يحاول عادل حسنين مؤلف هذا الكتاب من خلال تناول سيرة محمد البرادعي كشخصية دولية بارزة الجمع بين السيرة الذاتية للبرادعي في ضوء منصبه الهام في أحد أبرز مؤسسات المجتمع الدولي، وفي ذات الوقت التعرض لأهم القضايا العالمية التي ارتبط اسمها بهذه المؤسسة التي يترأسها البرادعي.
يبدأ الكاتب عادل حسنين برصد السيرة الذاتية لرئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية د.محمد البرادعي والذي حصل على جائزة نوبل للسلام مؤكدا على الهوية الإسلامية العربية المصرية للبرادعي مع استعراض العوامل التي أثرت في شخصيته خلال كل مرحلة من مراحل حياته حتى أخرجت في النهاية هذه الشخصية الدولية المرموقة.
فعن نشأة د. البرادعي يحدثنا أن محمد مصطفى البرادعي وهو الإسم الكامل لرئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية نشأ في قرية (إيبار) بمحافظة الغربية، وترجع أصوله إلى عائلة عرف عنها حب دراسة علوم القانون، فوالده (مصطفى البرادعي) مكنته دراسة القانون وحبه له من أن يصبح نقيبا للمحامين بين عامي 1958 - 7791 ونقيبا للمحامين العرب فيما بعد.
أما نجله محمد وهو موضع الدراسة فقد كانت طفولته ونشأته ككل أقرانه ولم تختلف عنهم كثيرا إلا أنه كان يتميز بذكاء شديد، الأمر الذي كان محل ملاحظة والديه و اللذين عملا بدورهما على تنمية قدراته الثقافية والدينية فكان والده يعمل على تحفيظه القرآن في ضوء إيمانه بأنه خير حافظ للإنسان في مشوار حياته.
كما حرص والده على الاهتمام بدعمه في مذاكرته، وكان دائم القول له بأنه ليس من المهم نوع الشهادة التي سيحصل عليها و إنما المهم هو أن يعمل على أن يتفوق في مجال دراسته. كما عمل والده كذلك على غرس حب ممارسة الرياضة في ابنه ليظل معه طوال حياته و لتكن معينا له على ممارسة عمله حتى وقتنا هذا. وعن الصفات الشخصية للطفل والشاب محمد البرادعي تتحدث والدته عنه قائلة أنه كان مثالا للهدوء والطاعة وحبه للفكاهة على الرغم من خجله الشديد المعهود عنه حتى هذا الوقت.
وتقول أيضا «كان ابني محمد موهوبا منذ طفولته ولم يكن هذا رأيي وحدي وقتها، فهكذا كان رأي كل من عرفوه بداية من فترات إعداده في الحضانة التي ألحقته بها، وكان بعض أساتذته يقولون لي فيما بعد أنه ينتظره مستقبل عظيم، ولا أنسى أبدا ما حييت أنه شاركني وتحمل معي عبء ومعاناة الرسالة السامية لرعاية أشقائه عقب وفاة والده.. فكان لهم نعم الأب قبل أن يكون الشقيق الأكبر لهم».
وقد تخرج د. البرادعي من كلية الحقوق عام 1962 والتحق بوزارة الخارجية المصرية عام 1964 بعد اجتيازه لاختبارات القبول بتفوق ملحوظ وتم تعيينه في إدارات الهيئات التابعة للوزارة. وفي عام 1974 استطاع البرادعي الحصول على درجة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة نيويورك ثم عمل بعد ذلك في البعثات الدائمة لمصر بالأمم المتحدة في نيويورك وجنيف حيث أتاح له عمله الجديد هذا حضور المؤتمرات الدولية والمفاوضات الهامة والبروتوكولات حتى عام 1978.
وفي عام 1980 أصبح مسؤولا عن برنامج الأمم المتحدة للقانون الدولي، ثم عمل في الفترة ما بين 1981 - 7891 كأستاذ لمادة القانون الدولي في جامعة نيويورك إلى أن أتت النقطة الفارقة في حياة البرادعي عام 1984 حيث التحق بالوكالة الدولية للطاقة الذرية في منصب استشاري.
وقد كان قراره بترك العمل في وزارة الخارجية المصرية صادرا عن قناعة شخصية و حسم كبيرين كما يؤكد هو حيث يصف هذه الخطوة قائلا: «لم أترك الخارجية لأي مواقف خلافية، ولكني أردت توسيع حدود الدور الذي ألعبه كمدافع عن مصالح المجتمع الدولي بأسره،إن المنصب الدولي شرف لأي مواطن يشغل منصبا محليا مهما».
وبعد سنوات قليلة تولى البرادعي منصب مدير الشؤون القانونية للوكالة عام 1991 وبداية من عام 1993 صار مديرا عاما مساعدا للشؤون الخارجية إلى أن عين للمرة الأولى في منصبه الحالي عام 1997 خلفا للسويدي «هانز بليكس» الذي تولى لاحقا رئاسة فريق التفتيش على الأسلحة العراقية، حيث وصف حينها بأنه الأمل في إصلاح أسلوب الإدارة داخل الوكالة الدولية.
ثم أعيد انتخابه للمرة الثانية عام 2001 و للمرة الثالثة عام 2005 غير أن هذه المرة الأخيرة مثلت سابقة في العمل الدولي في العصر الحديث العصر الأميركي كما يسميه البعض ـ فعلى الرغم من معارضة الولايات المتحدة الأميركية لإعادة انتخاب البرادعي فقد فشلت في الحيلولة دون توليه المنصب للمرة الثالثة وبأغلبية ساحقة حيث لم يكن هناك من يعارض الترشيح لفترة ثالثة سوى الولايات المتحدة بمفردها
حيث تذرعت حينها بأن البرادعي متحيز للعرب و المسلمين ووطنه مصر و مناهض لدولة إسرائيل ولامتلاكها السلاح النووي، غير أنه بعد كل هذه الذرائع اضطرت الولايات المتحدة للرضوخ لإرادة المجتمع الدولي ولرأي محافظي الوكالة الدولية ولم تنجح في تكرار ما فعلته مع بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة عندما أدان صراحة إسرائيل في تقريره بالمسؤولية عن مذابح قانا.
وعلى الرغم من تأييد الـ 14 عضوا لمجلس الأمن لإعادة ترشيح غالي لفترة ثانية على رأس الأمم المتحدة إلا أن الفيتو الأميركي كان حاضرا وتغلبت حينذاك العجرفة الأميركية وسياسة الكيل بمكيالين على إرادة المجتمع الدولي الأمر الذي لم ينجح مع البرادعي.
وعن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اتخاذ هذا الموقف المعارض من البرادعي يوردها لنا المؤلف في عدد من النقاط تتضمن القضايا الدولية، خاصة ما يتعلق منها بقضايا السلاح النووي والتي اتخذ فيها البرادعي بصفته المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية مواقف اعتبرتها الولايات المتحدة مناوئة لمصالحها وأهدافها فيما يختص بهذه القضايا،
ومثال ذلك التقرير الذي أعده البرادعي قبيل حرب العراق وأقر فيه بأنه ليس هناك ثمة دليل على امتلاك العراق لأسلحة نووية، فقامت الولايات المتحدة بانتقاده حينها ليس لثمة خطأ مهني أو فني قد يكون صدر منه أو من أحد من الفريق التابع له و لكن لحرصه الشديد على البحث عن الحقيقة بالاستقصاء و المساءلة
ومن ناحية أخرى لم تكن الولايات المتحدة لتتوقع من البرادعي أن يقوم بفتح الملف النووي لحليفتها الكبرى في الشرق الأوسط إسرائيل التي تمتلك ترسانة نووية غاية في الخطورة على الشرق الأوسط وعلى العالم أجمع، حيث وقف وحده في وجه ازدواجية المعايير في التعاملات الدولية و كره أن يقوم بالكيل بمكيالين، حيث جاء ليبعث الحياة في المسكوت عنه وطرحه للنقاش والتداول، وهو الطرح الذي لم يعجب سواء الولايات المتحدة أو إسرائيل بالطبع.
وعن تأثير موقف البرادعي على صناع السياسة في العالم وفي الولايات المتحدة خاصة يحدثنا عادل حسنين بشيء من التفصيل قائلا : إنه في هجوم مفاجئ على الآراء التقليدية التي تطالب دولا لا تملك السلاح النووي بأن تمتنع عن التفكير في امتلاك مثل هذا النوع من الأسلحة،
اقترحت إحدى الدراسات التي قامت بها لجنة من البنتاغون ونشرت في منتصف نوفمبر الماضي طريقة جديدة للتعامل مع قضية الحد من انتشار الأسلحة النووية تتضمن مجموعة من الأفكار أهمها ألا تبدأ الولايات المتحدة بدولة تفتقد السلاح النووي مثل إيران وإنما عليها أن تبدأ بدولة تمتلك تلك الأسلحة بالفعل مثل إسرائيل،
وبهذه الطريقة يمكن أن تتجنب الولايات المتحدة مضي إيران قدما في مشروعها وسعيها لامتلاك السلاح النووي حيث لن تفكر في امتلاك هذا السلاح مادام الخطر الإسرائيلي قد زال من أمامها، هذا الأمر هو نفسه الذي انتهى إليه المحرر المشارك في كتاب «الاستعداد لإيران ذات الاستعدادات النووية» هنري سولسكي من توقع أن تجمد إيران برنامجها النووي وتبدأ في تفكيكه.
ويستطرد قائلا أن هناك ثمة خطر داهما في سياسة الولايات المتحدة الخاصة بالحد من انتشار الأسلحة النووية و أهم أسباب هذا الخطر هو ازدواجية المعايير التي تطبقها الإدارات الأميركية منذ الستينات فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية.
ثم يعود بنا المؤلف إلى السيرة الذاتية للبرادعي متناولا حدثا آخر هاما في حياة البرادعى وهو حصوله على جائزة نوبل والحيثيات التي ذكرتها لجنة نوبل وكانت وراء منحه الجائزة، كما تناول المواقف المختلفة التي ظهرت كرد فعل لحصوله على جائزة نوبل المعارضة منها والمؤيدة لهذا الأمر والأسباب التي يدلل كلا من أصحاب الرأيين على موقفه.
كما تناول بشكل خاص الموقف المصري من حصول البرادعي على جائزة نوبل سواء الموقف الرسمي والذي تمثل في تكريمه ومنحه وسام الجمهورية فيما بعد أو الموقف على المستوى الشعبي ووسائل الإعلام و التي رأى معظمها أن حصوله على هذه الجائزة يمثل رسالة ضمنية لواشنطن التي كانت تقف ضده مفادها أن الرجل مؤيد من الغالبية العظمى لأعضاء المجتمع الدولي وأنه لا يمكنها أن تفعل معه كما فعلت مع غيره ممن عارضوا سياستها من المسؤولين الدوليين.
ألفت عبد الله
*الكتاب: محمد البراعي.. الطريق إلى نوبل
*الناشر: أمادو للنشر - القاهرة 2006
*الصفحات:128 صفحة من القطع المتوسط
