هذه المقابلة أجرتها الأديبة والصحافية بيلا ستاندر ونشرتها عبر موقعها الالكتروني المتخصص، لتشكل استثناءً نادراً من القاعدة التي درجت عليها الناقدة والروائية الأميركية ماري أرانا، التي اعتذرت معظم الوقت عن عدم إجراء مقابلات معها. وكانت المناسبة التي شكلت أرضية هذه المقابلة النادرة هي صدور رواية «سيلوفان» التي شكلت إطلالة نوعية مختلفة عما سبق لأرانا أن قدمته للقراء.

وفي هذه المقابلة تلقي أرانا الضوء على مجمل انجازها، وعلى رؤيتها للعملية الإبداعية، ووصفها للكتابة بأنها عملية ترسيب ممتدة للمؤثرات تنجم عنها طبقات متراكمة من الجهود، وهي تشدد على الأهمية الاستثنائية التي يتمتع بها ما تصفه بالتاريخ الذي لا نراه، حيث تقول إن هذا التاريخ لا يمكن إلا أن يفرض حضوره بقوة وعنفوان على حياتنا. وفيما يلي نص المقابلة:

تنتمي ماري أرانا، رئيسة تحرير «واشنطن بوست بوك ورلد» إلى نوعية النساء التي أحب أن أكرهها، فهي جميلة، رشيقة، أنيقة، ويبدو أن من المستحيل على المرء أن يحدد عمرها، ولها شعر كثيف على نحو رائع، وتمشي برشاقة راقصة باليه (وكانت في مراهقتها تخطط لتكون وريثة راقصة الباليه العالمية مارغو فونتين).

وهي أيضاً تعزف على البيانو، وقد اعتادت أن تغني أعمالاً أوبرالية، وقد حصلت على درجات علمية في اللغتين الروسية والصينية. ولكنني لا يمكنني أن أكرهها، ولا يرجع ذلك فحسب إلى أنني أكتب بين الحين والآخر لـ «واشنطن بوست بوك ورلد»، فهي أولاً لطيفة ويسهل الحديث معها.

وثانياً، وهو الأمر الأكثر أهمية، أن كتابها الفاتن الذي يضم مذكرات مليئة بالقدرة على استشراف جلية الأمور والصادر بعنوان «حياة أميركية ـ عالمان وطفولة واحدة» يبدو أقرب إلى رواية، أقرب إلى وعد تحقق عبر صدور روايتها، مؤخراً، بعنوان «سيلوفان». لن تستطيع أبداً أن تخمن من نغمات حديث أرانا الجافة الشمالية الشرقية أن لغتها الأم هي الاسبانية. وهي في كتابها «حياة أميركية» تتحدث عن نشأتها في بيرو ثم في نيوجيرسي في الخمسينيات والستينيات، وهي حياة أقرب إلى «جسر» بين ثقافتين مختلفتين أشد الاختلاف.

على الرغم من ذلك فإن أرانا لم تخطط لكتابة مذكرات، ذلك أنها خلال حصولها على منحة للدراسة في جامعة ستانفورد تصادف أن عثرت على وثائق عن جوليو سيزار أرانا، وهو من العاملين في الحصول على المطاط وأيضاً قاطع طريق سيئ الصيت في صدر القرن العشرين في بيرو. فعكفت على الكتابة عن استغلاله الوحشي لنهر الأمازون، ولكنها أدركت تدريجياً أنه من أقاربها، وان كان من أقاربها البعيدين، الذين حرصت عائلتها البيروفية على التنكر له والتبرؤ منه بمزيد من الإصرار والعناد.

واكتشفت أرانا أن القصة التي كانت بحاجة إلى كتابتها تدور حول تأثيرات هذا التنكر والتبرؤ، التي شملت الاتحاد الذي كان مزعزعاً في بعض الأحيان بين أبيها البيروفي التقليدي «المختلف إلى حد كبير» وأمها الأميركية المستقلة بصورة عنيدة. وتقول أرانا: «إنني أعتقد أن التاريخ الذي لا يستطيع الناس رؤيته يترك بصمته بقوة في حياتهم. وقد أردت الإمساك بالشعور بكل الأشياء التي توجد فيما وراء حدود ما يمكننا السيطرة عليه، والتي تجعل حياة المرء ما هي عليه».

وقد بدأت أرانا بكتابة ملاحظات سريعة في كراسات تحتفظ بها، وتقوم بتفريغها والانكباب على تحريرها في اليوم التالي. وهي تقول في هذا الصدد: «الكتابة بالنسبة لي عملية ترسيبية. فأنت تكتب في البداية جملة واحدة، ثم ينتهي بك الأمر إلى شيء متعدد الطبقات».

وهي تضيف في هذا الصدد أيضاً إن أهم شيء يمكنك القيام به لدى عكوفك على الكتابة هو: «ألا تقيد نفسك، وأن تكون على استعداد لأن تجعل من نفسك شخصاً أحمق. والمحرر الكامن في أعماقك يريد على الدوام أن يمنعك من أن تجعل من نفسك شخصاً أحمق. ولكنني أعتقد أن الكاتب الجيد يكون على استعداد لقطع تلك المسافة الإضافية،

وربما أن يبدو على شيء من الحمق في غمار ذلك».وتعترف أرانا التي حصلت على إجازة لتأليف كتابها «حياة أميركية» بأنها ترى أن: «الناس يقولون إن بمقدورك أن تؤلف كتاباً وأن تذهب إلى العمل في الوقت نفسه. وكل ما هنالك أنني لا أستطيع تصور إمكانية القيام بذلك، فالكتابة عمل بالغ الصعوبة ويلتهم من يقوم به التهاماً.

ولم يكن بمقدوري القيام بأي شيء على الإطلاق إلا نوعاً من الوجود في هذه المرحلة الهلامية. وقد جلست إلى طاولة كتابتي مرتدية منامتي بشكل حرفي على امتداد سبعة أشهر. وأنا أحس بالرهبة والتقدير حيال الناس الذين يقومون بهذا يوماً بعد آخر ويقدمون للناس كتاباً إثر آخر».وعلى الرغم من ذلك فإن أرانا قد استفادت، فيما يبدو، من هذه التجربة التي لا تنقصها الصعوبة، حيث أنها توضح أنها قد أنجزت روايتها الأولى «سيلوفان» في الوقت الذي واصلت عملها في «واشنطن بوست بوك ورلد».

وهي تحرص على القول: «إن هذا العالم يضم أكثر بكثير مما يخبرنا به، وأنا يطاردني بعد خفي لكل شيء فيه جذوره ومنطقه ورؤيته العقلية وصلته التي تربطه بنقطة أخرى في الزمن. وأنا أؤمن بهذا باليقين الذي يستولي على نفس طفلة صغيرة».

وأرانا تحاول في روايتها «سيلوفان» فيما يبدو القيام بتجريب هذا البعد الخفي، حيث تضع الشخصيات الكامنة في ذاكرتها وراء ستارة لون محموم، وتشاهدها وهي تتصرف بحسب منطق يمكنها أن تسيطر عليه. وقد حلقت عالياً فوق تاريخها، لتبني في هذه الرواية صرح نموذج سوريالي ولكنه منظم، ولتقدم عملاً روائياً أكثر غربة من حقيقتها، لكنه يشارك هذه الحقيقة في عظامها.

ورداً على سؤال عما إذا كان انجازها لكتب من تأليفها قد غيَّر الطريقة التي تقرأ بها أعمال الآخرين، تقول أرانا: «إنني أدرك أكثر من أي وقت آخر كيف أنه يمكن لمراجعة متوهجة لكتاب أن تجرح مؤلف هذا الكتاب جرحاً بليغاً. فأنت إذا أسأت فهم شيء ما في الكتاب أو لم تستوعب إحدى شخصياته أو استخدمت نغمة خاطئة في التعليق عليه، فإن ذلك يمكن أن يكون شيئاً ساحقاً للمؤلف.

وقد أحس والداي بإهانة بالغة من خلال ما اعتبرته عرض الكتاب المفضل عندي في حالة كتاب «حياة أميركية»، وهو العرض الذي وصف فيه عائلتنا بأنها مختلة وظيفياً، حيث أبديا استنكارهما الشديد حيال هذا الوصف قائلين: (مختلة وظيفياً! ليس هناك وصف كهذا يمكن أن يكون محتملاً بالنسبة لعائلة لاتينية.

لسوف نكون جميعاً مختلين وظيفياً إذا انطبق هذا الوصف علينا!».والأمر الذي كان مدهشاً حقاً بالنسبة لأرانا هو «الناس الذين يخرجون من رحاب الأوراق»، مثل الأستاذ الجامعي المكسيكي ـ الأميركي الذي تلقى كتابها هدية في عيد الأب. ولم يكن قد عاش في بيرو فحسب، وإنما نشأ في بلدة أمها وهي رولينز، وكتب لأرانا «رسالة طويلة وجميلة» حافلة بذكريات رائعة عن جدها.

وهي تعقب على ذلك بقولها: «ما كنت لأعرفه أبداً لولا بطاقة الاتصال المرفقة بالكتاب. وقد كان شيئاً مبهجاً بلا حدود أن أرى الصلة بتجارب الآخرين وهي تتجلى أمام عينيّ».

محطات في حياة ارانا

*ولدت الكاتبة والروائية ماري أرانا في بيرو لأب بيروفي وأم أميركية.

*نافس كتابها «حياة أميركية ـ عالمان وطفولة واحدة» على المركز الأول في جائزة اتحاد الكتاب الأميركيين وجائزة الكتاب الوطنية.

*لفتت الأنظار إليها بمجموعة مقالاتها التي أصدرتها في كتاب بعنوان «حياة الكتابة ـ الكتاب يتحدثون عن الكيفية التي يفكرون ويعملون بها».

*أصدرت مؤخراً روايتها الأولى بعنوان «سيلوفان» التي اعتبرها الكثير من النقاد إضافة مهمة إلى تيار الواقعية السحرية.

*عملت ماري أرانا بالصحافة، وتولت منصب رئيس التحرير في مطبوعتين متخصصتين في الكتب في نيويورك قبل أن تتولى رئاسة تحرير «واشنطن بوست بوك ورلد».