مؤلف كتاب «الصاحبي» هو «أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا» اللغوي الشاعر المعروف، وأحد كبار المصنفين في القرن الرابع الهجري أغنى المكتبة العربية بآثار كثيرة في مختلف العلوم، حاز شهرته كنحوي لغوي، وذلك بفضل مؤلفاته في النحو واللغة: كالصاحبي، مقاييس اللغة،المجمل في اللغة.
ولد «ابن فارس» في قرية «كرسفّة» وقد رحل إلى «قزوين» في أول تلقيه للعلم والمعرفة، فأخذ فيها عن علمائها، ثم زار «بغداد» في طلب الحديث، كما أنه سكن الموصل، وحجّ إلى «مكة المكرمة» ثم استوطن «همدان» ليستقر بعد ذلك في «الري» وفيها كانت وفاته سنة 375 هجرية.
نشأ «ابن فارس» نشأة علمية، في جو يحب العلم ويرغب فيه، وقد فتح عينيه على دنيا من المعرفة، بين يدي أبيه الشيخ «فارس بن زكريا» الذي كان عالماً لغوياً وفقيهاً كبيراً.
عُرف «ابن فارس» بكرم النفس، وجود اليد، حتى أنه ليهب ثيابه وفرش بيته، وقد عاش عزباً ولم يتزوج، محباً للأسفار في طلب العلم والمعرفة، وقد بلغ بما حصّله من علوم وثقافات ومعارف، درجة رفيعة ومنزلة عالية، بين رجالات عصره والعصور التالية، وقد أحصى الدكتور «غازي طليمات» للشيخ «ابن فارس» أكثر من مئة كتاب ورسالة، ورتبها هجائياً، وفصّل القول في كل منها.
أما كتابه «الصاحبي» فهو كتاب لغوي، يقدم فيه «ابن فارس» جهداً واضحاً في دفع عجلة البلاغة العربية إلى الأمام، فقد درس المعاني البلاغية التي مرّ بها سابقوه، وأضاف إليها ما أضاف مما هداه إليه حسّه البلاغي وبصيرته النافذة في الكشف عمّا وراء النص، من دلالات وإيحاءات.
وفي هذا الكتاب يقف «ابن فارس» عند أسلوب الاستفهام، فيفصل في اسمه، حيث يقول: الاستفهام لغة مصدر استفهمت، أي طلبت الفهم، والاستفهام اصطلاحاً: طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل، بإحدى أدوات الاستفهام، وأسلوب الاستفهام: هو أحد الأنواع الخمسة للإنشاء الطلبي التي هي: الأمر والنهي والتمني والنداء فضلاً عن الاستفهام.
وقد أدرك «ابن فارس» أن الاستفهام قد يكون ظاهره استفهاماً، وباطنه تعجب، يقول: ويكون استخباراً في اللفظ والمعنى، تعجب نحو: قوله تعالى: «فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة» ـ سورة الواقعة 56 ـ 8 وما ذكره هنا يعد توجيهاً بلاغياً مجازياً، فالاستفهام لم يرد على حقيقته وهو طلب الفهم أو الاستفهام عن أصحاب الميمنة، بل تجاوز المعنى اللغوي الظاهر، لإفادة معنى آخر هو التعجب، وهذا هو هنا سر جمالية أسلوب الاستفهام وبلاغته أنه ترك للمتلقي الفرصة لأن يتصور صفاتهم.
ويشير «ابن فارس» إلى غرض «التفجع» بقوله: ويكون اللفظ استخباراً والمعنى تفجع، نحو «مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها» الكهف 18 ـ 48 وغرض التفجع كما يفهم من استنتاج «ابن فارس» هو بالنظر إلى حال الكافرين، ولا بالنظر إلى حال المؤمنين، لأن ثمة بوناً شاسعاً بين الحالتين، فالفئة الأولى ترى فيه نوعاً من الفاجعة، أو الكارثة، في كونه قادراً على إحصاء كل صغيرة وكبيرة، ولهذا كان غرض الاستفهام عند من اعتنق هذا الرأي هو التفجع.
ولكن ثمة فئة أخرى نظرت إلى الكتاب من وجهة أخرى، هي وجهة تتعلق بحال الكتاب وعظمته وإعجازه في أن له تلك القدرة الخارقة على إحصاء كل صغيرة وكبيرة، فكان استفهامهم يفيد التفخيم ويشير «ابن فارس» إلى خروج الاستفهام عن أصل وضعه إلى غرض التقرير بقوله: «ويكون استخباراً» والمعنى تقرير، نحو قوله جل ثناؤه: «ألست بربكم» ـ الأعراف 7 ـ 172، وابن فارس بهذا فهم المعنى المجازي للاستفهام، بأنه ليس استفهاماً محضاً، لأن الآية الكريمة لم تستفهم: أربهم هو أم لا، والله سبحانه وتعالى لا يريد جواباً، بل يريد أن يقر أمراً ثبت العلم به، وبذلك ينتزع اعترافاً منهم.
ويعبر عن معنى الإنكار بقوله: ويكون استخباراً والمعنى إنكار، نحو قوله تعالى: «أتقولون على الله مالا تعلمون» الأعراف 7 ـ 28، ومنه قول القائل:
وتقول عزّة: قد مللت فقل لها ... أيملُّ شيء نفسه فأملّها
فابن فارس أدرك أن صيغة الاستفهام في الشاهدين، خرجت عن أصل حدود الدلالة الوضعية لإفادة الإنكار، ومعنى الإنكار هنا: أن الله سبحانه وتعالى يستهجن أو ينكر على الكافرين فعلهم في الكذب عليه، فينسبون إليه القبيح دون علم أو نظر صحيح، كما أن الشاعر ينكر على عزّة قولها بأن الملل قد تسرب إليه.