مؤلفة هذا الكتاب، الصادرة ترجمته العربية حديثاً عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء بدعم من وزارة الثقافة المغربية، هي الباحثة الأميركية ماريا روزا مينوكال ذات الأصول الكوبية، أستاذة اللغتين الإسبانية والبرتغالية بجامعة ييل الأميركية والمشرفة على مركز ويتني للدراسات الإنسانية،

والمعروفة على المستوى الدولي بإعادة قراءتها للتاريخ الثقافي والأدبي في الأندلس وبدراساتها القيمة من مثل كتابها «شذرات الحب»، وهو كتاب مستفز عن مصادر الشعر الغنائي بأوروبا احتفى به النقد بشكل كبير. كما نشرت العديد من الكتب في مجالات الأدب والثقافة الوسيطين، وتبين مساهمتها في كتاب «أدب الأندلس»، الذي نشر في سلسلة تاريخ كامبردج للأدب العربي، ما توليه الباحثة من أهمية خاصة لدينامية الاختلاطات الثقافية التي عرفتها الأندلس العربية. أما مترجما هذا الكتاب، المنشور باتفاق خاص مع الناشر الأصلي، فهما الباحثان المغربيان عبد المجيد جحفة ومصطفى جباري الأستاذان الجامعيان بجامعة بن مسيك بالدار البيضاء وأحد مؤسسي مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، اللذان سبق وصدرت لهما مجموعة من الأبحاث والدراسات والترجمات الهامة،

واللذان أعربا في تقديمهما لهذه الترجمة عن إعجابهما بالمجهودات التي بذلتها الباحثة في تتبعها للمصائر المتشعبة لعينات من الذخائر العربية المنقولة من قبل المعربين من اليهود والمسيحيين اللاتينيين في لغات عالمية ومحلية، وإعادة قراءتها للتاريخ الثقافي والأدبي بالأندلس.

وهو ما جعلهما يعتبران هذا الكتاب عملاً تركيبياً للحضارة الأندلسية ومفاجئاً لأنه مختلف عن باقي أعمال المستعربين الذين يغمطون حق الأندلس في المجد الحضاري والإشعاع الذي عرفته أوروبا، والذين عمدوا إلى تعتيم الصورة الحقيقية للإسلام وثقافة التسامح بالأندلس.

فهذا الكتاب، كما يرى مترجماه، «يرصد تاريخ الأندلس العربية من منظور يغاير ما دأبت عليه خطاباتنا التاريخية عن الأندلس وعن إسلامها وعروبتها وثقافاتها ولغاتها. إنه منظر تصر عليه المؤلفة، وهو يتشكل من نظرة الغرب(نوع من الغرب الذي لا يصادر الآخر، ولا ينساق وراء بعض التعميمات المختزلة للثقافة العربية بالأندلس، بل يعترف بها وبمنجزاتها الإنسانية)، ومن نظرة الحاضر، وضرورة الاستفادة من دروس الماضي الثقافية القائمة على التلاقح والتعايش في إطار ثقافة كانت تجمع بدون غضاضة بين المتعارضات، بل ترفعها إلى مصاف التعبير.

وهذا ما سيشكل الإرث المشترك النابع من اتساع الفكر وامتداده ليدرج الآخر المختلف. إنه إرث يجب الوعي به وتغذيته في الحاضر والمستقبل. إن هذا الكتاب، الذي يحمل تصوراً آخر للتاريخ، التاريخ بوصفه بحثاً في الظواهر الحية والمأمولة، وليس بوصفه بحثاً في الظواهر الزائلة، لهو صرخة مدوية في وجه العالم الهمجي المعاصر الذي تلفه الأحادية والأصوليات من كل نوع، وتغلفه الأفكار الإيديولوجية الجاهزة».

فإذا كانت لغة الحنين والفقد لفردوس الأندلس ولمجد البطولات والفتوحات العظيمة السياسية والثقافية والحضارية الآفلة مع غروب شمس الحكم الإسلامي عن الأندلس قد ظلت سائدة في العديد من الدراسات والخطابات للعديد من المسلمين طوال السنوات الماضية وما زال البعض منها مستمراً لحد الآن،

فإن كتاب «الأندلس العربية»، الذي وسمته صاحبته بعنوان أصلي هو «توشيح العالم» اقتداءً بوصف بالشاعرة الألمانية هروتسفيتا للأندلس والصادر عام 2002 بنيويورك، ينصف الثقافة العربية الإسلامية ويقر بدورها الكبير في الإشعاع الذي عرفته الحضارة الإنسانية في أوروبا والعالم بأسره، ويؤكد أن الحداثة الأوروبية تعود في كثير من مظاهرها وأفكارها إلى ما قدمته الأندلس من نموذج حضاري وإنساني في تعايش الديانات السماوية الثلاث في ظل الإسلام الأندلسي والأندلس العربية.

فـ «عقدة الأندلس» التي اصطلح عليها العديد من الدارسين، والتي غالباً ما كانت لا تفرق بين السقوط السياسي وغيره من المجلات الثقافية والحضارية الأخرى، التي ظلت مستمرة ومشعة على الرغم من غروب الحكم الإسلامي العربي بالأندلس، تفككها الباحثة في هذا الكتاب من خلال استعراضها لمجمل ما قدمته الحضارة والثقافة والفكر بالأندلس للإنسانية جمعاء،

وتركيزها على ما قدمه العلماء والمثقفون والمبدعون في ذلك العهد للتاريخ الأدبي والفكري والحضاري بشكل عام، حيث ظلت بصماتهم حاضرة في أوروبا وامتدت إلى الدول الغربية برمتها ووصلت إلى القارة الأميركية. وقد كان للترجمة دور هام في هذا المجال، لأن ما أنجزه العرب في حكم الأندلس من ترجمات استفادت منه أوروبا وساهمت في نقل معالمه بشكل كبير مدرسة طليطلة للترجمة التي أسسها ألفنسو العاشر.

ففي هذا الكتاب الموزع إلى قسمين: الأول بعنوان «بضع كلمات عن مكان استثنائي» والثاني الذي يضم ثمانية عشر مقالاً ويتطرق لمجموعة من المحاور الفرعية، تعيد ماريا روزا مينوكال رسم تاريخ الأندلس العربية بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر الميلاديين اعتماداً على «زخارف بارزة» أو وجوه معروفة من: شعراء، تروبادور، فلاسفة، مثقفين، رجال علم أو سياسة، قصور، مكتبات، حدائق أو جنات كما كانت تسمى، مساجد وكنائس...الخ.

كما تقوم بتصحيح العديد من الأشياء الأساسية برأيها، حيث تقول في توطئة كتابها إن تاريخ الأندلس الحقيقي بدأ مع عبد الرحمن الداخل الذي فر إلى شمال إفريقيا ومنها إلى الأندلس خوفاً من بطش العباسيين الذين نكلوا ببني أمية وأبادوا سلالتهم بعدما استولوا على الحكم وتقلوا مقر الخلافة من دمشق إلى بغداد.

وتوضح الباحثة السياق التاريخي والسياسي الذي هيأ لعبد الرحمن، ذي الأصول البربرية، الظروف لتشكيل إمارته التي ستكون نموذجاً لا مثيل له، حيث سيعيد ميلاد الدولة الأموية التي انقرضت سياسياً في الشرق، وسيسمح بتعايش الديانات والثقافات.

فدخول عبد الرحمن إلى الأندلس كان حدثاً حاسماً، حسب رأي الكاتبة، لأنه سيضع أسس أوروبا على مستوى تدعيم التعايش بين المتناقضات، والحرص على نشر الحوار والسلام والتسامح بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، وبالتالي زرع ثقافة الحريات الدينية أو حرية المعتقد، واستثمار هذا التعدد بشكل إيجابي يخدم الإنسانية جمعاء.

غير أن هذا النموذج الاستثنائي من التعايش بين الديانات الثلاث في الأندلس، ومن التساكن الذي غلب على تجاور القيم الثقافية المتنافرة والمنتمية لشعوب وجماعات إثنية متباينة والإقبال على الثقافة واللغة العربيتين من قبل الجماعات غير العربية، سوف يتوارى وستكبح جماحه مع تصاعد عدم التسامح الديني وظهور الطاعون الأسود وظهور مفهوم النقاء العرقي أو الصفاء الثقافي الذي سيطبع الفترة ما بعد الوسيطية.

إن كتاب «الأندلس العربية» ليس كتاب تاريخ بالمعنى التقليدي، بل هو كتاب، كما جاء في تقديمه، يحاول رسم المسارات الثقافية للأندلس منذ دخول العرب إليها، عبر تصوير شخصيات فاعلة، شخصيات أسست لثقافة الحوار والتسامح وبناء المعنى الاجتماعي للثقافة والإنسان، وعبر تتبع تاريخ بعض المآثر. ويدعو القارئ إلى قراءة مختلفة لتاريخ الأندلس العربي والنظر في تاريخ التأثيرات الثقافية الأوروبية نظرة أخرى، خاصة فيما يرتبط بالعلاقة بين الثقافة العربية والغرب، لأن الأندلس العربية ساهمت بشكل كبير في رسم صورة جديدة للعالم الغربي ووضعت أسسه الثقافية التي كانت منطلق حداثته.

سعيدة شريف

*الكتاب: الأندلس العربية إسلام الحضارة وثقافة التسامح

*ترجمة:عبدالمجيد جحفة ومصطفى جباري

*الناشر: دار توبقال ـ الدار البيضاء 2006

*الصفحات: 226 صفحة من القطع المتوسط