مؤلف هذا الكتاب الدكتور عزت السيد أحمد، باحث سوري وأستاذ جامعي في قسم الفلسفة بجامعة تشرين. له عدد من الكتب في مجال الدراسات الفلسفية، منها: «فلسفة الفن والجمال عند ابن خلدون» و«الحداثة بين العقلانية واللاعقلانية» و«نحو سلوك تربوي عربي جديد» و«قراءات في فكر بديع الكسم» و«دفاع عن الفلسفة». يشتمل كتابه الجديد «فلسفة الأخلاق عند الجاحظ» على مقدمة، وتسعة فصول، وخاتمة، وفهرس بأسماء الأعلام ومسرد بالمراجع العربية والأجنبية.
يشير الباحث في المقدمة إلى أن نظرية الجاحظ في الأخلاق مبثوثة في معظم كتبه، ولا تقتصر على كتابه «البخلاء» الذي تعرض فيه بالنقد اللاذع لسلوك هؤلاء الناس وأنماط تفكيرهم وتعاملهم وأساليبهم وآليات تفكيرهم وادعاءاتهم. حيث يناقشها تارة ويكتفي بعرضها عرضاً تهكمياً ساخراً تارة أخرى.
وقد حوى كتابه «الحيوان» كثيراً من الرؤى والمواقف والتنظيرات الأخلاقية، وكذلك شأن كتابه: «المحاسن والأضداد». أما القيم الأخلاقية فقد كان نصيبها كما بيّن الباحث أكثر من سبعة كتب ورسائل كبيرة، تناول فيها الأمانة والائتمان في كتاب مستقل هو «استنجاز الوعد» ووقف عند العداوة والحسد والحاسد والمحسود في كتابين هما: «فصل ما بين العداوة والحسد» و«الحاسد والمحسود».
وتناول حفظ السر في كتاب: «كتمان السرّ وحفظ اللسان». وهذا ما فعله في المودّة والخلطة في كتاب حمل العنوان نفسه. ووقف عند الجدّ والهزل في كتاب بالعنوان ذاته أيضاً. وأفرد لقيمة النّبل وما يتعلق بها كتاباً حمل عنوان: «النّبل والتنبّل وذمّ الكبر». أما كتبه في الأخلاق المشخّصة فقد تناول فيها أخلاق مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية وفق الانتماءات المهنية والجغرافية والعرقية والبيولوجية والفيزيولوجية،
ومنها: «فخر السودان على البيضان» و«مناقب الترك» و«ذمّ أخلاق الكتّاب» و«التبصر بالتجارة» و«مفاخرة الغلمان والجواري» و«النساء» و«البرصان والعرجان والعميان والحولان..». وهذه الكتب تنطوي على مواقف أخلاقية ورؤى وتحليلات وانتقادات، مع أنها ليست كتباً في الأخلاق أو الفلسفة الأخلاقية بقدر ما هي كتب موسوعية اشتملت على جوانب أخرى كثيرة، إلا أن الأخلاق فيها فلسفة وتوصيف ونقد ليست عرضية وهامشية وإنما هي جزء صميمي من فلسفة الجاحظ التي يمكن وسمها ـ على حد قول المؤلف ـ بالفلسفة النقدية.
يتخذ الفصلان الأول والثاني من الكتاب طابع التمهيد فيتوقف فيهما الباحث عند التعريف بالجاحظ من حيث اسمه ونسبه وثقافته وفلسفته واعتزاله ومنهجه العلمي وشخصيته وآثاره، كما يتوقف عند عصر الجاحظ من خلال أبرز معالمه الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تكشف عن أبعاد النظرية الجاحظية في الأخلاق من حيث أرضيتها ودوافعها ومدى صلتها بالواقع الذي انبثقت منه وتعبيرها عنه.
فيشير في مجال الحياة الفكرية إلى أبرز الظواهر في عصر الجاحظ ومنها حرية الفكر، والنشاط العلمي والإبداعي، والترجمة والتعريب. كما يشير في مجال الحياة الاجتماعية إلى الطبقات الثلاث التي تشكل منها المجتمع في ذلك العصر وهي العليا والوسطى والدنيا، ومظاهر البذخ والترف، واللهو والمجون. أما في مجال الحياة السياسية فيشير الباحث إلى ظواهر عدة في عصر الجاحظ منها: سيطرة الترك، والشعوبية، وأشكال التمرد والثورات في مختلف أصقاع الدولة العباسية.
ويخلص الباحث إلى القول فيما معناه إن الأخلاق خلاصة القيم التي يحملها المجتمع ويتبناها، وهي في الوقت نفسه نتيجة للعلاقات القائمة في هذا المجتمع أو ذاك وبالتالي من البديهي أن تتغير المنظومة القيمية للمجتمع تبعاً للظروف المرحلية والتاريخية التي يعيشها بمختلف حواملها الفكرية والعلمية والسياسية والاجتماعية. ومن هنا فإن الفلسفة الأخلاقية الجاحظية صدى لعصر الجاحظ ومنظومته القيمية.
وتحت عنوان «أصل القيمة الأخلاقية» يتوقف الباحث في الفصل الثالث عند ثلاثة محاور هي: مصدر القيمة الأخلاقية، والخلق بين السجية والرويّة، وضرورة الشّر. ويعتقد أن هناك اتجاهات عدة في تحديد مصدر القيمة الأخلاقية، منها: الاتجاه الإلهي الذي يرى أن الله مصدر القيم الأخلاقية التي تستمد إلزامها وقوتها وحقيقتها وطبيعتها منه.
والاتجاه الاجتماعي الذي يجعل المجتمع مصدراً للقيمة الأخلاقية فيما يتواضع عليه من قيم. والاتجاه النفسي الذي يرى أن مصدر القيم الأخلاقية في طبيعتها وقوتها وإلزامها هو البنية النفسية. والاتجاه الاقتصادي الذي يرى أن البنية الاقتصادية للمجتمع من حيث القوة والضعف والآلية هي التي تقوم بالمهمة الأساسية والحاسمة في تحديد القيم الأخلاقية ومنحها القوة والقدرة على الإلزام. ويخلص الباحث بعد مناقشة مفهوم السجية والرويّة، وضرورة الشّر إلى أن الجاحظ استند في نقد أخلاق عصره منطلقاً من كون القيم الأخلاقية ذات مصدر إلهي من جهة، ومن أن وجود الشر لا يمنع نقده ولا يعني تقبله.
وفي الفصل الرابع وتحت عنوان: «تحديد الأخلاق» يتوقف الباحث عند أربعة محاور في فلسفة الجاحظ الأخلاقية، وهي: جدلية الخير والشّر، وحقيقة الخير، ومفهوم الخلق، ومعيار الفضيلة. ويخلص إلى أن الأخلاق في المفهوم الجاحظي هي ضروب من السلوك البشري الباعثة للسرور والغبطة في نفوس الآخرين إن كانت إيجابية، والداعية للهجنة والنفور في نفوسهم إن كانت سلبية. ومعيار الفضيلة عنده هو التوسّط والاعتدال، لأن الإفراط والتفريط في نظره مرذولان كلاهما.
في الفصل الخامس يتناول الباحث علاقة الأخلاق بالبيئة كما تجلت في فلسفة الجاحظ، من خلال ستة محاور عريضة هي: النزعة الإنسانية، وأسباب تباين الطبائع، وأثر البيئة في الأخلاق، وأنموذجان تطبيقيان على علاقة الأخلاق بالبيئة هما: خصال قريش وبخل أهل مرو. ثم يختتم هذا الفصل ببيان العلاقة بين البيولوجيا والأخلاق، مشيراً إلى أن الجاحظ رفض أن يكون للأخلاق السيئة انعكاسات بيولوجية أو فيزيولوجية معينة كأن يؤدي الكذب إلى الخرس، أو أن تسبب الخيانة العمى بالفعل المباشر لا بما ينجم عنه. كما نقض ادعاء من ذهب إلى أن خلق السخاء والكرم ناجم عن تدني السوية العقلية.
وتحت عنوان : «الوقائع الأخلاقية» يتوقف الباحث في الفصل السادس عند أربعة محاور في فلسفة الجاحظ الأخلاقية هي: الأخلاق أساس المجتمع، والأخلاق النظرية والأخلاق العملية، وتفاوت أخلاق الناس، وواقعية الجاحظ. ثم يختتمها بتعقيب يقارن فيه بين جهود الجاحظ وجهود بعض فلاسفة الأخلاق المعاصرين مثل إميل دوركهايم وجورج جورفيتش ولوسيان بريل وسواهم. مبيناً مدى التوافق بين ما فعله الجاحظ وما أراده هؤلاء المفكرون، ولولا بعض الافتراقات الجوهرية ـ كما يقول الباحث ـ لكانت نظرياتهم شبه تأطير نظري أو صدى لما قام به الجاحظ.
وتحت عنوان: «أخلاق المنفعة» يتناول الباحث موقف الجاحظ منها عبر ثلاثة محاور هي: المنفعة واللذة، واللذة والسعادة، والأخلاق الاقتصادية. ويخلص الباحث في هذا الفصل إلى أن الجاحظ قد نظر إلى أخلاق المنفعة على أنها أخلاق نابية عن الذوق والعرف والدارج والمألوف في العقلية العربية خاصة، والشرقية أو الإسلامية عامة. ولذلك كانت نظرته الناقدة والتهكمية إلى هذا النبو والانحراف عن العادات الشائعة والأعراف في المجتمع العربي.
وفي الفصل الثامن يتوقف الباحث عند «أخلاق التهكم» وتجلياتها في فلسفة الجاحظ، فيتناول بواعث التهكم مثل التهكم بالطبع، وتهكم التشفي. ووظائف التهكم مثل الشجب والدفاع عن الذات. ثم يختتم كتابه في الفصل التاسع والأخير بالوقوف عند القواعد المنهجية السبع للنقدية الأخلاقية الجاحظية وهي: الموضوعية، والواقعية، والمنطقية، والعقلانية، والعفوية، ومراعاة العرف، ومراعاة الخصوصية. ويرى أن هذه القواعد المنهجية منها ما يصلح قاعدة منهجية فكرية عامة في الأخلاق وغيرها مثل الموضوعية والمنطقية والعقلانية، ومنها لا يصح إلا في التعامل مع الأخلاق مثل مراعاة الخصوصية والأعراف والعفوية.
نذير جعفر
*الكتاب:فلسفة الأخلاق عند الجاحظ
*الناشر: اتحاد الكتاب العرب دمشق 2005
*الصفحات:195 صفحة من القطع الكبير
