مؤلفة الكتاب الدكتورة أم الزين بنشيخة - المسكيني هي أستاذة مساعدة في الفلسفة الحديثة في جامعة تونس المنار. متحصّلة على التبريز (1993)، والدكتوراه (2000) في الفلسفة. لها مقالات عديدة منشورة في الفلسفة الحديثة والجماليات في اللغتين العربية والفرنسية. فيلسوف التنوير والحداثة إيمانويل كانط (1724 - 4081)، الذي نبحث عنه في وصفه أداة ميتافيزيقية تساعدنا على مواجهة «فضاءاتنا المثقوبة»، بحسب دولوز، هو كانط الراهن دائماً.

على ذلك يأتي سؤال أم الزين بنشيخة - المسكيني: ماذا نستعمل من كانط فيكون راهناً في عصر يصرف الاستعمال في وجوهه الكانطية الثلاثة؟ الوجه الأول، استعمال الشعوب وفق رغبات المعاصرين من الطغاة. والثاني، استعمال العالم استعمالاً تقنياً مُشِطّاً يهدّد إمكانية الحياة نفسها على الأرض.

والثالث، استعمال الإله استعمالاتٍ أصولية مختلفة تهدّد إمكانية القيم المدنية، والاجتماع البشري نفسه. ضدّ الطاغوت واللاهوت اللذين هيمنا على عقل الإنسان في ثقافتنا المعاصرة، يساعدنا كانط، في راهنية مثيرة، على التحرّر من ربقة الوصاية الفكرية والتعصب الديني معاً.

وهي راهنية حاولت المؤلفة اكتشافها من خلال بعض الحوارات الطريفة التي أقامها الفلاسفة المعاصرون مع أطروحاته: تارة كان كانط راهناً بثراء إشكاليته، كما يبرز ذلك في نقاشات ريكور وأرندت ودولوز، وطوراً كان مثيراً بخطورة الحلول التي قدّمها، كما يبدو ذلك عبر اعتراضات دريدا وهابرماس وجوناس عليه.

أما النتائج الحاسمة لمثل هذه النقاشات، وتلك الاعتراضات، فهي: دين بلا خرافة، وفنّ للتواصل والعيش معاً، وحسّ جمالي بوجودنا في العالم. أيضاً، مسؤولية أخلاقية إزاء الآخر. وفي المحصّلة التزام بمواطنة كونية من دون حدود. معان أربعة من راهنية كانط نواجه فيها أسئلة أربعة: كيف نتدبر علاقتنا ب«الحداثة التي لم نخرج منها بعد»؟ كيف نعيد ترتيب مسألة الدين في حضارة لها من التجربة النظرية والتاريخية للدين قرون طويلة؟

ماذا عن تدبير المدينة، وهل ما زال ممكناً الحلم بالمدينة الفاضلة وبالفيلسوف الملك؟ ماذا عن المستقبل؟ في سبيل علاج الأسئلة هذه، تتخذ الكاتبة من ترتيب هابرماس لمنزلة إشكالية كانط داخل الخطاب الفلسفي للحداثة «بوصفه أول من عبّر عن العالم الحديث ضمن صرح عقلي»،

ثم من تأويل فوكو لمقالة «ما هو التنوير؟»، في وصفها ضرباً من «أنطولوجيا الحاضر»، نموذجين مختلفين لامتحان معاصر لفيلسوف التنوير. بعد ذلك، تختبر المقاربة الكانطية للدين، معتمدة على تفكيكية دريدا لكتاب «الدين في حدود مجرد العقل»، باحثةً لديه عمّا يصلح لمعالجة هذه الآلة الميتافيزيقية التي ترهن عقول المعاصرين وأوطانهم معاً. من ثمّ تتوقف لدى تأويل حنّا أرندت لفلسفة كانط السياسية للحصول لديها عمّا يرتّب به الفيلسوف الحالي علاقته الخطرة بالسياسة، من دون أن يسقط في يوتوبيات الحالمين، ولا في استقالة العدميين، ولا في تمرّد الفوضويين.

اخيراً، تختتم الكاتبة بكانط في عيادة دولوز ملتمسة لديه ضرباً من ضروب «الراهنية التأويلية»، التي يبدو فيها كانط هو من استبق بنفسه (كتاب «نقد ملكة الحكم» على وجه الخصوص) مشاكل الحداثة كلّها، المتعلّقة بالزمن، الذات، الآخر، الإنسان الحديث عموماً. لقد راهن كانط على دور الفيلسوف ومسؤوليته أمام الفضاء العمومي، وتدبير المدينة وسياستها، وذلك من دون السقوط في أي من أوهام الفلاسفة التقليدية: الدور البطولي للفيلسوف، الحلم بالمدينة الفاضلة، إمكانية تغيير العالم...

لذلك وفّر لنا نمطاً من التعلّق الراهن: تعلّق لا يكون على جهة الحلم بالمستقبل، مثلما تتعزى بذلك اليوتوبيات الحديثة (ارنست بلوخ نموذجاً)، ولا هو على جهة الخوف من الكارثة (بنيامين)، ولا هو أيضاً على جهة تمجيد للحاضر، واحتفال بطولي به (أوغست كونت). مع كانط لم يعد في وسع الفيلسوف أن يكون بطلاً.

أما عن مستقبل الشأن البشري، فحتى الآلهة، على ما يقول كانط، «عاجزون عن التنبؤ به لأنه تاريخ الحرية». لكنا نحتاج قسطاً كبيراً من تفاؤلية كانط بالمستقبل من أجل أن يكون الإنسان الكوني، الحرّ والجريء على استعمال عقله، قريب التحقق، وليس مجرد حلم من أحلام الفلاسفة.

في مقابل التفاؤلية هذه، تزعزع فلسفة كانط لدينا وهماً تاريخياً خطيراً يخصّ ممارسة المحدثين المشحونة بالضغينة، والوعي التعيس للعلاقة بين الذات والآخر. وهي علاقة رسمت للشرق صورة نمطية: الضحية، أو: موطن الإرهاب. في حين اتخذ الغرب فيها صورة البطل المستنير، أو المستعمر المتقدّم، موطن الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.

«ينبغي أن نفكر دوماً عن كلّ كائن بشري آخر»، إنها قاعدة التفكير المنفتح على الآخر التي تجد مبدأها الميتافيزيقي في الصياغة الكونية في وصفها ممارسة اتيقية طريفة للعلاقة مع الآخر، أو الغير. ربما يكون كانط هو الفيلسوف «الكوني» الوحيد، أو هو، على الأقل، أكثر من شرّع لكونية العقل، وأحرص من دافع عنها.

فالحداثة التي فكّر فيها، خصوصاً في مقالته عن التنوير، لا تبدو البتّة حكراً على أحد، إنما هي مهمة خاصة بالإنسانية جمعاء، في وصفها انتماء جغرافي محض إلى الأرض. لم يؤمن كانط كثيراً بالتاريخ، أو التقليد، والانتماء، لأنها لديه (ذات مسار عبثي، لا حكمة فيه)، ولأنه إذ يعوّل على البشر، بما هم كذلك، وبالحرية الأصلية التي لهم، يراهن على الكونية ضد الهوية، وعلى المدنية ضدّ القوميات، وعلى العقل مرجعاً لقيم البشر كلّها، ضدّ الوصايا اللاهوتية أو الميتافيزيقية.

لقد راهن كانط على الجغرافيا السياسية والجيوفلسفة بدلاً من التاريخ وفلسفة التاريخ، وعلى النقد والتحليل بدلاً من «الاسم الطنّان للأنطولوجيا»، بحسب عبارة لكانط نفسه. لقد خفّفت فلسفته من وطأة الانتماء، ومن ضروب الشوفينيات في اتجاه التدرّب على دخول أفق استكشافي كوكبي، لشكل من المواطنة الكونية.

هي فلسفة تعلّمنا كيف «يمكن أن نوجد معاً»، وكيف نستعمل سوياً العالم والمدن في وصفنا مواطنين كونيين. إننا مع كانط نتعلّم كيفية التخلّص مما سمّاه فوكو «ابتزاز الحداثة». وذلك يعني أنه في مقدورنا تجاوز حدود الزوج المنطقي الأبله: هل نحن مع التنوير أم ضدّه؟ هل نحن مع الحداثة أم ضدّها؟

ماهر شرف الدين

*الكتاب: كانط راهناً

*الناشر:المركز الثقافي العربي بيروت 2006

*الصفحات:222 صفحة من القطع المتوسط