مؤلف هذا الكتاب هو الباحث ماريبل فييرو المختص بتاريخ الأندلس والحضارة العربية الإسلامية هناك. وهو يقدم في هذا الكتاب لمحة تاريخية عامة ودقيقة عن إحدى أهم الشخصيات التي صنعت مجد العرب والإسلام في إسبانيا: إنه عبد الرحمن الثالث. يقول المؤلف بما معناه: كان ينبغي أن ننتظر عام 929 لكي يتجرأ الحاكم الأموي للأندلس على اتخاذ لقب الخليفة ومنافسة الخليفة العباسي في بغداد. والواقع أن أحدا قبل عبد الرحمن الثالث لم يتجرأ على خلع هذا اللقب على نفسه. في السابق كانوا يدعون أمراء، وأما منذ الآن فصاعدا فقد أصبحوا خلفاء تماما كأسلافهم الأمويين في دمشق، أو كأعدائهم العباسيين في بغداد.
وعلى الرغم من أن عبد الرحمن الثالث كان يحكم الأندلس منذ عام 912 إلا أنه لم يتجرأ على اتخاذ هذا اللقب إلا بعد سبعة عشر عاما من ذلك التاريخ. وهذا دليل على أنه كان يتهيب الموضوع ويؤجله حتى أصبح واثقا من نفسه.
والواقع أن الحضارة الأندلسية بلغت ذروتها في عهد هذا الخليفة الكبير. فقد جعل من قرطبة عاصمته بكل ما للكلمة من معنى. وأصبحت تنافس بغداد والقاهرة على الحضارة والعلم والفلسفة والفنون والآداب، بل وسبقتهما. هل نعلم مثلا أن قرطبة كانت تعدّ آنذاك مليون نسمة وأكثر؟ وبالتالي فقد كانت من أعظم المدن في ذلك العصر بدون منازع. وكان عبد الرحمن الثالث يفضل أن يسكن في قصره بمدينة الزهرة التي تقع على بعد خمسة عشر كيلومترا من وسط مدينة قرطبة.
ثم يردف المؤلف قائلا: وقد سبقه اثنان من كبار الأمراء هما عبد الرحمن الأول وعبد الرحمن الثاني. وعلى الرغم من عظمتهما إلا أنه تفوق عليهما كليهما. الأول كان عبد الرحمن الداخل، صقر قريش، الذي هرب من سوريا بعد أن فرق العباسيون سلالته إربا إربا. ومع ذلك فقد استطاع ليس فقط أن ينجو من المجزرة ويهرب وإنما أن يصل إلى الأندلس وينصّب نفسه أميرا هناك! وكان ذلك بمثابة المعجزة.
وهو الذي أسس السلالة الأموية في الأندلس بعد أن ماتت في دمشق. وأما عبد الرحمن الثاني فكان شخصا مهما أيضا. فقد كان مولعا بعلم الكلام والفقه والفلك والطبيعيات وعلم النبات على وجه الخصوص. وكان عاشقا للبساتين والحدائق التي أكثر منها في قصره. وقد أراد أن يجعل من قرطبة دمشق ثانية، وهذا ما حصل.
لكن عبد الرحمن الثالث كان هو الأهم في ميزان التاريخ. نقول ذلك على الرغم من عظمة المؤسس الأول: صقر قريش. فعبد الرحمن الثالث حكم فترة طويلة تحاذي الستين سنة! وهذا شيء نادر في تاريخ الخلافة، لقد حكم من 912 إلى 961م.
وكان قد ولد في قرطبة عام 890 وفيها توفي عام 961 عن واحد وسبعين عاما. وكان يلقب بالناصر نظرا لانتصاره على الأعداء وعزة نفسه ونجاحه في كل المشاريع التي انتهجها. وقد سعى إلى المصالحة بين العناصر الداخلية المتطاحنة وتحقيق الوحدة الداخلية. واستطاع القضاء على فتنة ابن حفصون وإيقاف الزحف المسيحي.
وقد كان أول من اتخذ لقب أمير المؤمنين هناك. ثمّ قلّده ملوك المغرب في ذلك ولا يزالون حتى الآن، فالحسن الثاني كان يحمل أيضا لقب أمير المؤمنين، وكذلك يفعل محمد السادس. وكل ذلك آت من جهة الأندلس، فهذة سنّة متبعة منذ عهد عبد الرحمن الناصر. وكان عهده أعظم العهود الأندلسية على الإطلاق، فقد جعل من قرطبة عاصمة الدنيا علما وفكرا وعمارة وفنا وحضارة.
ثم يردف المؤلف قائلا: صحيح أن المسلمين كانوا هم أسياد الأندلس ولكن تسامحهم تجاه الأديان الأخرى كان مدهشا بالنسبة لمعايير ذلك العصر. هل نعلم مثلا أن أكبر مستشار لدى الخليفة عبد الرحمن الثالث كان يهوديا؟ من يصدق ذلك؟ نعم كان يهوديا ويدعى أبو يوسف هاسدي ابن سبروت، وكان مسؤولا عن التجارة الخارجية ويحظى بثقة الخليفة كليا. فقد كان هو المسؤول عن التفاوض مع سفراء الدول الأجنبية، وبالتالي كان يقوم بوظيفة وزير الشؤون الخارجية إذا جاز التعبير.
ويبدو أنه كان يتمتع بثقافة واسعة ويتحدث عدة لغات ولهذا السبب كلفه الخليفة بكل هذه المهام.
وقد اعتمد اللغة العربية كلغة أساسية على الرغم من أنه كان يعرف العبرية. ينبغي العلم هنا أن العربية كانت بالنسبة ليهود إسبانيا لغتهم الأم: أي اللغة الطبيعية التي يتحدثون بها ويكتبون تماما كالعرب. وأما العبرية فكانوا يستخدمونها فقط في الشعائر الدينية والصلوات.
وينبغي العلم أيضا بأن كل الروائع الأدبية والفكرية كتبها علماء اليهود وشعراؤهم وفلاسفتهم في ذلك الزمان كانت بالعربية لا بالعبرية. والدليل على ذلك فيلسوفهم الأكبر: ابن ميمون. فقد دبج مؤلفاته الكبرى بلغة الضاد لا بسواها. ومعلوم أنه استفاد من ابن رشد كثيرا بل وكان أحد تلامذته بشكل من الأشكال.
ولم تكن توجد آنذاك في كل أنحاء أوروبا إلا حضارة واحدة هي الحضارة الأندلسية أو العربية الإسلامية. كل أنحاء أوروبا كانت متخلفة، جاهلة، تغط في نوم عميق ما عدا الأندلس. وقد استمر الأمر على هذا النحو مدة خمسمئة سنة: أي منذ القرن الثامن وحتى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر. بل إن نهضة أوروبا بدءاً من القرن الثالث عشر قامت على أكتاف الترجمات العربية في قرطبة وطليطلة وسواها. بعدئذ تفوقت الحضارة الأوروبية المسيحية على الحضارة العربية الإسلامية، ولكن ليس قبل ذلك.
وفي ظل عبد الرحمن الثالث تحولت كل مدن الأندلس من إشبيلية، إلى طليطلة، إلى غرناطة، إلى فالنسيا، إلى ملقة، إلى منارات حضارية بالإضافة إلى قرطبة. ولم تكن مدن أوروبا التي بهرت العالم لاحقا تساوي شيئا بالقياس إلى هذه الحواضر الأندلسية الراقية.
هل نعلم مثلا أن عدد سكان باريس في ذلك الزمان لم يكن يتجاوز الألفي نسمة؟ ! هذا في حين أن قرطبة كانت تتجاوز المليون!
باريس التي تبهر العالم اليوم كانت قرية متخلفة بالقياس إلى عاصمة العالم والأندلس الزاهرة: قرطبة. وقس على ذلك بقية مدن أوروبا وعواصمها كلندن وسواها. بهذا المعنى فإن قرطبة كانت الوريثة الحضارية لأثينا وروما ولإبان عصورهما الزاهرة. كانت عاصمة العالم علما وفكرا وأدبا وعمرانا وفلسفة وحضارة. وكان عبد الرحمن الثالث يعتبر الإسلام دينا كونيا لا خاصا بالمسلمين وحدهم.
ولهذا السبب شجع الخليفة الكبير على ترجمة علم الإغريق وفلسفتهم تماما كما فعل المأمون قبله في بغداد. وبالتالي فلا يعادله من خلفاء المسلمين إلا المأمون. ويقال إن مكتبته كانت تحتوي على أكثر من ثلاثمئة ألف كتاب! وبالتالي فكانت أعظم مكتبة في العالم في ذلك الزمان. نعم إن حكام العرب والمسلمين آنذاك كانوا علماء وفلاسفة في ذات الوقت أو على الأقل محبين للعلم والفلسفة.
وكانوا يهتمون بالعلوم الدنيوية وليس فقط العلوم الدينية. كما وكانوا يهتمون بالعلوم التطبيقية أو العملية المفيدة للزراعة والصناعة وازدهار الحياة الإنسانية. وهم الذين اخترعوا نظام الري الذي استخدمه الأوروبيون بعدهم لقرون عديدة.
* الكتاب: عبد الرحمن الثالث.. خليفة قرطبة الأول
*الناشر:منشورات العالم الواحد نيويورك، لندن 2006
*الصفحات: 150 صفحة من القطع الكبير
Abd Al-Rahman III
the first cordoban caliph
Maribel Fierro
Oneworld Publications New York, London 2006
p.150
