رفعت سلام شاعر مصري يعمل في الصحافة منذ سنوات، له عدة دواوين شعرية وكتب نقدية كان آخرها كتاب «بحثاً عن التراث العربي» وهو حلقة في مسلسل إصداراته الإبداعية في مجال الدراسات النقدية للشعر ،و يتكون الكتاب من خمسة فصول يناقش من خلالها قضايا التراث العربي بعيدًا عن الجمود والانغلاق وطبيعة العلاقة بين الإنسان والعالم المحيط به وأهمية تجديد التراث بما يتناسب وحاجات العصر وتطورات المجتمع بحيث لا يضر هذا التجديد بمضمونه.
في مقدمة الكتاب يقول : إن صفحات هذا الكتاب لا يمكن الزعم بأنها تفتح طريقًا جديدًا، بل الأصح أنها تحاول استكمال ما بدأه الآخرون، أو تشارك ـ في الحد الأدنى ـ في استكماله وتمهيده وهي من هذه الزاوية تطمح لأن تضيف رصيدًا ولو متواضعًا في معالجة ظواهر وقضايا التراث العربي، متخطية الجمود العقائدي وأحادية النظرة.
ويذكر المؤلف أن رؤية العالم تبدأ في مرتكزها الرئيسي من تفسير نشأة الحضارات الرئيسية في تاريخ العالم، أي الحضارات المركزية، حيث الغالب أن كل الحضارات المعروفة حتي الآن حضارات مركزية نشأت من مركز واحد هو الدين، سواء كان ذلك في الأساطير اليونانية بالنسبة للحضارة اليونانية أو في الإنجيل بالنسبة للحضارة الأوروبية أو في التوراة بالنسبة للتراث اليهودي أو في كتاب الموتي والأساطير المصرية بالنسبة للحضارة المصرية القديمة..
أو في القرآن والسنة للحضارة الإسلامية ، ومن ثم فإن العنصر الديني يصبح هو الدافع الأول لتكوين الظاهرة الشعورية وليست الصورية أو المادية أي أن الأبنية ـ اجتماعية وسياسية واقتصادية ـ والأبنية الفوقية من نظريات وآراء وموروثات تم توحيدها في الأبنية الشعورية، وهي الأبنية الفعلية التي تحدد سلوك الجماهير. فالواقع خارج الشعور خواء ، بل تحدد الأفعال والوقائع بكونها أبنية للشعور. والتفسير الوحيد للظاهرة هو ارجاعها إلى أصولها في الوعي والواقع.
ويري رفعت سلام أن العلاقة بين الإنسان والعالم الخارجي ـ الطبيعي والاجتماعي ـ هي محدد الوعي، في كافة أشكاله. هكذا انعكست قوي الطبيعة «الطبيعية» ولكن الغريبة والساحقة في الذهن الإنسان البدائي، في صورة آلهة مشخصنة لتنعكس في مرحلة تالية قوي اجتماعية، تشابه قوي الطبيعة في غرابتها وسيطرتها، متشخصنة في صورة آلهة اجتماعية، وتخلي الآلهة الطبيعية مكانها بتقدم المعرفة الحقيقية بقوي الطبيعة.
ويؤكد سلام أن الوعي ـ هنا ـ هو تحول الواقعي الخارجي إلي ذهني داخلي، مشروطًا بمستوي المعرفة الذي بلغه الإنسان في هذه المرحلة أو تلك، ذلك المستوي الذي يحدد شكل التحول، ومدى انحرافه عن الواقعي، متضافرًا مع توجه الانتماء الاجتماعي. أنه ـ إذن ـ وعي العالم، يتحقق في العالم، من خلال تلك العلاقة المتبادلة بين الإنسان والعالم. إن تجديد التراث بأنه إعادة تفسير التراث طبقًا لحاجات العصر، وهو إعادة فهم التراث حتي يمكن رؤية الواقع ومكوناته من خلال ذلك هو المعني العام.
أما المعني المحدد، فيتعلق بالعلوم الدينية العقلية، بما هي موضوعات التجديد وإعادة بنائها هو التجديد. ومن طرق التجديد، يأتي التجديد اللغوي الذي لا يغير المضمون «الفكر»، بل تجديد لصورته وهي اللغة، أي أن اللغة لا تمس مضمون الفكر، وهكذا ينحصر «تجديد التراث» في اللغة، بل في الألفاظ، بل في ذلك الجانب من الألفاظ الذي لا يمس المعني.
أما المعني ذاته، والمضمون الفكري للتراث، فيجب ألا يمسهما أحد. فهما أبديان، وظلهما منشور في كل العصور كالقدر. فهذا التراث ـ بحكم صدوره عن الكتاب والسنة ـ صالح أبدًا لجميع عصور التاريخ العربي، التي لم تستطع أن تستنفد طاقاته الكامنة في «بطن اللغة التقليدية».
ويعتبر الكاتب أن مفهوم «التراث العربي» ـ بالمعني الشامل ـ ينطوي على معني التفاعل الجدلي مع تراث ما قبل «الحضارة في المنطقة. وذلك ما يتبدى حتى الآن في البعد الشعبي بصورة جلية، على نحو تختلط فيه المعتقدات والقيم والتقاليد الطوطمية والسحرية والدينية والعلمية ـ بالمعنى التجريبي المحدود.
وذلك يعنى أن تراث المنطقة العربية، لم يبدأ مع الإسلام، ولا ـ أيضًا ـ مع بداية ما يسمى بالجاهلي، ولكنه بدأ مع بداية المجتمعات الإنسانية المختلفة في هذه المنطقة.. فالإسلام والجاهلية ليسا ـ تاريخيا ـ سوى مرحلتين من مراحله، تفتقد إحداهما ـ الجاهلية ـ صفة الشمول التاريخي، لتقصر على شبه الجزيرة، أو مناطق معينة منها،
وتفتقد أخراهما صفة النقاء الخالص من نتائج التفاعلات المختلفة، سواء مع الثقافات السابقة في حدود المنطقة العربية أو الثقافات الخارجية، كاليونانية ـ علي سبيل المثال. ومفهوم «التراث الشعبي» لا يقتصر علي تلك المنظومة من الأفكار والرؤى والتصورات الشعبية، التي تغلب عليها الطبيعة الاعتقادية، بل يمتد إلي دوائر الممارسات والعادات السلوكية، ووسائل هذه الممارسات والعادات.
ذلك يعني أن المفهوم يشتمل علي الآداب والفنون «كالشعر والرقص والغناء» والمعتقدات «كالاعتقاد في السحر والجان والأولياء» والقيم والعادات والتقاليد «كزيارة المقابر والاحتفالات الدينية» والممارسات ذات الطبيعة الاعتيادية «كالزار والطب والشعبي» ، فالتراث الشعبي العربي يمتلك ملامحه الموضوعية الشاملة،
في شمولية التكوين، وشمولية التاريخ، وشمولية الجغرافيا، وتمتد وحدة التراث العربي من التاريخ والجغرافيا إلى الشكل والمضمون، في وحدة الأساطير والحكايات والمعتقدات والممارسات الشعبية. أما الأشكال التراثية الأخرى التي تعتمد علي أدوات «محلية» متمايزة ـ نسبيًا ـ كفنون الغناء والرقص والأمثال والنكت، فلا تعدم أسس الوحدة المشتركة،
فأشكال التعبير المختلفة في الأدب الشعبي تجد أساسًا قويًا للوحدة في انبثاقها عن الأصل اللغوي الفصيح، واستمرارية هذا الأصل الفاعلة في الحياة الثقافية العربية، بما يقلص من أثر الانشعابات اللغوية إلى لهجات محلية، إلي الحد الذي تصبح فيه العامية شكلاً من أشكال الفصحى، أو حالة من حالاتها، تستمد منها الألفاظ والعلاقات والتعبيرات اللغوية.
ويلقي رفعت سلام نظرة على «الأمثال الشعبية» في البلدان العربية المختلفة، فهي كفيلة بإضاءة المشتركات التراثية، تجربة وفكرًا ولغة وتنكشف هذه المشتركات في الأمثال من خلال عدة ملامح أهمها التطابق الكلي بين المثل ونظرائه، معنى ولغة، والتطابق في المعني، والاختلاف في الألفاظ، وندرة وجود ألفاظ غير عربية، والتطابق المنقوص، حيث يقوم وجه الاختلاف على زيادة أو نقصان حرف أو حرفين، فيما يظل المعنى واحداً.
يذكر المؤلف أن الحدود الموضوعية للتراث تمتد، لتتخطي كل ما أقترحه الباحثون، وحصروه في حدود الإنتاج الفكري للمفكرين الأفراد، والجماعات، فذلك الإنتاج هو أحد وجوده التراث ـ بلا شك ـ ولكنه لا يستوعب كل التراث.. فهناك العديد من الأبعاد الذي يسقطها التحديد السابق، منها البعد الشعبي، بما يمثله من بناء فكري شامل للأغلبية الساحقة من الشعب، كتصورات للذات والعالم، وموجهات للسلوك اليومي وردود الأفعال، وعادات وتقاليد وطقوس وممارسات.
أيمن رفعت
*الكتاب: بحثاً عن التراث العربي
*الناشر:مكتبة الأسرة - القاهرة 2006
*الصفحات: 268 صفحة من القطع المتوسط

