها، خوفا من الريح، ام من المنجل؟».
«زلزال، دمر حتى مخزن حبوب النمل»، «نتاج يومين، من عمل العنكبوت، ينهدم، بمكنسة الخادم العجوز!» هكذا كيروستامي في الشعر كما في السينما يحاكي الطبيعة والاشياء العابرة لا تنفصل عن محاكاة الذات واحوالها: «لقد اتيت مع الريح...»، والآتي مع الريح يذهب معها، ولا يترك أثرا ربما، في أن يكون محكوما بالعزلة وطقوسها: «اتي وحيدا، اشرب وحيدا، اضحك وحيدا، ابكي وحيدا،اذهب وحيدا».
في قصائد كياروستامي نستنبط المعاني الكثيفة التي تصب في سؤال الوجود والعدم، الكينونة والنسيان، البقاء والزوال... يستحق كياروستامي لقب شاعر ومن دون ان يكتب الشعر، شأنه في ذلك شأن أقرانه تاركوفسكي، وبازوليني، وغودار، كروساوا وغيرهم. فهم سينمائيون ولكنهم شعراء بأسلوبيتهم.
محمد علي الحجيري
* الكتاب: مع الريح
* ترجمة: شيرين بارسا
* الناشر: منشورات دار الكتاب بيروت 2006
* الصفحات: 130 صفحة من القطع المتوسط

