عندما يتأمل المرء طبيعة بيرو من صحرائها الغربية إلى غاباتها المطيرة الشرقية، فإنه لا يملك دفعاً لشعور عارم يجتاحه بأن الواقعية السحرية هنا هي أكثر من قالب للإبداع الأدبي، فهي مغروسة في صميم المشهد الطبيعي البيروفي. وعلى الرغم من أن سواحل بيرو الجنوبية، على سبيل المثال،

لابد لها أن تستقطب المتحمسين للواقعية السحرية بما تحفل به من أسرار وألغاز تدور حول تلك الخطوط التي تأخذ أشكالاً هندسية ورسوماً للحيوانات والنباتات لا يعرف أحد السر في وجودها في قلب هذه الطبيعة القاسية، فإن الكاتبة الروائية ماري أرانا لا تتخذ من صحراء بيرو الغربية ساحة لروايتها «سيلوفان» وإنما تجعل أحداثها تدور في الغابات المطيرة في شرقي البلاد.

على الرغم من ذلك فإن «سيلوفان» تضرب جذورها في ألغاز بيرو التي لا ترحم وفي طموحات بشرها التي تمتد بلا حدود متجاوزة كل الآفاق. بطل «سيلوفان» هو المهندس العجوز دون فيكتور سوبريفيلا بانياغوا، الذي تسيطر عليه رغبة عارمة إلى حد الهوس في بناء مصنع لإنتاج السيلوفان على ضفة نهر أوكايالي.

وهو تحقيقاً لهذه الغاية يمضي بعائلته الممتدة من مدينة ترويغلو الساحلية قاصداً هذه الأرض الداخلية الوعرة، وذلك بتأثير نبوءة طرحت عندما كان طفلاً وقيل في إطارها: «حذار! هناك من يعتقدون أنك حالم. لا تكترث بهم فهم صغار العقول وتحركهم دوافع مشكوك في أمرها»، هكذا فإنه يمضي ليحقق مصيره وليلاقي قدره، فينشئ مزرعة يسميها فلوراليندا أي «الزهور الجميلة» في «برية من طين.

تمضي النسوة من أقارب دون فيكتور في دارته الفخمة بينما ينتج مصنعه أطناناً من الورق البني. لكن الورق ليس كافياً بالنسبة لدون فيكتور، حيث يدور حلمه حول السيلوفان، تلك المادة الشفافة التي يصفها بأنها: «هشة، رقيقة، غامضة، نسيج خداع كالزجاج». وشأن بطل فيلم «فتزكرالدو» الذي أخرجه فيرنر هيرتزوغ، الذي يصرخ من أعلى برج أجراس هاتفاً بأنه سيبني داراً للأوبرا في أدغال بيرو، فإن دون فيكتور يصمم على تحقيق حلمه الخيالي أياً كان الثمن.

وإذا كان فتزكرالدو يدفع حلمه نحو التحقيق بالاستعانة بأكلة لحوم البشر من مطلقي السهام لكي يدفعوا سفينة تجارية دفعاً ليعبروا بها جبلاً في أدغال بيرو، فإن دون فيكتور يمضي مسرعاً نحو حلمه من خلال القيام برحلات مع الشامانات الذين يحتسون مشروبات سحرية تحدث الأعاجيب في لحظات تماهي الواقع والخيال المطلق. وذات يوم يستيقظ من إحدى هذه الرحلات ببرودة على لسانه وأبعاد ماكيناته السحرية تطفو أمام ناظريه.

«كان تصميم المصنع صورة مكتملة في ذهنه. وكان قد التقط قلماً حاداً، ورسمه، من دون أن يتوقف ليفكر فيما يفعله إلى أن تم رسم التصميم كاملاً». وكما هي الحال غالباً في إطار الواقعية السحرية، فإن التقدم الذي يحرزه دون فيكتور هو تقدم وهمي. ويحذره أحد الشامانات: «إنك تقول إن بوسعك أن ترى عبر ورقك. ولكن هذا النوع من الرؤية لا يعني شيئاً». ويضيف الشامان إن هناك نوعاً واحداً من الحقيقة، وهو ليس مرئياً، حيث إن «الحقيقة حجر، أثقل من العشق، والأرواح وحدها هي التي يمكن أن تحملها».

وهذا هو ما يحدث يقيناً، فصناعة دون فيكتور يكبح جماحها، ليس على يد العمال والجنود وأبناء القبائل المحلية وحدهم، وإنما من قبل الأرواح الظامئة للدم، والتي تتلبس الماكينات ذاتها، ويساعدها في ذلك النهر الذي يفيض وتتدفق مياهه، وهكذا فإنها تحطم طموحات دون فيكتور وتحولها إلى نثار.

ومن المستحيل ألا نرى عبر صفحات «سيلوفان» ذلك التقدير البالغ لعملاق الواقعية السحرية جابرييل جارسيا ماركيز، والشخصية الشهيرة التي أبدعها في «مئة عام من العزلة» وهي شخصية جوزيه أركاديو بوينديا الذي يحلم بتحويل بلدة ماكوندو الجبلية المتخلفة إلى نموذج للتقدم.

والكلمات التي تستهل بها أرانا روايتها، وهي: «كان دون فيكتور يعرف دوماً أنه سيموت على نحو ما كان عليه عندما ولد» لا يمكن إلا أن تعيد الأصداء القدرية للسطر الأول في «مئة عام من العزلة» الذي يشير إلى أنه بعد سنوات عدة، وفيما كان كولونيل أورليانو بوينديا يواجه فصيلة الإعدام رمياً بالرصاص تذكر ذلك الأصيل البعيد الذي أخذه فيه أبوه لاكتشاف الثلج.

في الكتابين، تنصب اللغة فخاخاً لمن لا ينتبه، فماكوندو التي أبدعها ماركيز يجتاحها وباء النسيان، فيبادر القرويون إلى وضع لافتات على الأشياء العادية ليتذكروا ما هي هذه الأشياء على وجه الدقة. أما في فلوراليندا، مزرعة دون فيكتور مترامية الأطراف فإن وباء الصدق يجتاح كل شيء. « تتحرك الحقيقة في أرجاء دار سوبريفيلا مثلما ضيف وقح، يدخل متبختراً غرفاً لا يريده أحد فيها، ويقاطع دفق الحوار، ويتلاعب بدواء الساحر، ويقفز على نتيجة كل تبادل».

الأمر لا يقف عند هذا الحد فوباء الصدق يطلق من عقاله وباء الشهوة، التي تأخذ شكل «تسافدات وحشية» في المزرعة التعسة. ويعقب ذلك وباء الثورة، الذي يعبر دون فيكتور إلى درب القدر الذي دارت النبوءة حوله. ويعبر ابنه عن جلية الأمر بقوله إن الأدغال لها طريقتها في تحويل الناس إلى «أشكال غريبة» لذواتهم، إلى «عقول اعتصرتها تلك المتاهة الشيطانية».

ورواية «سيلوفان» تنتمي إلى نوعية نادرة من الروايات الأولى التي يمكن أن يرد الحديث عنها في السياق نفسه الذي يتناول أعمال ماركيز، ومن المؤكد أن هذا ليس من قبيل الصدفة، ذلك أن ماري أرانا تحيلنا ببراعة إلى عالم سحري يضرب جذوره بعمق في غابات بيرو المطيرة، التي تستدعي إلى الذاكرة ماكوندو التي أبدعها ماركيز، ولكن أرانا لا تكتفي بذلك، وإنما هي تمضي قدماً لتقدم لنا نسيجها السحري الخاص.

لقد قيل إن كتّاب أميركا اللاتينية يوظفون، فيما يبدو، الأعاجيب، والغرائب في تصويرهم للواقع اليومي، على النحو ذاته الذي من خلاله يلتقط فنان تشكيلي فرشاة أكثر غلظة أو يختار ظلاً أكثر توهجاً من ظلال اللون الأخضر. ولكن في حالة «سيلوفان» فإنه اندفاعة الرهبة والاضطراب التي تمضي قدماً بإبداع أرانا تولد من قبل التأمل الصريح للعالم الطبيعي وعائلة تخرج من محيطها الطبيعي.

والعناصر السحرية الكامنة في كل عاصفة، كل شجرة، كل دوامة صغيرة في النهر هي التي تقوم بتفكيك رؤية دون فيكتور الإبداعية والتي تجلب الدمار إلى داره والانهيار إلى حلمه. وهو لا يتردد في تعميد موقع مصنعه، لكن ذلك المصنع لا يشق طريقه إلى أي خريطة، فمن جديد يبرهن الانكا على صدقهم وأن الصواب قد حالفهم، عندما ذهبوا إلى القول إن الأدغال كائن حي كأي مخلوق بشري، ولكنها أيضاً من الرحابة الهائلة بحيث تبدو أفقاً ممتداً بلا انتهاء وضارية في شهيتها وقدرتها على الابتلاع.

وباء الألسنة

«بعد سنوات عدة، عندما اجتمع الرجال الحكماء بوجوههم التي اخترقتها الإبر وبثمار يقطينهم المنحوتة لكي يطهروا شوارع مزرعة فلوراليندا، أجمعوا على أنهم كان ينبغي عليهم أن يعرفوا أن دفقاً من الأوبئة سيحل كاللعنة على هذه البلدة. ودمدموا قائلين إنه كانت هناك مؤشرات دالة على ذلك، وراحوا ينثرون مياه النهر على الأرض الصلبة. كان هناك الكلب الذي يسعل والصبي ذو الجلد الأزرق.

كان كلب التيريير الأبيض الصغير، الذي يدعى باسادري، وهو عادة مخلوق معتدل تصعب إثارته، قد مضى يدور في أرجاء دار دون فيكتور سوبرفيلا وهو يئن وقد جن جنونه ومضى يطارد ذيله في دوائر كاملة الاستدارة. وكان هناك جنون في حركاته، وقد خرج عن كل سيطرة. ضحك الأطفال، وهم يتابعون الكلب في ممرات الدار وهم يدورون حول أنفسهم ويتواثبون وراءه، مرتطمين بالأثاث، إلى أن امتلأ الهواء بقعقعة فضيات العائلة». مقتطف من رواية «سيلوفان»

*الكتاب: سيلوفان

*الناشر:دايل برس ـ نيويورك 2006

*الصفحات:384 صفحة من القطع المتوسط

Cellophane

Marie Arana

The Dial Press- N.Y. 2006

P384